السبت، 18 أغسطس 2012

تجربتي بالزحف الإسلامي الفلسطيني المقدس بإتجاه الأقصى بالقدس المحتلة ( 4 ) الجمعة 22 رمضان 1433 هـ / 10 آب 2012 م


المسجد الحرام والمسجد الأقصى المبارك
تجربتي بالزحف الإسلامي الفلسطيني المقدس
بإتجاه الأقصى بالقدس المحتلة ( 4 )
الجمعة 22 رمضان 1433 هـ /  10 آب 2012 م

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية والإعلام
رئيس مجلس إدارة شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس – فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17) }( القرآن المجيد - الإسراء ) .
وجاء في صحيح البخاري - (ج 4 / ص 376) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى " .
المسجد الأقصى المبارك في البلدة القديمة من القدس المحتلة

إستهلال

في الجمعة الرمضانية الرابعة ( قبل الأخيرة ) بشهر الصيام المبارك ، 22 رمضان 1433 هـ / 10 آب 2012 م  ، ترددت في أي وسيلة مواصلات اذهب للصلاة بالمسجد الأقصى المبارك ، في ظل التداعيات اليهودية المتطرفة بطرح مشروع قانون عنصري جديد على جدول أعمال الكنيست الصهيوني ، الذي يقترح تقسيم المسجد الأقصى المبارك ، بين أتباع الديانتين الإسلامية واليهودية ، فانتابنا الخوف من وجود الحواجز العسكرية الصهيونية المكثفة ، على الطرقات والشوارع ما بين مدن نابلس ورام الله والقدس ، من الضفة الغربية المحتلة .
كنت أرغب في التنقل برا من خلال الباص ، كمركبة عمومية ، ولكن ابنتي الصغرى أمل ( الزهراء ) ، أصرت على الذهاب لمدينة البيرة لبيت أختها الكبرى ( المهندسة آية ) وزوجها المحاسب حماد ، وأنا ذاهب في طريقي للزحف الإسلامي المقدس تجاه المسجد الأقصى المبارك ، فلبيت طلب الابنة الصغرى ، وركبنا سيارة الأسرة من الصنع الكوري الجنوبي ( كيا فورتي موديل 2012 ) ، تناولنا طعام السحور المبكر من ساعات السحر ، وهو سحور خفيف ، تمثل بأكل 3 حبات صغيرة من الخيار ، وكوبين متوسطين من الماء ، لتحاشي الذهاب أكثر من مرة لتجديد الوضوء ، في المتوضأ بالأقصى ، وسط الكثافة الإيمانية المتوثبة من جماهير المصلين المسلمين ، وما لبث أن أذن المؤذن لصلاة الفجر ، فذهبت لأداء صلاة الفجر بمسجد قريتنا عزموط ( مسجد عمر بن الخطاب ) ، مجهزا نفسي بصورة كاملة ، بالملابس التي سأنتقل بها للصلاة الجماعية بالمسجد الأقصى المبارك ، وعدت بعد ذلك مسرعا ، وانطلقنا مسرعين ( إبنتي أمل وزوجتي عطاف وأنا ) باتجاه الجنوب نحو مدينة البيرة ثم مدينة رام الله فالقدس ( المدينة المقدسة ) . حاولت أن أبكر كثيرا ما استطعت في هذه الجمعة المباركة ، لتجنب الزحام عند معبر قلنديا ، وتحاشي الزحام عند قضاء الحاجة وتجديد الوضوء في متوضأ حمامات المسجد الأقصى المبارك بالبلدة القديمة من مدينة القدس الإسلامية العربية الفلسطينية الخالدة . وكما هي عادتي المعتادة اليومية لا أخرج من بيت الأسرة إلا على وضوء وطهارة إسلامية متجددة .
إنطلقنا ثلاثتنا ، ولا زال الليل يرخي بخيوطه السوداء في فضاء السماء الرحب الواسع ، فاضأت مصابيح السيارة من عزموط حتى البيرة ، وأثناء المسيرة الصباحية المبكرة ، كنا نلاحظ قوافل السيارات الخاصة بشكل كبير ، وعدم وجود المركبات والحافلات العمومية بكثرة نظرا لتبكير المسيرة المباركة . أوصلت زوجتي وابنتي إلى بيت ابنتنا وزوجها في أطراف مدينة البيرة الشمالية ( بسبب عدم التمكن من الذهاب معي للمسجد الأقصى المبارك لأسباب صحية ) ، في ساعة مبكرة قاربت السادسة صباحا إلا قليلا ، وقطعنا مسافة حوالي 40 كم ، واثناء مرورنا شاهدنا بعض الجيبات العسكرية اليهودية ، ومن عادتي عدم الإسراع في الطريق ، وتتراوح سرعة السيارة بما يتراوح ما بين 60 – 80 كم / ساعة ، وأحيانا تصل 90 أو 100 أو 110 كم / ساعة ، حسب الحاجة لتجاوز بعض الحافلات العمومية القديمة التي ينبعث من مؤخرتها الدخان بكثرة . وعادتي لا أحب السرعة بالسيارة مهما كنت مستعجلا ، ولا أحب التجاوز الآمن أو غير الأمن على المركبات أمامنا ، غلا في حالة الضرورة القصوى .
وقررت أن أبقي سيارتي بمدينة البيرة بالقرب من مسجد البيرة الكبير ، بعيدا عن معبر قلنديا الذي تشرف عليه قوات الاحتلال الصهيوني ، بسبب الاكتظاظ السكاني ، وحالة الاختناق المرورية الصباحية ، وتجنب التأخر في ذهابي لمسيرة الأقصى الرمضانية المباركة ، رغم وجود بعض دوريات الشرطة الفلسطينية التي تحاول جاهدة تنظيم حركة المرور وإنسيابها بسهولة . وكلمة لا بد منها ، وهي أنه لولا افراد الشرطة الفلسطينية شمالي معبر قلنديا لكان الوضع المروري مأساويا ، بكل معنى الكلمة في ظل التسابق والسباق بين المركبات العمومية والخاصة والحافلات الصغيرة والكبيرة ، وتدافع المواطنين المتوجهين نحو الحرم القدسي الشريف .
تواجد بعض الشرطيين والشرطيات الفلسطينيين ، شمالي معبر قلنديا ، وارشدوا الناس لمكان العبور للنساء أولا من الجهة الشمالية للمعبر ، ثم للرجال من الجهة الشرقية ، هرولت مسرعا باتجاه بوابة دخول المعبر العسكري الصهيوني ، وكل مواطن فلسطيني حاملا بيده بطاقة الهوية الشخصية ، لتسهيل عملية الولوج وتجنب الفوضى . وقفت في أحد الصفوف أمام جنود الاحتلال الصهيوني ،  وابرزت هويتي ونظر الجندي الأسود الصهيوني إلي ، ولم يلتفت لبطاقة الهوية الشخصية ، فالشيب الأبيض يغزو شعر رأسي ، وسمح لي بالمرور ، دون عناء ، لكبر سني ، بينما يفتش الشباب بأعمار متوسطة ، من ذوي الشعر الأسود ، فهرولت مسرها مخلفا ورائي عشرات بل مئات المواطنين . وأثناء مروري بالمعبر وجدت بعض المشادات والجدالات والاستعطافات من المواطنين الفلسطينيين المارين بالمعبر ، الذين يصطحبون ابنائهم الصغار فلذات أكبادهم للصلاة معهم بالأقصى ، يعترضون على طلبات جنود الاحتلال الصهيوني بضرورة وجود شهادات ميلاد ( كوشان ) للصغار ليسمحوا لهم باجتياز المعبر ، وبعد جدل عقيم ، يتمكن الطفل من العبور للجهة الجنوبية للمعبر بصحبة والده أو أحد أقربائه من الدرجة الأولى لينطلق برحلة العشرين كيلو مترا نحو المسجد الأقصى المبارك ، هي المسافة الجغرافية ما بين معبر قلنديا و البيت الإسلامي المقدس .
وقفت لبرهة من الوقت ليست بالطويلة ، وشاهدت الزحام الخفيف لركوب الباصات الصغيرة ( 20 راكبا ) أو الكبيرة ( 50 راكبا ) ، وسط حراسة أمنية عسكرية يهودية مشددة ، إلا أن كل باص بلوحتيه الأمامية والخلفية الصفراء ( لوحة القدس ) يحتضن عشرات الركاب الاضافيين زيادة عن مقاعده الثابتة ، فمثلا ركبت في حافلة صغيرة واقفا وسط الباص ، كغيري من الركاب الذين بلغ عددهم 13 راكبا عدا عن الحمولة العادية من الركاب الجالسين على المقاعد وبذلك أضحى عدد الركاب 34 فردا مع السائق في الضحى المبكر لتلك الجمعة المقدسة . فالباص ينقل أكثر من طاقته وسط تأفف الرجال والنساء على حد سواء . فمثلا رأيت بأمي عيني ، إكثر من 30 راكبا وسط حافلة تتسع فقط لخمسين راكبا ، ليبلغ عدد ركابها قرابة 80 شخصا فلسطينيا ؟؟؟ إنها ساعات النفير العام نحو الأقصى المبارك سعيا لمضاعفة العبادات والحسنات والبركات الطيبة من بقعة من بقاع الجنة في أرض الله الواسعة رغم جراح وأنين الأقصى الدائم ، ورغم خطورة الركوب بحافلة تنقل عددا مضاعفا من الأشخاص .
فبدأت لي الرحلة الإيمانية المقدسة ، في هذه الجمعة الرمضانية ، ميسرة إلى حد ما ، وخاصة في ظل سماح قوات الاحتلال الصهيوني للمواطنين الفلسطينيين الذكور لمن هم فوق سن 40 عاما ، ولجميع الفئات العمرية من النساء بلا استثناء ، باجتياز معبر قلنديا نحو القدس المحتلة ، وذلك لأسباب اقتصادية بحتة ، وللدعاية الإعلامية الصهيونية المبرمجة بالسماح للفلسطينيين بأداء الشعائر والطقوس الدينية في يوم الجمعة في المسجد الإسلامي الأول في فلسطين ( الأرض المقدسة ) في ظل الانتقادات الإقليمية والدولية للاعتداء الرسمي الصهيوني على حرية العقيدة والدين في فلسطين المحتلة .
بوابات المسجد الأقصى المبارك
أوصلتنا الحافلة الصغيرة لمحطة الباصات المركزية بالقدس الشرقية ، غربي باب العمود ، ودفع كل راكب الواقف والجالس 6.5 شيكل ( إسرائيلي ) لا فرق بينهما ، ثم انطلقنا سيرا على الأقدام في شوارع البلدة القديمة من القدس الشريف ، واستغرق الوقت قرابة 20 دقيقة ، وسط الزحام بدرجاته غير المكتظة كثيرا ، نظرت وإذا بأزمة مرورية بشرية شبه خانقة ، فمشينا ببطئ شديد ، زحف ميداني متأني ، وأوضاع مختلطة بين الرجال والنساء ، وكل فتاة أو إمرأة تمر بجانب قريبها أو محرمها ، أو برفقة مجموعة من النسوة حيث يمكن ملاحظة ذلك من خلال تشابك الأيدي للعبور البري المقدس . وجنود الاحتلال الصهيوني يراقبون الوضع عن كثب ، ثلاث ورباع وخماس وثمانية ، من الجنود والجنديات اليهود الصغار في السن ممن هم في مطالع العشرينات من العمر أو ممن لم يبلغوا سن العشرين من أعمارهم ، الذين يرتدون البزات العسكرية الخضراء والكحلية ، من شتى السحنات الأوروبية البيضاء والإفريقية السوداء والقمحاوية ، وكل يحمل رشاشه وهراوته ، وعيونهم ترقب المارة بالزحف الإسلامي المقدس ، ويحاول بعض الفتية من فلسطين ، من الكشافة تنظيم حركة المرور البشرية وإنسيابها بتوزيع الناس وإرشادهم لممرات وطرق ومسارات فرعية باتجاه المسجد الأقصى المبارك ، ما بين متعاطف وغير آبه لإرشاداتهم الصباحية . وكل ذلك على وقع المناداة التجارية ، للبيع وعرض الأسعار لهذه البضاعة أو تلك ، من أصحاب المحلات التجارية ، والنساء اللواتي يجلسن على جوانب الطرقات لبيع بعض أصناف الفواكه كالتمر والعنب والخوخ وغيرها ، و قمر الدين مع وجود الكثير من المتسولين ، من الأطفال والنساء ، وكذلك ممن يدعون المارة للتبرع لإنشاء مساجد في هذه المحافظة الفلسطينية أو تلك ، أو دفع جزء من زكاة أموالهم وصدقاتهم للجمعيات الخيرية التي ترعى الأيتام والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة . إنها حياة صباحية بالجمعة المباركة الرابعة من شهر رمضان الفضيل ، تعج بالحركة والأنفاس الإيمانية الطاهرة والتجارية الراضية أو المرضية في ظل المفاصلة في الأسعار ، على وقع تلاوة بعض آيات القرآن المجيد ، المنطلقة من ميكروفونات بعض المحلات التجارية المنتشرة بكثرة في أسواق القدس القديمة لبيع الأشرطة الإسلامية والوطنية على السواء التي تمجد فلسطين والأرض المقدسة .
المسجد الأقصى المبارك في البلدة القديمة من القدس المحتلة
وصلنا لأحد أبواب المسجد الأقصى المبارك الخارجية ( باب الحديد ) فوجدنا 8 حراس يهود من الشرطة الصهيونية والجيش العبري يجلسون يرقبون الداخلين والخارجين ، أمام الباب الأخضر اللون وسطة بوابة صغيرة ، خارج سور المسجد الأقصى المبارك ، ولا يتدخلون بمرور الناس الآتين من كل فج عميق من فلسطين ، للصلاة الجماعية بأقدس بقعة في أرض فلسطين ، إنها أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين ، وأرض المحشر والمنشر ، ومسرى ومعراج رسول الله محمد بن عبد الله إلى السماوات العلى ، قبل فرض الصلاة على الأمة المسلمة قبل أكثر من 15 قرنا من الزمن .
سارعت لتجديد الوضوء ، في متوضأ حمامات خارجية خاصة بالمسجد الأقصى المبارك ، عند الساعة السابعة صباحا تقريبا ، ولم تكن هناك أزمة وضوئية حتى تلك اللحظة ، ووجدت أن الجهات الفلسطينية المختصة قد أنهت عملية صيانة أكثر من 50 حماما جديدا لاستيعاب المتوضئين المسلمين ، وذلك تمهيدا لصلاة الضحى ( صلاة الأوابين ) والإبقاء على الوضوء لصلاة الجمعة الجامعة .
المسجد الأقصى المبارك في البلدة القديمة من القدس المحتلة
تأدية صلاة الضحى بالمسجد الأقصى المبارك

صحيح البخاري - (ج 4 / ص 255)
عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ ذَكَرَتْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ
صحيح مسلم - (ج 4 / ص 47)
عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى
- صحيح مسلم - (ج 4 / ص 109)
عَنْ أَيُّوبَ عَنْ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنْ الضُّحَى فَقَالَ أَمَا لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ " .
- سنن الترمذي - (ج 2 / ص 288)
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ فِي الْجَنَّةِ

دخلت المسجد القديم من أبنية المسجد الأقصى المبارك ، وسط إقبال على الله سبحانه وتعالى ، من بين الجموع الإسلامية الغفيرة ، وأديت الكثير من الركعات لله تبارك وتعالى ، في الصفوف الأولى ، وهذا للتذكير الإسلامي والتأريخ وليس للمباهاة والتفاخر ، لأن الذكرى تنفع المؤمنين ، منها ركعتان تحية المسجد ، و8 ركعات لصلاة الضحى الطوعية ( النافلة السنة غير المفروضة ) . كما صليت 10 ركعات ضحى أخرى وأهديت ثوابتها لمن أحبهم في الله كثيرا ، على التوالي ، كالتالي :
- أهديت ثواب ركعتين لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، الفاتح الجوي الفضائي السماوي الحقيقي لبيت المقدس في رحلة الإسراء والمعراج ، من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس ، في سنة سابقة للهجرة النبوية الشريفة .
- وأهديت ثواب ركعتين للخليفة المسلم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فاتح بيت المقدس ، عام 636 م / 15 هجرية ، حيث تسلم مفاتيحها من بطرك الروم صفرونيوس .
- وأهديت ثواب ركعتين للسلطان المسلم صلاح الدين الأيوبي ( يوسف بن ايوب ) مسترجع القدس والمسجد الأقصى المبارك من قذارة الصليبيين الأنجاس بعد معركة حطين عام 1187 م / 583 هـ .
- كما أهديث ثواب ركعتين لوالدتي سهيلة يحيى النادي ، وأهديت ثواب ركعتين لوالدي إبراهيم محمد شحادة طيب الله ثراهما ورحمهما وأدخلهما الفردوس الأعلى في جنات الخلود .
ثم صليت بعدها ، ركعتين صلاة الحاجة ، قرأت في أولاها الفاتحة وسورة يس ، وفي الثانية : سور الفاتحة والواقعة والملك . داعيا الله أن يعيد أمجاد الإسلام العظيم ، وأن يولي الصالحين في الأرض المقدسة وأن يرفع الظلم عنا في فلسطين ، وأن يحرر المسجد الأقصى المبارك من رجس ودنس الاحتلال والمحتلين ، فهو القاهر لعباده ذو القوة المتين .
راجيا من الله العلي القدير أن يتقبلها جميعها مني قبولا حسنا إنه هو الرحمن الرحيم الحي القيوم ذو الاجلال والإكرام ، والعفو الغفور ذو الرحمة الواسعة في الدنيا والآخرة .
وبعد ذلك تابعت السماع لبعض المحاضرات الدينية الإسلامية على يميني ، عن الصيام والصلاة ، والجهادية والتاريخية ، وتلاوة آيات من الذكر الحكيم ، وتكرار الأذكار الإسلامية المتعددة منها : لا إله إلا الله - محمد رسول الله ، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ، لا إله الا الله الملك الحق المبين ، استغفر الله العظيم الذي لا إله الا هو الحي القيوم وأتوب إليه ، وسبحان والحمد ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، واللهم صلى على محمد وعلى آل محمد وصحبه وسلم ، بالإضافة إلى الكثير من الأدعية العامة والأسرية والخاصة . راجيا أن يمن المولى علينا بالعفو والصفح والمغفرة وأن يبدل سيئاتنا حسنات ، وأن يلهمنا طرق الحق والسداد والصواب والرشاد وأن يبعدنا عن الفتن والفساد والمفسدين والظالمين إنه على كل شيء قدير .

صلاة الجمعة الجامعة بالمسجد الأقصى المبارك

إنتظرنا عدة ساعات داخل البناء المسقوف القديم ، لأداء صلاة الجمعة الجامعة ، مستمعين قبل ذلك لخطبة إمام الصلاة في المحراب ، وسط كثافة مصلين غير مسبوقة ، جاؤوا للصلاة بالمسجد الأقصى المبارك ، من كل حدب وصوب ، لتقديس الصلاة ومضاعفة الثواب مئات المرات ، بإعتبار المسجد الأقصى المبارك بقعة من بقاع الجنة في ارض الله الواسعة ، ومرابطة جهادية كفرض عين على كل مسلم من فروض الإسلام العظيم ، وحماية للمقدسات الإسلامية من رجس ودنس الحاقدين على رسالة الإسلام الحنيفة ، والوقوف أمام أطماع الغزاة اليهود الصهاينة ومواجهتها بأقل السبل المتاحة ، من أولئك الذين أتوا من وراء البحار ، لقهر العباد والبلاد على حد سواء .
وترى الجموع الإيمانية الغفيرة التي أتت من كل فج عميق لأداء صلاة الجمعة الرمضانية ، حيث بلغ عدد المصلين في الجمعة الرابعة من شهر رمضان الفضيل 22 رمضان 1433 هـ / 10 آب 2012 م قرابة نصف مليون مصل ومصلية في جميع أنحاء ساحات وباحات المسجد الأقصى المبارك حسب التقديرات الرسمية وشبه الرسمية والإعلامية الفلسطينية المطلعة على خفايا الأمور .
أذن المؤذن لصلاة الجمعة المباركة ، فبادر المصلون لصلاة ركعتين سنة صلاة قبلية ، ثم صعد الإمام المنبر ، قرب محراب المسجد الأقصى المبارك ، فخطب خطبة دينية - سياسية - اقتصادية - نفسية شاملة وجامعة دامت أكثر من 20 دقيقة ، ، جزاه الله خيرا ، ثم أقيمت الصلاة وصلى المصلون خلف الإمام ركعتين فرض ، ثم صلوا ركعتين سنة بعدية لصلاة الجمعة ( الظهر ) وسط زحام شديد وتراص في الصفوف . وهناك ميكروفونات وسماعات كثيرة ، تضخم الصوت وتعليه ، لإيصال خطبة الإمام لجميع المصلين في داخل المسجد بالأبنية المسقوفة أو الحديقة والشوارع بالهواء الطلق . وغني عن القول ، إن هناك عشرات المراوح الكهربائية المحركة والملطفة لحرارة الطقس خاصة المراوح الهوائية الشغالة أو تلك المعطلة التي يتذمر منها الناس وينظرون بعين الشك والريبة لعدم إصلاحها ، في جوانب أعمدة المسجد الأقصى المبارك بالبناء المسقوف القديم  . ويصطف المصلون المسلمون في باحات المسجد الأقصى المبارك للصلاة في ظلال الأشجار أو تحت أشعة الشمس الذهبية الملتهبة أو في ظل بعض الخيم السوداء أو البيضاء المنصوبة في الساحات العامة للمسجد الأقصى المبارك للرجال والنساء كل على حدة .
ركز الخطيب في صلاة الجمعة على الكثير من الشؤون الإسلامية العامة والخاصة ، وخاصة المرابطة في أرض الرباط بالأرض المقدسة ( فلسطين ) والاعتصام بحبل الله المتين . إنها خطبة شاملة وجامعة ومتينة ، تحض المسلمين على التمسك بالإسلام العظيم وعدم الاستسلام للأعداء والمعتدين بأي حال من الأحوال .
وتتم عملية تسجيل خطبة إمام المسجد المعتمد من الأوقاف الإسلامية الفلسطينية بالقدس المحتلة ، بالصوت والصورة ( الفيديو ) ، وتمت ملاحظة قيام بعض المصلين بتسجيل بعض مقاطع الخطبة عبر الأجهزة الخليوية النقالة ( موبايل ) للاحتفاظ بها .
وبالنسبة للمصلين غير المقيمين بالقدس المحتلة ، فيمكنهم تأدية صلاة العصر قصرا ( ركعتان فرض ) بعد أداء صلاة الجمعة مباشرة أو بوقت قصير ، بعد تأدية ركعتي السنة النافلة البعدية لصلاة الجمعة ( الظهر ) بصلاة جماعية ، وهذا ما يحدث في كل جمعة رمضانية وغيرها من الجمع العادية . وهناك من يصلى الركعتين كنافلة ، كما افعل أنا عادة ، في كل جمعة رمضانية ، لإحتساب الأجر والثواب من الله العزيز الوهاب .

ومما لفت إنتباهي ، في الجمعة الرابعة من رمضان الفضيل في 22 رمضان 1433 هـ / 10 آب 2012 م ، أن المصلين في الصف الأول بالمسجد الأقصى المبارك ، من الكبار في السن ، والشباب ايضا ، هم ذاتهم الذين صلوا في جمع سابقة في الصف الأول ، ويبدو لي ، وهو كذلك ، أن الكثير من هؤلاء المصلين يحجزون الصف الأول عبر وضع مصليات مصنوعة من القماش أو القش ، أو كراسي أو طربيزات بلاستيكية ، وكأن الأمر مبرمج ومخطط له ، وهذا الأمر بحاجة لمعالجة حثيثة ، وعدم حجز هذه الأمكنة لأناس مخصصين ومحددين ، فمن يأتي أولا له الحق في الصلاة بالصف الأول ، ولا يجوز تحت اي ظرف من الظروف أن يتم حجم أمكنة الصلاة بالصف الأول من المسجد الأقصى المبارك لفئة انتهجت هذا النهج من الحياة الدينية .
وإلى ذلك ، في خارج البناء المسقوف ( المسجد القديم ) يصلى الرجال في باحات المسجد الأقصى المبارك الواسعة ( 144 دونما - كل دونم يساوي 1000 م 2 ) وتصلى النساء في مسجد قبة الصخرة المشرفة والصحن العلوي المجاور لها ، وسط الزحام الإيماني العظيم ، من الرجال والنساء كل على حدة .
ويمكننا القول ، إن النساء في صلاة الجمعة الرمضانية الرابعة من هذا العام 1433 هـ / 2012 م ، هن أكثر عددا وعدة ، فلاحظت النساء اللواتي يصطحبن أبنائهن وبناتهن ، صغارا وكبارا ، برفقتها بعض الأمتعة للجلوس أو إحضار بعض الأطعمة والمعلبات لتناول طعام الإفطار بعد أذان المغرب بعد غياب شمس ذلك اليوم المبارك .
ويمكن أن تعزى مسألة زيادة النساء المصليات بالمسجد الأقصى المبارك ، على أعداد المصلين الشباب والرجال ، بسبب الإجراءات القمعية العسكرية الصهيونية ضد الشباب ومنعهم من القدوم للصلاة بالمسجد الأقصى المبارك عبر حظر دخول الشباب المسلم الفلسطيني للقدس المحتلة عموما والمسجد الأقصى المبارك خصوصا ، لمن هم دون سن الأربعين عاما ، إلا بتصريح صهيوني ، من مكاتب الارتباط المدنية الصهيونية - اليهودية - العبرية ( الإسرائيلية ) في مختلف المحافظات الفلسطينية في الضفة الغربية . وأما سكان قطاع غزة في الجنوب الغربي من فلسطين ، فتحرم قوات الاحتلال الصهيوني ، بقرارات حكومية عسكرية عليا من تل أبيب ، تنقلهم من قطاع غزة للضفة الغربية عامة ، والقدس المحتلة خاصة ، وأما بالنسبة لفلسطيني فلسطين المحتلة عام 1948 ، فيمكنهم الحضور في سن فوق الأربعين سنة بلا تصاريح مدنية .
على أي حال ، كل من يرى افواج المصلين المسلمين في المسجد الأقصى المبارك ، في صلاة الجمعة ، لا يظن أن هناك أناس خارجه ، وكل من ينظر خارج المسجد الأقصى المبارك لا يظن أن هناك أناسا داخله ، فالصحوة الإسلامية آخذة بالإتساع التدريجي ، بصورة متوالية ، سنة بعد أخرى ، لعبادة الله في الأرض المقدسة ، والدفاع الحتمي على قدسية وحرمة المسجد الأقصى المبارك ، في أرض الأنبياء والمرسلين .
على العموم ، إن كل من يؤدي الصلاة بالمسجد الأقصى المبارك ، يتذكر فرض الصلاة من رب العالمين على الأمة الإسلامية ، خير أمة أخرجت للناس في الأرض ، في رحلة الإسراء والمعراج التاريخية الدينية الأرضية السماوية العظمى ، في حالة فردية من نوعها ، بصعود نبي من أنبياء الله من الأرض إلى السماء الأولى حتى السابعة ، ثم العودة للأرض في وقت قصير ، هو نبي الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت أرض  المسجد الأقصى المبارك بوابة الأرض إلى السماء ، وكانت مصلى لإمام الأنبياء والمرسلين ، رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، حين أمهم بالصلاة الجامعة لمرة واحدة في صلاة الفجر المبكرة ، في إيذان رباني بنسخ جميع الأديان السابقة وبقاء الإسلام دين الله في الأرض لجميع الأمم والشعوب بكافة أعراقهم وأجناسهم وجنسياتهم وألوانهم وأصولهم ومنابتهم الجغرافية والتاريخية إلى يوم الدين يوم الحساب العظيم بأرض المحشر والمنشر في ساحات المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين لعبادة الله رب العالمين .

الشباب الفلسطيني .. وصلاة الجمعة بالمسجد الأقصى المبارك

بالرغم من الحظر العسكري الصهيوني ، دخول الشباب الفلسطيني ، للمدينة المقدسة والمسجد الأقصى المبارك ، فإن ثلة من الشباب المؤمن بالله عز وجل ربا ، وبالإسلام العظيم دينا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ، فإنه يلجا للمسالك الوعرة والخطرة لدخول المسجد الأقصى المبارك ، وهناك جماعات فلسطينية مختصة لتهريب هؤلاء الشباب بأعمار مختلفة ، 17 عاما فأعلى ، أو في سنوات العقدين الثاني والثالث ( العشرينات والثلاثينات ) من طرق جانبية صعبة المسالك ، لتمكينهم من دخول القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك . ولقاء هذا التهريب يتقاضى المهربون أجرة مالية مرتفعة تتراوح ما بين 20 شيكل و30 شيكل و50 شيكل و100 شيكل أو أكثر من ذلك ( 4 شواكل إسرائيلية تساوي دولار أمريكي واحد ) ، حسب طريقة الإدخال المخططة . فبعض هؤلاء يدخل من طرق ومسارب قص فيها شباب فلسطيني الأسلاك الشائكة الصهيونية ، أو تسلقوا جدار الفصل العنصري عبر السلالم الخشبية أو المعدنية أو المصنوعة من الحبال الغليظة ، وأعمدة الكهرباء القريبه ، والنزول في حبال مخصصة لهذه الغاية وهناك من نقل للمشفى ولم يتمكن من أداء الصلاة بالمسجد الأقصى المبارك ، وهناك من اعتقلته قوات الاحتلال الصهيوني عبر الدوريات ( الجيبات ) العسكرية اليهودية المتنقلة والحواجز الطيارة أو المشاة العسكريين أو المخبرين والعملاء والجواسيس السريين للاحتلال الصهيوني . وهي مسائل خطيرة وخطرة في الآن ذاته ، دفع فيها بعض الشباب الفلسطيني حياته ضحية لذلك أو جرح بالرصاص الصهيوني مباشرة أو لعدم تمكنه من النط والقفز عبر الأسوار العالية بالجدار العنصري الصهيوني المرتفع ما بين ( 3 - 6 أمتار ) ، وعدم الدراية والخبرة في ولوج هذه الطرق الوعرة ، ولكن الرحلة الإيمانية المقدسة تحتم على بعض الشباب الفلسطيني ، إجتياز المسالك الصعبة لعبادة الله بديع السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، مع الجموع الغفيرة ، في تحد واضح للإجراءات العسكرية الوحشية الصهيونية التي تنتهك حقوق الإنسان الفلسطيني وتعتدي على حياته الدينية الإسلامية .

المنطاد الأبيض وطائرة الهليكوبتر الصهيونية لمراقبة المصلين بالمسجد الأقصى المبارك

تعمل قوات الاحتلال الصهيوني ، على إطلاق منطاد جوي خاص لمراقبة تحركات المواطنين المسلمين الفلسطينيين ، داخل باحات المسجد الأقصى المبارك ، ويظهر هذا المنطاد على علو منخفض ، يمكن للإنسان أن يشاهده بالعين المجردة . وكذلك تحوم طائرة عمودية ( هليوكبتر ) في سماء ميدنة القدس المحتلة ، مع التركيز على البلدة القديمة ، والمسجد الأقصى المبارك . هذا عدا عن المراقبة الأمنية والشرطية الداخلية والخارجية ، من المستعربين ، والوحدات الخاصة وبعض وحدات الشرطة اليهودية التي تجوب ساحات المسجد الأقصى المبارك ، قبل وأثناء وبعد صلاة الجمعة وغيرها من الصلوات الإسلامية الخمس .
وبهذا تعمل قوات الاحتلال الصهيوني ، على إتباع اسلوبي المراقبة البرية والجوية لرواد المسجد الأقصى المبارك ، بدعاوى الحيلولة دون إحتجاج المصلين في مسيرات ومظاهرات داخل ساحات المسجد الأقصى المبارك أو في أزقة البلدة القديمة من القدس التي تنتشر على نحو 1 كم2 .

أعداد فيلم مصور عن الحياة الإسلامية في المسجد الأقصى المبارك

لقد قمت بإعداد فلم عبر الجهاز الهاتف الجوال ، عن الحياة الإسلامية داخل أروقة المسجد الأقصى المبارك ، والنشاطات الدعوية والمحاضرات السياسية ، والتجوال الكثيف ، وتبلغ مدته حوالي 50 دقيقة ، قمت بإعدادها بنفسي ، لتأريخ وتسجيل معالم المسجد الأقصى المبارك ، وسط الحشود الإيمانية المقدسة ، على طبيعتها . وهذه الفترة غطت ما بين صلاتي الجمعة ( الظهر والعصر ) وقد استنفذت البطارية الخاصة بالهاتف النقال ( بلاك بيري )  ، رغم وجود هاتفين جوالين معي ، كلاهما لشركة جوال فلسطين .

صعوبة الإتصال والتواصل عبر الهاتف النقال

بعد أداء صلاة الجمعة الجامعة ، يبادر عشرات آلاف المصلين والمصليات للاتصال ببعضهم البعض للالتقاء ، كل أسرة أو مجموعة إيمانية ، رجالية أو نسائية على حدة ، وبالتالي تتعطل الشبكة كليا أو بصورة شبه كلية ، وخاصة لشبكة شركة جوال فلسطين ، وأما ممن يمتلك شرحة من الشركة الوطنية موبايل فإنه يتمكن من إجراء بعض المهاتفات مع الآخرين ، لأسباب فنية بحتة . وبهذه العجالة نؤكد على ضرورة تفاهم وإتفاق الأسرة الواحدة أو المجموعات على مكان للاتقاء بعد الصلوات ، صلاة الجمعة ، وصلاة العصر وصلاة العشاء إذا تاهوا عن بعضهم البعض ، وأن يتم تزويد الأطفال بأرقام هواتف الكبار في أوراق صغيرة ووضعها في جيبوبهم لتجنيب الصغار الضياع وسط الجموع الإيمانية المكتظة .

صلاة العصر بالمسجد الأقصى المبارك

بعد رفع أذان العصر تتقاطر الجموع المؤمنة ، لدخول مباني المسجد القديم ، والمصلى المرواني ( تحت الأرض ) شمالي شرقي البناء القديم ، ومسجد قبة الصخرة المشرفة ، والقدوم من أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك المفتوحة من البلدة القديمة ، ممن خرجوا للتسوق ، فتصطف الصفوف ، في صفوف دينية إسلامية منقطعة النظير ، في تراص بدني ، المصلي جنب المصلي عن اليمين وعن الشمال ، والمصلية بجانب المصلية يمينا وشمالا ، في تميز إسلامي لا شبيه له في جميع الأديان في العالم . فالصلاة الإسلامية ، صلاة مميزة ومتميزة بكل السمات والصفات ، ولا مثيل لها في جميع الجهات .
فتتم تأدية صلاة ركعتين نافلة ، تحية المسجد لمن كان خارجه ، وصلاة ركعتين أو اربع ركعات نافلة ، تصلى فرادى وليس جماعات ، قبل صلاة العصر المفروضة ، ثم تقام الصلاة بأذان مقتضب لأداء صلاة أربع ركعات فرض خلف الأمام ، صلاة جماعية ترص فيها الصفوف تلو الصفوف في متوالية عددية حسابية وهندسية متعاظمة .

صلاة المغرب الرمضانية بالمسجد الأقصى المبارك

رفع أذان المغرب ، واستراح الناس لبرهة قصيرة من الوقت أقل من 15 دقيقة ، تناولوا أثناءها طعام الإفطار الخفيف ، من كاس ماء أو حبات تمر أو وجبات طعام خفيفة ، أعدت مسبقا ، من الأهالي أنفسهم أو من الجمعيات والجهات الفلسطينية والعربية المختصة لتقديم وجبات الطعام لإفطار الصائمين ، في المسجد الأقصى المبارك كالحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة 1948 ، وهيئة الأعمال الخيرية الإماراتية وغيرها . صلى البعض في الأبنية المشيدة والكثير من الناس في الساحات المفتوحة ، وأعداد المؤمنين المصلين في صلاة المغرب أقل قليلا من المصلين في صلاة العصر ، والمصلون في صلاة الجمعة الجامعة أضعاف مضاعفة للمصلين في صلاة الجمعة ( الظهر ) من بقية الصلوات في اليوم والليلة .
رفع الأذان لإقامة صلاة المغرب ، فاصطف المصلون كل حسب رغبته ، ومكان الفراغ المتوفر ، فاصطف الذكور في المسجد القديم والساحات العامة ، واصطفت النساء في مسجد قبة الصخرة المشرفة ، والدرج يفصل بينهم ، وصلى المسلمون صلاة المغرب ( 3 ركعات فرض ) ثم ركعتين سنة نافلة ، ثم بدأت الصفوف تتقاطر للخروج من الأبواب الداخلية والخارجية على السواء ، وجلس الناس لاستكمال طعام الافطار ، مما حضر من رزق الله الواسع .
ومن الملاحظ أن الكثير من الناس لا يتمكنون من إحضار وجبة الإفطار لعدة أسباب منها البعد الجغرافي عن الأقصى المبارك ، والبعد الزماني ما بين فترة خروج المصلين حتى ساسة الإفطار المسائية الرمضانية ، وتجنب تلف المواد الغذائية .
رعاية شؤون المسجد الأقصى المبارك .. ووجبات إفطار الصائم من فلسطين والجمعيات العربية

جاء في سنن الترمذي - (ج 3 / ص 301) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا " .
تعمل بعض الجهات العربية والإسلامية ، الداخلية والخارجية ، مثل الحركة الإسلامية والأوقاف الإسلامية والهيئة الأعمال الخيرية الإماراتية ، على تقديم وجبات إفطار للصائمين المسلمين من وفود الرحمن التي تؤم المسجد الأقصى المبارك لعبادة الله وحده ، من شتى المحافظات والمدن والقرى والمخيمات الفلسطيني من فلسطين الكبرى ، ما استطاعت إلى ذلك سبيلا . وهذه الاستطاعة مرتبطة بالمقدرة المالية والإدارية والعددية الطارئة أو الاستراتيجية ، والرغبة في إكرام وفود الرحمن قدر الإمكان . ورضا الناس غاية لا ولم ولن تدرك ، ولكن لكل مجتهد نصيب . وخلال ملاحظاتي الرمضانية ، لتجهيز إطارات الصائمين ، أقول ما يلي :
أولا : لا بد من زيادة كميات الوجبات الغذائية المقدمة للصائمين . فما يقدم من وجبات وطرود غذائية في الأيام الرمضانية الممتدة ما بين السبت والخميس تختلف عن الوجبات الرمضانية المقدنة في أيام الجمع ، حيث يتقاطر مئات آلاف المصلين للصلاة بالمسجد الأقصى المبارك في أيام الجمع الرمضانية . وتقدر الحاجة لحوالي 100 ألف وجبة غذائية كاملة في كل جمعة من أيام الجمع الرمضانية لمن يبقون لأداء الصلوات بعد صلاة الجمعة ، للزحف الإسلامي الكثيف في أيام الجمع بسبب تحكم الاحتلال اليهودي – الصهيوني ( أصحاب السبت ) في المداخل والمعابر المؤدية للقدس المحتلة عامة والمسجد الأقصى المبارك خاصة . ويجب أن يسود النظام والضبط والربط في توزيع وجبات الإفطار الرمضانية ، وعدم حرمان الناس الكثيرين من هذه الخدمة خدمات السقاية والرفادة .
ثانيا : ضرورة التنسيق المسبق بين المتبرعين سواء أكانوا جهات خيرية أو أشخاص خيريين ، ممن يرغبون في تكريم الصائمين وجني الحسنات الكثيرة الوفيرة وإدخارها ليوم القيامة يوم الحساب العظيم .
ثالثا : ضرورة وجود هيئة عليا مشتركة من الشخصيات والهيئات الإسلامية فقط لإدارة الشؤون العامة للمسجد الأقصى المبارك ، تتعاون بصورة وثيقة ، مع بعضها البعض مثل الهيئة الإسلامية العليا ، والأوقاف الإسلامية ، والحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني ، والنواب المسلمين بالكنيست العبري ، والكشافة الفلسطينية ، وإتحاد الجمعيات الخيرية ، ووسائل إعلام إسلامية فلسطينية وسواها .
رابعا : ضرورة مضاعفة أعداد الحراس العلنيين والسريين ، من المتدينين المسلمين للمسجد الأقصى المبارك .
خامسا : زيادة الرعاية الطبية للمصلين وخاصة في الأيام الرمضانية وأيام على وجه الخصوص .
سادسا : تكثيف زيارات الوفود الرسمية العربية والإسلامية ، ليس من أجل التطبيع مع الجاليات اليهودية بفلسطين ، بل من أجل تعزيز حماية المسجد الأقصى المبارك .
سابعا : تخصيص موازنة مالية سنوية مفتوحة للإنفاق على شؤون المسجد الأقصى المبارك .
ثامنا : تكثيف الندوات والمؤتمرات والمهرجانات والمسابقات الإسلامية من رحاب المسجد الأقصى المبارك .
ومن نافلة القول ، إن بعض الفوضى في توزيع وجبات الإفطار الرمضانية في ايام الجمع ، كما شاهدتها بأم عيني ، شيء مخجل ، يندى له الجبين ، فهناك خلل في توزيع وجبات الأطعمة والأشربة ، وسوء إدارة في الموزعين الميدانيين في ساحات المسجد الأقصى المبارك ، من الشباب المتطوعين ، بشعارات الهيئة المنظمة لحفل الإفطار الجماعي . فينبغي أن يتقي الصائمون ويبتعدون عن الفوضى ، ويؤثرون على أنفسهم ولو بهم خصاصة . ففي الجمعة الرابعة الرمضانية لعام 1433 هـ / 2012 م ، رأيت كيف يعبث البعض بالقيم العليا والأخلاق الحضارية الإسلامية المثلى ، من بعض المصلين الصائمين ، ويتسابقون في الحصول على طرود مائية أو غذائية من هذه الجهة أو تلك . وتكتفي بعض الجهات بالتصوير عبر الفيديو بداية عملية توزيع وجبات الإفطار الموضوعة في شراشف بلاستيكية ، ولو قامت بتصوير ما يتبعها من فوضى لقيمت نفسها بنفسها ، ولكنها أخطاء متراكمة ، فهل من مخلص لهذه الفوضى غير المقبولة ؟؟؟ وهي مظهر غير حضاري ، ويمكن أن يستوعب المرء المعاناة من الجوع والعطش أثناء الصيام ، ولا يمكن أن يقبل التهالك على وجبات الطعام . فمثلا ، حصلت على وجبة طعام من أحدى الجهات المتبرعة ، كغير يمن الصائمين ، الآتين من منطقة نائية ، وحصل نقص شديد في عدد الوجبات الغذائية للصائمين الجالسين على مائدة الإفطار بساحة الأقصى الشرقية ، فتقاسمت الوجبة التي حصلت عليها  مع أحد الصائمين الآخرين بالقرب مني ، ممن لا أعرفهم ، ولكن يجمعنا الإسلام والصيام والصلاة ببقعة مقدسة ، هي بقعة من بقاع الجنة ، فنحن لم نأتي لتناول الطعام بل للعبادة والصلاة والذود عن الأقصى المبارك بالتواجد أطول فترة زمنية فيه ، وعملية الإفطار تأتي لتمكين الإنسان من عبادة الله عز وجل بروية وخشوع ، وليس لملء المعدة . ولا بد من التنبه لوجود فئات ضالة مضلة تريد تشويه سمعة الصائمين عبر نشر الفوضى ، ويجب على الجهات الممولة أن تتدارك الأخطاء السابقة ، وكذلك ينبغي أولا وقبل كل شيء على الصائمين المصلين أن يتيقنوا أنه لا بد من الاعتماد على الذات قدر الإمكان في الإفطار ، ولو على شربة ماء أو حبات تمر ، وليس ملء البطن . . وليتذكر الجميع أنه للعبادة وذكر الله وليس لمقارعة ومسابقة الآخرين بالحصول على طرد غذائي صغير .

صلاة العشاء الرمضانية بالمسجد الأقصى المبارك

يفصل صلاة المغرب عن صلاة العشاء يوميا أقل من 100 دقيقة تقريبا ، إذ يجلس الناس خلال للاستراحة البدنية والنفسية ، في أروقة المسجد الأقصى المبارك ، ويقوم البعض منها بمتابعة تناول الأطعمة والأشربة الإسلامية ، المتنوعة ، ما لذ وطاب مما يتوفر منها ، والكثير من المدخنين يرهقون جيرانهم بتدخين سجائر بعد الإفطار ، ويذهب بعضهم لتناول أكواب الشاب والقهوة ، والتجول في باحات المسجد الأقصى المبارك . وبعد رفع أذان صلاة العشاء ، ترى أفواج المصلين يتقاطرون لدخول المسجد القديم ، والبعض يفضل أداء صلاة العشاء والتراويح في الهواء الطلق نظرا لارتفاع درجات الحرارة في هذا الصيف القائظ .
وتستمر الصلوات المفروضة والنافلة حتى الساعة الحادية عشرة ليلا بالتوقيت الصيفي ، وبعض المتدين من المشايخ كبارا وشبابا يعتكفون في المسجد للعبادة والأذكار وتلاوة القرآن المجيد ، وتناول أطراف الأحاديث النبوية الشريفة . وتذاكر التجارب الشخصية في الحياة العامة والخاصة ، وإرتياد الأقصى ، بيت الله المقدس . وهناك القليل من المصلين الذين يبقون في المسجد القصى المبارك لصلاة الفجر ن وذلك لإجبار قوات الاحتلال الصهيوني وتدخل الشرطة اليهودية لإخراج المصلين المسلمين عنوة إلى مسجد قريب خارج أسوار المسجد الأقصى المبارك .
وشخصيا ، وبسبب البعد الجغرافي لمنزلي في قرية عزموط بمحافظة نابلس شمالا ، وعدم وجود الأمان على الشوارع العامة بين نابلس ورام الله ، بسبب سرطان المستوطنات اليهودية المنتشرة بالقرب من الشوارع العامة ، ورغبة مني في عدم إرهاق ابنتي الصغرى في السهر الطويل لتناول طعام السحور في فجر اليوم التالي ، فإنني أضطر للعودة بعد أداء تناول طعام الإفطار حسب الشريعة الإسلامية ، مما قسمه الله لنا من رزق ، ثم أداء صلاة المغرب جماعة بالمسجد الأقصى المبارك ، وجمعتها جمع تقديم مع صلاة العشاء ، وصلاة النوافل كملحقات نافلية لها قفلت عائدا إلى بيتنا متجها شمال الضفة الغربية ، فعرجت في الجمعة الرابعة بشهر رمضان المبارك ، أثناء الرجوع المسائي ، بدرجات حرارة وطقس ليلي ممتع ، لبيت ابنتي آية وزوجها حماد في مدينة البيرة ، وتناولت بعض الطعام ولكن معدتي كانت متخمة ومثقلة بالماء ، لما شربته من الماء قرابة 2 لتر ، نظرا للعطش الشديد ، لارتفاع درجات حرارة ذلك اليوم الآبي ( نسبة لشهر آب ) من الصيف الفلسطيني الحار ، فاصطحبت زوجتي وابنتي الصغرى أمل وعودنا بيمن الله ورعايته لمكان السكن في عزموط ، حيث وصلنا عند الساعة 12 منتصف الليل .

شد الرحال الإسلامي للصلاة بالمسجد الأقصى هل هي عبادة أم سياحة دينية ؟
تعتبر مسيرة الزحف الإسلامي العربي الفلسطيني المقدس تجاه المسجد الأقصى المبارك بمدينة القدس المحتلة في قلب فلسطين ، مسيرة دينية بإمتياز ، ولكنها تحمل صفة السياحة الاقتصادية التي تدر الدخل الوفير على شركات الباصات والمركبات العمومية وأصحاب المحلات التجارية ومحطات الوقود في الضفة الغربية عموما وفي مدينة القدس حاضرة فلسطين الأبدية خصوصا ، لما ينفقه المؤمنون خلال هذه الرحلة الإيمانية المقدسة ، وقضاء أوقات سعيدة في جنبات المسجد الأقصى المبارك . وإذا كانت قوات الاحتلال الصهيوني تريد تسخير هذه المسيرة الدينية الإسلامية لصالحا سياسيا وإعلاميا ودعائيا واقتصاديا ، فإنها تحمل في ثناياها الإخلاص لفلسطين ، وحضور قدسية المسجد الأقصى المبارك في أذهان جميع المسلمين في الديار الفلسطينية ، من الناقورة شمالا ، حتى إيلة بالنقب جنوبا ، وحتى أريحا شرقا وعكا وحيفا ويافا وعسقلان وغزة ورفح غربا ، إذ يلتقى ابناء الشعب العربي الفلسطيني المسلم في المسجد الأقصى المبارك ، في أيام عابرة من شهر الخير والبركة ، فيتناقشون في بعض شؤون حياتهم العمومية والخصوصية .
وإقتصاديا ، يبلغ متوسط الإنفاق الفردي الفلسطيني على النقل والمواصلات ، يوميا في كل جمعة ، على رحلة شد الرحال للمسجد الأقصى المبارك ، في شهر رمضان المبارك لعام 1433 هـ / 2012 م ، بما يعادل 20 دولارا ، ليتضاعف الرقم جماعيا لمليوني دولار في الجمعة الأولى بواقع ( 20 دولار × 100 الف مصل ) ، وخمسة ملايين دولار بالجمعة الرمضانية الثانية بواقع (  20 دولار × 250 ألف مصل مسلم ) وسبعة ملايين دولار بالجمعة الرمضانية الثالثة بواقع ( 20 دولار  × 350 الف مصل ) ، و 10 ملايين دولار بالجمعة الرابعة بواقع ( 20 دولار ×  500 ألف مصل ) ومثلها بليلة القدر والجمعة الرمضانية الخامسة قبل يوم عيد الفطر السعيد . هذا عدا عن التكاليف المالية التي يدفعها المصلون في حالتي الذهاب والإياب إلى المسجد الأقصى المبارك من محافظة القدس والقرى والمخيمات المجاورة في أيام شهر رمضان الأخرى .
وبلغة الأرقام فإن تكاليف النقل المتوقعة في رحلة شد الرحال الإسلامي الفلسطيني الداخلي من فلسطين الكبرى ( الزحف الإسلامي المقدس ) ، صوب المدينة المقدسة وخاصة المسجد الأقصى المبارك يصل إلى أكثر من 100 مليون دولار خلال شهر واحد ، هذا عدا عن التكاليف الشرائية من الأطعمة والأغذية ، من الأفراد والجماعات ، التي تقدر بمائة مليون دولار أخرى ، وما تحمله معها من تنشيط الاقتصاد الفلسطيني بصورة مباشرة ، وتعظيم الاقتصاد اليهودي في فلسطين المحتلة من الجانب الآخر بسبب تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الصهيوني .
ودينيا وسياسيا ، فلا ننسى ، إن الحملة الدينية الإسلامية الفلسطينية المتعاظمة لرعاية المسجد الأقصى المبارك وزيارته وعبادة الله فيه ، تعمل على زيادة الترابط الروحي والبدني بأرض الإسراء والمعراج ، فتعطي البرهان تلو الآخر ، أن القدس هي حاضرة فلسطين الأبدية الخالدة ، في الماضي والحاضر والمستقبل ، مهما اتخذت قوات الاحتلال الصهيوني من إجراءات مدنية وعسكرية لفصل القدس المحتلة عن الجسد الجغرافي والبشري الفلسطيني .

أسباب سماح الاحتلال الصهيوني بالصلاة بالمسجد الأقصى المبارك

لجأت قوات الاحتلال الصهيوني ، بزعامة حكومة تل أبيب ، إلى فتح المجال أمام فئات عمرية مفتوحة للنساء ( جميع الفئا العمرية بعد الجمعة الرمضانية الثانية ) وفئات معينة للرجال فوق الخمسين عاما بلا تصاريح دخول ، وفوق سن الأربعين عاما بتصاريح دخول عبرية ، في أيام الجمع الرمضانية ، بشهر رمضان المبارك 1433 هـ / 2012 م ، لعدة أسباب من أهمها :
أولا : التغني بالمظاهر الدعائية الإعلامية الصهيونية لتقليل الانتقادات الدولية للإجراءات اليهودية ضد المسلمين من أهل فلسطين المباركة .
ثانيا : تفريغ الاحتقان الديني والاجتماعي والسياسي والثقافي الإسلامي والوطني ضد الاحتلال الصهيوني الذي يعيث فسادا وإفسادا ضد المواطنين الأصليين في فلسطين .
ثالثا : محاولة فك المقاطعة الوطنية والإسلامية للانتاج الصهيوني ، وخاصة أن مدينة القدس بعيدة عن التحكم الفلسطيني المؤثر ، وبالتالي تنظر حكومة تل أبيب لتنشيط السياحة لمدينة القدس المخنوقة من جميع الجهات .
رابعا : الإعداد الاستراتيجي لإدخال سوائب وقطعان المتطرفين اليهود لساحات المسجد الأقصى المبارك ، والترويج لخطط تقسيم الحرم القدسي الشريف بين المسلمين واليهود كما حصل في التقسيم العسكري اليهودي للحرم الإبراهيمي الشريفي في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة منذ مجزرة 25 شباط عام 1994 .
خامسا : جس نبض الشعب الفلسطيني ، بمدى تمسك الفلسطينيين بالمسجد الأقصى المبارك ، من ناحية ، ومعرفة التوجهات الدينية الإسلامية الفلسطينية ، قبل التوجهات الجهنمية الصهيونية الخبيثة لتنفيذ مسألة تقسيم المسجد الأقصى المبارك .

كلمة أخيرة .. تعاظم حب الله ثم رسول الله والأقصى في نفوس المسلمين الفلسطينيين
إن إجراءات ذهاب المؤمنين من المسلمين ، للصلاة في المسجد الأقصى المبارك ، فرادى وجماعات ، وخاصة في أيام الجمع ، هي إجراءات عسكرية تتحكم بها قوات الاحتلال الصهيوني ، فلا يستطيع أهل فلسطين شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك ، إلا وفق ما تقرره قوات الاحتلال اليهودي ، التي تبتز وتستفز المواطنين الفلسطينيين حتى في عباداتهم وصلواتهم وأداء الشعائر والطقوس الدينية ، عبر التحكم بالمعابر ونقاط التفتيش الثابتة والطارئة ، والوقوف المحكم على بوابات المسجد الأقصى المبارك والإنتشار الأمني والعسكري المكثف في شوارع البلدة القديمة ، من المدينة المقدسة . ولا يمتلك المصلي المسلم الفلسطيني ، الحرية الكاملة في الذهاب والإياب من وإلى البيت الإسلامي المقدس بالقدس الشريف .
وغني عن القول ، إن قوافل المسلمين الصباحية المتجهة صوب المسجد الأقصى المبارك ، والقوافل المسائية الراجعة إلى بيوتها ، تدلل على مدى إتساع الصحوة الإسلامية في الأرض المقدسة ، والعودة لدين الله القويم ، وهو الإسلام العظيم ، من أفراد الطائفة المنصورة في الديار الفلسطينية ، وكذلك مدى حب أهل فلسطين العظيم  لله سبحانه وتعالى خالق الخلق أجمعين ، وحبهم الكبير لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، ورغبة منهم في التقرب إلى الله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا رغم المشكلات والمعوقات والمنغصات والإجراءات القمعية اليهودية الصلفة .
ويبرز مدى الاهتمام الإسلامي الفلسطيني بالزحف المقدس ، بالمركبات الخصوصية والعمومية والحافلات الصغيرة والكبيرة ، تجاه المسجد الأقصى المبارك ، كيوم من أيام الجمع الشاهدة والمشهودة ، عبر القوافل الآتية والذاهبة ، وتكبد مشاق السفر في شهر رمضان الفضيل ، شهر العفو والرحمة والمغفرة ، لتسجيل صفحات تاريخية ناصعة البياض في سجل شد الرحال المقدس نحو البيت المقدس .
والله نسأل أن يحرر فلسطين من ربقة الاحتلال اليهودي الصهيوني العبري البغيض وأن ينصر المستضعفين الفلسطينيين في الأرض ، أرض آبائهم وأجدادهم ، وأن يخرج الطارئين الظالمين الطغاة البغاة من ارض فلسطين وأن يجعلها خالصة للعرب والمسلمين وأصحابها الحقيقيين الأصليين ليتمكنوا من مواصلة الرباط والمرابطة على ثغور الإسلام العظيم ، في أرض الخلافة الإسلامية الراشدة الثانية ، المقبلة إن شاء الله العزيز الحكيم العلي العظيم ، في هذه الحياة الدنيا الفانية للانتقال للحياة الأخرى الباقية ، إنه على كل شيء قدير وإذا أردا شيئا أن يقول له كن فيكون .
وتعالوا بنا ندعو الله القريب مجيب الدعاء كما دعا إبراهيم الخليل عليه السلام :{ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) }( القرآن المجيد - إبراهيم ) .
وفي هذا الصدد ، لا بد من الإكثار من ترديد دعاء نبي الله نوح عليه السلام : { وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28) } ( القرآن المجيد - نوح ) .
وندعو ونقول كما جاء بكتاب الله العزيز : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)}( القرآن المجيد – البقرة ) .
كما ندعو ونقول والله المستعان ، كما قال نبي الله شعيب عليه السلام ، كما نطقت الآيات القرآنية الكريمة : { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)}( القرآن المجيد – هود ) .
نترككم في أمان الله ورعايته ، والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة وعودة المهاجرين اليهود للدول العربية وتعويضهم


خريطة فلسطين المحتلة
الكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة
وعودة المهاجرين اليهود للدول العربية وتعويضهم
د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية والإعلام
رئيس مجلس إدارة شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس – فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ : { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) }( القرآن المجيد – الحشر ) .
وورد بصحيح البخاري - (ج 11 / ص 277) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ " .
في 14 أيار عام 1948 ، أعلن دافيد بن غوريون زعيم منظمة الهاغاناة الصهيونية من على مبنى بلدية تل أبيب قرب مدينة يافا الفلسطينية على البحر الأبيض المتوسط  ، عن إنشاء الكيان اليهودي – الصهيوني – العبري الأجنبي الغربي المصطنع أو ما يسمى ب ( دولة إسرائيل ) في المناطق الفلسطينية المحتلة بمساحة 20.770 كم2 ، أو ما يعادل نسبة  77.4 % من مساحة فلسطين الكبرى البالغة 27 ألف كم2 ، وهي الأراضي التي سيطرت عليها قوات الاحتلال الصهيوني بدعم عسكري واقتصادي أوروبي وغربي ، وخاصة الدعم البريطاني العسكري السابق والأمريكي اللاحق .
وقد إستطاعت المنظمة الصهيونية العالمية حتى عام 1948 ، تجميع قرابة 600 الف يهودي من شتى دول العالم ، تحت شعارات تاريخية وسياسية واقتصادية براقة ، لفلسطين المحتلة ، وفقا للمزاعم الايديولوجية الصهيونية المزورة ( ارض الميعاد ) بالاستناد إلى التوراة والتلمود اليهودي .
وبعد ذلك شرعت الحكومة الصهيونية العبرية بزعامة دافيد بن غوريون وما بعده في استقدام مئات آلاف المهاجرين اليهود من مختلف قارات العالم : آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا . ومن بين الدول التي جلبت المنظمة الصهيونية وحكومة تل أبيب المهاجرين اليهود لفلسطين المحتلة ، كانت الكثير من الدول العربية مثل المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر واليمن والعراق ولبنان وسوريا وسواها ، فلجأت الحكومة العبرية لجميع طرق الترغيب والترهيب لجلب المواطنين اليهود العرب في هذه الدول العربية ، حيث بلغ تعدادهم قرابة 865 الف يهودي ، قدم منهم السواد الأعظم طوعا والأقلية منهم كرها نحو 600 الف يهودي عربي للكيان الصهيوني لاستعمار فلسطين وفق النظرة والعقلية الصهيونية التاريخية المزيفة ، والباقي هاجر لقارتي أوروبا وأمريكا الشمالية لعدم إقتناعة بالقدوم لفلسطين المحتلة والانخراط بالمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني .
وجرى جلب هذه الجاليات اليهودية العربية لفلسطين المحتلة ، بمئات الألوف وفق ما يسمى ( قانون العودة الصهيوني لعام 1950 ) ومنحهم الجنسية الصهيونية ( الإسرائيلية ) الجديدة ، مع احتفاظهم أو تخليهم عن مواطنتهم أو جنسياتهم العربية الأصيلة . كما يجري الآن جلب المهاجرين الأفارقة للكيان الصهيوني للتعويض عن نقص التكاثر الطبيعي اليهودية وقلة الهجرة اليهودية الخارجية للمستوطنات اليهودية بفلسطين المحلتة .
ويبلغ الآن تعداد اليهود القادمين من الدول العربية قرابة مليون ونصف مليون يهودي عربي ، تكاثروا وفقا للتكاثر الطبيعي في البلاد ، من أصل حوالي 5.9 ملايين يهودي بفلسطين المحتلة ، اي نحو 25 % من سكان الكيان الصهيوني اليهود ، إنخرطوا في المشروع الاستيطاني الصهيوني اليهودي المنشئ منذ أكثر 64 سنة ، بينما تزعم مصادر وزارة الخارجية الصهيونية أن نصف ( 50 % ) ، من عدد سكان الكيان الصهيوني ( إسرائيل ) هم من أصول عربية . ويتمتع اليهود القادمين من الدول العربية بالجنسية والمواطنة الصهيونية بالكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة ، من البحر الطيب ( البحر الأبيض المتوسط ) غربا إلى البحر الميت ( بحر الملح أو بحيرة لوط ) شرقا ، وذلك رغم الاضطهاد القومي والتمييز العنصري الاشكنازي الأوروبي اليهودي ضدهم واعتبارهم فئات دونية لا ترتقي لمصاف اليهود الغربيين الآتين من أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا .
وفي المقابل منعت قوات الاحتلال الصهيوني عودة النازحين واللاجئين الفلسطينيين لمواطنهم الأصلية الذين بلغ عددهم عام 1948 قرابة مليون فلسطيني ، من المسلمين والنصارى على حد سواء ، ويصل تعدادهم في المنافي والمهاجر والشتات ، الآن في صيف 2012 ، حوالي ستة ملايين نسمة ، وذلك رغم مطالبة الجمعية العامة للامم المتحدة ، حكومة تل أبيب بالسماح بعودة النازحين واللاجئين الفلسطينيين لمواطنهم الأصلية ، فقد صدر القرار رقم 194 في 11 كانون الأول 1948 ، في نفس العام الذي تم تهجيرهم من وقراهم ومدنهم وأعيد تكراره أكثر من 120 مرة حتى الآن .
وفي هذا الأوان ، وكذلك قبل عدة سنوات ، طرحت حكومة الكيان الصهيوني في تل أبيب مسألة غريبة عجيبة ، وهي المطالبة بحق اللاجئين اليهود القادمين من الدول العربية الأسيوية والإفريقية على السواء ، بحق التعويض المالي ، بعشرات مليارات الدولارات الأمريكية ، مستفيدة من التجربة الصهيونية اليهودية في ابتزاز تعويضات مالية ضخمة من ألمانيا والولايات المتحدة ، وأعلنت مؤخرا عن شن حملة دولية ، لصالح هذه السياسة الصهيونية الجديدة مسخرة لذلك المؤيدين من الشخصيات الأوروبية والأمريكية مثل الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ، صاحب الفضيحة اليهودية مع المواطنة اليهودية الصهيونية ( مونيكا ) لمناصرتها ومؤازرتها للتكفير عن ذنوبه السابقة وتحصيل الابتزاز المالي الكبير للدول العربية  .
وذكرت صحف عبرية صهيونية تصدر في تل أبيب ، أن وزارة الخارجية الصهيونية وجهت دعوات لرجال قانون ذوي خبرة وسمعة مثل آلين درشوفيتس وأرفين كوتلر، ووزير القضاء الكندي. وذكرت أن الوزارة "سوف تعقد مؤتمرا واسع المشاركة في القدس بحضور  ممثلين عن الكونغرس اليهودي العالمي، ومنتدى البرلمانيين اليهود العالمي ومكتب المواطنين القدامى، إضافة إلى عضو الكونغرس الديمقراطي جيري ندلر، الذي بادر قبل أربع سنوات الى قانون في الكونغرس الامريكي يقضي برفع موضوع حقوق اليهود العرب على جدول الاعمال الدولي".
والسؤال الصهيوني المطروح حاليا هو : هل يعترف العالم بيهود الدول العربية كلاجئين ؟ فهذا الأمر الخطير هو ما تريده الحكومة الصهيونية في تل ابيب ، من خلال شن حملة دعائية إعلامية سياسية ودبلوماسية وإقتصادية دولية واسعة النطاق تهدف لتحقيق اعتراف دولي بمكانة اللاجئين لمئات الاف اليهود الذين تركوا الدول العربية بمحض إختيارهم كمهاجرين او مهجرين الى الكيان الصهيوني ( إسرائيل ) في بداية اقامتها عام 1948 .
وتردد حكومة تل أبيب بصورة رسمية ، مسخرة وسائل الإعلام العبرية ، الفضائية والتلفزيونية والالكترونية والمطبوعة ، هذه الدعاية والأقاويل والأباطيل الجديدة للتباكي على حقوق الإنسان اليهودي العربي الذي ترك أملاكة طوعا في الدول العربية ولجأ للكيان الصهيوني المصطنع للهجرة للأرض الموعودة توراتيا ( أرض الميعاد ) لإقامة ( إسرائيل الكبرى ) وهي دولة اليهودي الأوروبي تيودور هرتزل الكبرى المزعومة لليهود ، وفقا لسياسة الترغيب والترهيب الصهيونية العالمية المشهورة ، من الامتيازات الاقتصادية والإغراءات الثقافية والعسكرية بالهيمنة والتسلط على الآخرين ، والعيش بمستويات معيشة عالية ،  والدعاية الدينية اليهودية الباهتة للقدوم لما يسمى بأرض الميعاد اليهودية .
وتُسخر حكومة تل أبيب شخصيات يهودية ونصرانية بارزة من أعضاء مجلس النواب والشيوخ الأمريكي ، ورجال قانون يهود صهاينة ، ومن بين هؤلاء المسخرين فعليا الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون حيث يعتبر من أهم المشاركين في الحملة اليهودية - الصهيونية الجديدة بقيادة نائب وزير الخارجية الصهيوني "داني ايلون " التي تسعى عبر ما سمي بمرحلتها الثانية لاجراء مفاوضات مع عشر من الدول العربية لتحصيل تعويضات مالية تقدر بعشرات مليارات الدولات لما يجري الترويج العالمي له بالتعويض المالي عن املاك اليهود المتروكة والتي اممتها تلك الدول العربية المعنية بالأمر .

أسباب الحملة الصهيونية الدولية لإعتبار لليهود العرب ( لاجئين )
يقول الله الحي القيوم تبارك وتعالى :{ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)}( القرآن المجيد – البقرة ) .
ذكرت إحدى الصحف العبرية وهي صحيفة معاريف يوم الأحد 12 آب 2012 ، مستندة لمصدر سياسي عبري كبير قوله "طوال الوقت نسمع عن اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة دون ان نسمع عن حق اليهود الذين طردوا من الدول العربية وسلبت املاكهم وجردوا من حقوقهم لهذا فان الوقت قد حان لعرض الصورة كاملة ونيل الاعتراف التاريخي بهم كلاجئين".
ووفقا لصحيفة ( معاريف ) العبرية الصهيونية ، تخطط حكومة الكيان الصهيوني ( اسرائيل ) لاطلاق حملتها دوليا عبر مؤتمر سيتم عقده في مقر الامم المتحدة بمدينة نيويورك الأمريكية ، وهي عاصمة المال الأمريكية اليهودية في العالم ، في 21 أيلول 2012 ، وذلك بالتوازي مع بدء اجتماعات الجمعية العمومية للامم المتحدة لهذا العام .
وفي سبيل الترويج الإعلامي الدعائي الصهيوني الكبير لتحقيق هذه الأهداف ارسلت وزارة الخارجية العبرية في تل أبيب ، دعوات رسمية للمشاركة بالمؤتمر المذكور لرجال قانون دوليين وساسة سابقين مشهورين منهم الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون .
وادعت وسائل إعلام عبرية بلغة الارقام الاحصائية الإلكترونية ، شبه الرسمية ، أن 865 الف يهودي كانوا يعيشون في الدول العربية عند الإعلان عن اقامة الكيان الصهيوني ( إسرائيل ) بانهم هاجروا الى فلسطين المحتلة لاسباب تتعلق بالاضطهاد القومي والاستغلال الاقتصادي الذي عانوا منه في تلك الدول .
ووفقا للصحيفة العبرية المذكورة فقد وصل 600 الف يهودي الى الكيان الصهيوني لا يحملون سوى ملابسهم وأمتعتهم الشخصية ، بعد ان ( سلبت ) أملاكهم فيما هاجر قرابة 260 الف يهودي منهم باتجاه قارة أوروبا وخاصة بريطانيا وفرنسا ، وأمريكا الشمالية وخاصة الولايات المتحدة .

وكانت حكومة الكيان الصهيوني عملت على جذب وجلب مئات آلاف اليهود من أصول عربية من أكثر من 10 دول عربية بعد نكبة فلسطين الكبرى عام 1948 ، وما تلاها من سنين عجاف على فلسطين ، لزيادة عدد السكان اليهود في البلاد وحسم الصراع الديموغرافي مع أبناء الشعب الفلسطيني ، من أصحاب الأرض الأصليين الحقيقيين ، وزرع المستوطنين اليهود الطارئين بفلسطين المحتلة بدلا منهم . وقد عملت وكالة الهجرة والاستيعاب الصهيونية على تبني جلب هؤلاء اليهود عبر تنظيم جسور برية وبحرية وجوية لتحقيق هذه الغاية ، وأنفقت أموالا طائلة في سبيل ذلك .
على العموم ، هناك العديد من الأسباب التي تهدف حكومة تل أبيب تحقيقها من وراء شن الحملة الدولية لتعويض المهاجرين اليهود من الدول العربية ، لعل من أهمها الأسباب السياسية والاقتصادية والعسكرية والتاريخية والدينية والدعائية التالية :
أولا : الإبتزاز السياسي والدبلوماسي للدول العربية المعنية ، لإقامة علاقات دبلوماسية وفتح السفارات والمكاتب التجارية المغلقة أو فتح سفارات وقنصليات صهيونية في العواصم العربية ، وخاصة بعد الثورات الشعبية العربية في معظم الدول التي رحل منها اليهود العرب في أواخر العقد الرابع من القرن العشرين الماضي مثل مصر وتونس واليمن وكذلك العراق وسوريا ولبنان والجزائر والمغرب وليبيا .
ثانيا : التشويش على مسالة إعادة طرح عضوية فلسطين في الجمعية العامة الأمم المتحدة سواء بصفة دولة كاملة العضوية أو بصفة مراقب . وخاصة إذا علمنا أن مسألة تقسيم فلسطين لدولتين عربية ويهودية جاء بقرار رقم 181 من الجمعية العامة للامم المتحدة في بداية الأمر في 29 تشرين الثاني عام 1947 ، وأقيمت الدول العبرية ولم تقم الدول العربية بفلسطين حتى الآن .
ثالثا : تحصيل عشرات مليارات الدولارات من الدول العربية النفطية ، لإنقاذ الاقتصاد اليهودي المتهاوي في الكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة . وفتح الأسواق العربية أمام المنتجات اليهودية وإنهاء المقاطعة الاقتصادية العربية الشكلية ضد البضائع والسلع الصهيونية ، المعمول بها في الوقت الراهن .
رابعا : تذكير العالم بمأساة اليهود مع النازيين الإلمان قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية ، واستعطاف الرأي العام الأوروبي والأمريكي لاستمرار تدفق المعونات والمساعدات الغربية للجاليات اليهودي في فلسطين المحتلة .
خامسا : السعي لإعادة جزء من الجاليات اليهودية للدول العربية المعنية ، لتكون الجاليات اليهودية المصغرة المزمع إعادتها طابورا خامسا للكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي .
سادسا : السعي للتطبيع الصهيوني السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الشامل مع الدول العربية المعنية .
سابعا : مقايضة قضية عودة اللاجئين الفلسطيينين ( حق العودة للفلسطيينين لمواطنهم الأصلية ) مع عودة المهاجرين أوما يطلق عليه صهيونيا ( اللاجئين اليهود ) في الكيان الصهيوني . فنصف أبناء الشعب الفلسطيني تقريبا يعيش في المنافي والشتات في دول الجوار العربية وفي مختلف قارات العالم ، بحيث أصبح شعبا عالميا بفعل الظلم الصهيوني منذ غابر الأزمان .
ثامنا : دعاية سياسية حزبية داخلية من الأحزاب اليهودية اليمينية الحاكمة في تل أبيب لكسب ود الناخبين اليهود من أصول عربية في الانتخابات البرلمانية المقبلة .
تاسعا : التذرع بشن حرب جديدة على العرب ، والاستيلاء على أراضي عربية جديدة في شبة الجزيرة العربية وارض الهلال الخصيب ، لإقامة ( دولة صهيون الكبرى – دولة هرتزل - إسرائيل الكبرى ) ، بذرائع دينية تاريخية في المدينة المنورة بالديار الحجازية المقدسة . فوحدة العملة الصهيونية الصغرى ( الأغورة ) طبع عليها حدود الكيان العبري بحيث تشمل أجزاء من السعودية والعراق وسوريا ولبنان ومصر بالإضافة إلى فسطين الكبرى .
عاشرا : جلب الأصوات الدينية اليهودية المتدينة للأحزاب العلمانية ( الليكود وكاديما وإسرائيل بيتنا وغيرها ) من الأحزاب الحاكمة في الكيان الصهيوني .
حادي عشر : إسكات مطالبات الجالية اليهودية القادمة من الدول العربية ، بتحسين الأوضاع العامة في الكيان الصهيوني ، والسماح لهم بزيارة استطلاعية تراثية وسياحية لديارهم السابقة إن وجدت ، وتملص الحكومة العبرية من تزايد الانتقادات الداخلية العميقة حيال هذه المسألة .
ثاني عشر : تصدير القوى العاملة من اليهود من أصول عربية بالجنسية الإسرائيلية ، لمنابع ومنشآت النفط العربية بصورة مباشرة وليس عن طريق الجنيسات الأجنبية كالأمريكية والكندية والبريطانية والألمانية وغيرها كما هو حالها الأن ، وبالتالي تخفيف أزمة البطالة المستفحلة في ثنايا المجتمع اليهودي بفلسطين المحتلة .
ويمكننا القول ، إن تسمية وتصنيف المهاجرين اليهود من أصول عربية ، آسيوية وإفريقية ، والبالغ عددهم الآن في صيف 2012 ، قرابة مليون ونصف مليون يهودي كلاجئين من أعلى المستويات السياسية والإعلامية الصهيونية العبرية ، يدلل على أن جميع اليهود بفلسطين المحتلة هم لاجئون لبلاد غير بلادهم ، ففلسطين ليست بلادهم بأي حال من الأحوال ، وأن عليهم العودة للدول التي أتوا منها كحق طبيعي لهم . وليس عودة اليهود للدول العربية في قارتي آسيا وإفريقيا فحسب بل السعي الحثيث لتفكيك الكيان الصهيوني الهش المصطنع كمستعمرة أو محمية يهودية صهيونية عبرية عالمية ، وعودة جميع اليهود بفلسطين المحتلة لجميع الدول التي أتوا منها والتي يبلغ عددها 102 دولة في العالم ، تشكل أكثر من نصف عدد أعضاء الدول بالجمعية العامة للامم المتحدة .

العودة الفلسطينية مقابل العودة اليهودية .. بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى

يقول الله الحميد المجيد سبحانه وتعالى : { لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) }( القرآ، المجيد – الحشر ) .
من الممكن دراسة مسألة الموافقة الايجابية من الدول العربية على عودة اليهود الذين هاجروا منها ، مقابل عودة النازحين واللاجئين الفلسطينيين في الأردن وسوريا ولبنان والعراق وفي المنافي والشتات والمهاجر لديارهم ومنابتهم الأصلية . بمعنى السماح الصهيوني برعاية أوروبية وأمريكية بعودة 6 ملايين نازح ولاجئ فلسطيني لوطنهم فلسطين ، وتقديم التعويضات المالية الحقيقية ، من شتى الأطراف الأوروبية والأمريكية والصهيونية العالمية ، جراء الظلم والإجحاف الاجتماعي والسياسي والقهر القومي والاستغلال الاقتصادي الذي لحق بهم طيلة فترة الطرد والتهجير الفائتة ، والعمل على قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف ، مقابل عودة مليون ونصف مليون يهودي بصورة كاملة أو جزئية ، من الكيان الصهيوني للدول العربية التي خرجوا منها أو خرج منها أجدادهم وآباؤهم قبل عشرات السنين ، شرط التنازل عن الجنسية الصهيونية ( الإسرائيلية ) ونبذ الإرهاب والولاء السياسي للصهيونية ، والقبول بالعيش العادي كمواطنين عرب بديانتهم اليهودية ، في ديارهم السابقة دون تدخل صهيوني بشؤونهم الداخلية .
وبرأينا ، تشكل الحملة الصهيونية الجديدة ، لتعويض اليهود من أصول عربية بالكيان الصهيوني ، مسألة خطيرة جدا كسلاح ذو حدين ، إيجابي وسلبي في الآن ذاته ، للدول العربية والكيان الصهيوني على حد سواء . فالناحية الايجابية للعرب يمكن استثمارها لقلب السحر على الساحر اليهودي الصهيوني ، والإعتراف باليهود من أصول عربية بالكيان الصهيوني كلاجئين يمكن إعادتهم ، وربما تعويضهم بعد عودتهم وليس قبل ذلك .
والناحية السلبية هو إشغال الرأي العام الفلسطيني والعربي والعالمي بمسائل هامشية جانبية تسعى من خلالها الصهيونية العالمية ورأسها في تل أبيب ، لتمرير أجندات يهودية – صهيونية سياسية استراتيجية وتكتيكية في الوقت ذاته ، على الساحات الفلسطينية والعربية والعالمية .
وعلى الجانب الآخر ، لا بد للدول العربية ، ذات التخطيط الاستراتيجي الفعال ، دراسة هذه المسالة بروية وهدوء وسكينة، والعمل السريع لإختراق الساحة اليهودية الداخلية ، عبر الجالية اليهودية من اصول عربية ، في فلسطين المحتلة المقموعة والمهمشة داخل الطوائف اليهودية المتناحرة ، وتشجيعهم على إنشاء أحزاب سياسية جديدة خاصة بهم ، وترك عضويتهم في الأحزاب الاشكنازية اليهودية الغربية والتحدث مع قياداتهم ودعمهم سياسيا وربما ماليا بصورة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة لإحداث إنقسام في الجبهة الداخلية الصهيونية .

كلمة أخيرة
يقول الله العلي العظيم عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) }( القرآن المجيد – المائدة ) .
ينبغي على الفلسطينيين ، وعلى العرب والمسلمين ، شن حملة وقائية جادة ، ضد الحملات الصهيونية الإقليمية والقارية والعالمية الشعواء ، ضد العرب والمسلمين عموما وضد الفلسطينيين خصوصا . وعدم الانجرار خلف الردود الموسمية ، من هذا الطرف العربي أو ذاك ، بل إتخاذ موقف عربي موحد للرد الفاصل والشامل دون تردد على هذه المزاعم اليهودية القديمة المتجددة ، فاليهود الذين غادروا الدول العربية للكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة ، غادروا طوعا ، ولم يجبرهم أحد بأي حال من الأحوال ، بل سخرت حكومة تل أبيب الوساطات الأجنبية وخاصة الأوروبية والأمريكية ، للسماح للمواطنين اليهود العرب من مختلف الجنسيات العربية للرحيل إلى الكيان الصهيوني .
ويفترض في الإعلام العربي أن يتصدى للمزاعم والإدعاءات المزورة الصهيونية ، وأن يبقي قضية النازحين واللاجئين الفلسطينيين وعودتهم لمواطنهم الصلية في الجليل والمثلث والنقب والساحل ، حية في المحافل والمؤتمرات الإقليمية والقارية والعالمية ، وعدم ربطها بقضية اليهود من أصول عربية .
وبلغة الأرقام الإحصائية ، في صيف 2012 ، إذا ما حسبنا عدد سكان الكيان الصهيوني من اليهود البالغ نحو 5.9 ملايين نسمة ، فإن الأصول العربية الفلسطينية ( الأقلية القومية العربية في الجليل والمثلث والنقب والساحل ) من المسلمين والنصارى تشكل 1.7 مليون نسمة ، وإذا ما أضفنا أعداد الجالية من الأصول اليهودية العربية بنحو 1.5 مليون نسمة ، فإن نسبة كبيرة من سكان الكيان الصهيوني هم من الديانات السماوية الثلاث من أصول عربية آسيوية وإفريقية : الإسلام والنصرانية واليهودية . وإذا ما علمنا أن عدد سكان الضفة الغربية وقطاع غزة يبلغ 4.2 مليون نسمة ، فإننا نتوصل إلى النتائج الديموغرافية التالية :
خريطة فلسطين الطبوغرافية
أولا : تعداد المواطنين الفلسطينيين العرب في فلسطين الكبرى : 1.7 + 4.2 = 5.9 مليون نسمة من المسلمين والنصارى من أصل أكثر من 12 مليون نسمة إجمالي عدد السكان الأصليين والطارئين من أتباع جميع الديانات .
ثانيا : تعداد السكان اليهود بفلسطين المحتلة 5.9 مليون نسمة من شتى الطوائف والأصول والمنابت العربية والأوروبية والأمريكية والإفريقية .
ثالثا : عدد السكان اليهود من أصول عربية حوالي 1.5 مليون نسمة ، وحسب التقديرات الإعلامية الصهيونية 2.7 مليون يهودي عربي .
رابعا : تعداد الأجانب في الكيان الصهيوني 327 ألف نسمة .
خامسا : عدد السكان العرب من الديانات السماوية الثلاثة : الإسلام والنصرانية واليهودية في فلسطين الكبرى ( فلسطين المحتلة عام 1948 و فلسطين المحتلة عام 1967 ) يبلغ : 5.9 مليون من المسلمين والعرب + 1.5 من اليهود العرب = 7.4 مليون شخص .
وكتحصل حال ، يستشف من الأرقام الإحصائية السابقة أن فلسطين المحتلة يقطنها غالبية ساحقة من العرب من الديانات الثلاث من أصول عربية ، وأن االقوة البشرية المهيمنة في البلاد ( فلسطين الكبرى ) هي من اليهود الغربيين ( الاشكناز ) بزعامة الأحزاب العلمانية كالليكود والعمل وكاديما واسرائيل بيتنا ( اليهود الروس ) ، وأن المعادلة السكانية ( الديموغرافية ) ستنقلب يوما ما ، بصورة عاجلة وليس آجلة ، ولكن الأمر بحاجة لتحريك شعبي إجتماعي واقتصادي مدني قبل أن يكون عسكريا ، ويمكن أن تكون الطائفة اليهودية من أصول عربية هي من يبدأ بتفكيك الكيان الصهيوني المصطنع كونها تعامل وفق التمييز العنصري اليهودي الفوقي ، وذلك بتضافر الجهود من الفلسطينيين العرب من المسلمين والمسيحيين .
وفي هذا الصدد ، لا بد من الإكثار من ترديد دعاء نبي الله نوح عليه السلام : { وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28) } ( القرآن المجيد - نوح ) .
كما ندعو ونقول والله المستعان ، كما قال نبي الله شعيب عليه السلام ، كما نطقت الآيات القرآنية الكريمة : { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)}( القرآن المجيد – هود ) .

نترككم في أمان الله ورعايته ، والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
خريطة فلسطين بالعلم الفلسطيني

الأربعاء، 1 أغسطس 2012

تجربتي بالزحف الإسلامي الفلسطيني المقدس بإتجاه الأقصى بالقدس المحتلة ( 1 ) الجمعة 1 رمضان 1433 هـ / 20 تموز 2012 م


موقع المسجد الأقصى المبارك بالقدس المحتلة
تجربتي بالزحف الإسلامي الفلسطيني المقدس
بإتجاه الأقصى بالقدس المحتلة ( 1 )
الجمعة 1 رمضان 1433 هـ / 20 تموز 2012 م

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية والإعلام
رئيس مجلس إدارة شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس – فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17) }( القرآن المجيد ، الإسراء ) .
المسجد الحرام والمسجد الأقصى المبارك
وجاء في صحيح البخاري - (ج 4 / ص 376) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى " .
المسجد الأقصى المبارك بالقدس المحتلة
إستهلال

المسجد الأقصى المبارك بمدينة القدس المحتلة في الأرض المقدسة ( فلسطين ) هو أحد المساجد الإسلامية الثلاثة التي تشد الرحال إليها ، من دون المساجد الإسلامية في العالم . فالمسجد الأقصى المباركة التي قدسها الله عز وجل ، فهو أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين بمكة المكرمة ، وهو المكان التي أسرى وعرج منه رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلى ، وبذلك فإن أرض المسجد الأقصى المبارك ، هي نقطة الإنطلاق الأرضي إلى السماء السابعة ( بوابة الأرض إلى السماء ) في معجزتي الإسراء والمعراج النبوية على البراق بصحبة أمين وحي السماء جبريل عليه السلام عام 621 م ، اي قبل الهجرة النبوية الشريفة بعام واحد حسب التأريخ الإسلامي . والصلاة بالمسجد الأقصى المبارك صلاة مضاعفة الأجر والثواب الجزيل عند رب العالمين ، وهناك أحاديث نبوية متعددة حول هذه المسألة منها من يضاعف الثواب بخمسين ألف صلاة ، ومنها من يضاعف الصلاة بالف صلاة ، ومنها من يضاعف الصلاة بخمسائة صلاة ، لصلاة الفريضة والتطوع على حد سواء .
وتبلغ مساحة المسجد الأقصى المبارك من المبنى المسقوف القديم وقبة الصخرة المشرفة وحديقة أو باحة المسجد  144 دونما كلها أرض وقف إسلامي ثابت غير متغير . ومن يصلى في اي بقعة من هذه المساحة ، المسقوفة أو المفتوحة ، فهو يصلى بالمسجد الأقصى المبارك المذكور في القرآن المجيد بسورة الإسراء بالآية الأولى . ومن يصلى بالمسجد الأقصى المبارك فله ثواب 500 صلاة فيما سواه ، ما عدا ثواب الصلاة بالمسجد النبوي التي يصل ثوابها إلى 1000 صلاة ، وثواب الصلاة في المسجد الحرام بمكة المكرمة ب 100 ألف صلاة .
يقول الله العزيز الرحيم جل شأنه : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60) }( القرآن الحكيم - الذاريات ) .
وقد أم رسول الله سيد الأولين والآخرين ، وإمام المتقين ، محمد صلى الله عليه وسلم بالأنبياء والمرسلين في صلاة الفجر ببقعة المسجد الأقصى المبارك ، في حادثة الإسراء والمعراج ، فهو إمام المتقين والأنبياء والمرسلين . يقول الله الحي القيوم تبارك وتعالى عن المعراج النبوي إلى السماوات العلى والوصول النهائي إلى سدرة المنتهى بالجنة : { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)}( القرآن المجيد - النجم ) .
معالم المسجد الأقصى المبارك
ويتألف المسجد الأقصى المبارك من العديد من الأبنية والمعالم الدينية التاريخية تبلغ قرابة 200 معلم منها مساجد وقباب وأروقة ومحاريب ومنابر ومآذن وآبار وسواها . وتبلغ مساحة المسجد الأقصى حوالي 144 دونماً (الدونم = 1000 متر مربع)، مشكلا بذلك قرابة سدس ( 1 / 6 ) مساحة مدينة القدس القديمة المسورة ، وهو على شكل مضلع غير منتظم، طول ضلعه الغربي 491 م ، والشرقي 462 م ، والشمالي 310 م ، والجنوبي 281 م .
معالم المسجد الأقصى المبارك بالقدس الشريف
ويتألف المسجد الأقصى الكبير من عدة مساجد فرعية هي : الجامع القِبلي وهو الجزء الجنوبي من المسجد الأقصى المواجة للقبلة ولذلك سمي بالجامع القبلي، وهو المبنى ذو القبة الرصاصية. ويعتبر هذا الجامع هو المصلى الرئيسي للرجال في المسجد الأقصى، وهو موضع صلاة الإمام. بني هذا المسجد في المكان الذي صلى فيه الخليفة عمر بن الخطاب عند الفتح الإسلامي للقدس عام 15هـ / 636 هـ . وقد بدأ بناء هذا المسجد الخليفة الأموي المسلم عبد الملك بن مروان ، وأتم بناءه ابنه الخليفة الوليد بن عبد الملك .
-     المصلى المرواني : يقع المصلى المرواني تحت أرضية المسجد الأقصى، في جهة الجنوب الشرقي .
-        الأقصى القديم : يقع الأقصى القديم تحت الجامع القبلي، وقد بناه الأمويون ليكون مدخلاً ملكياً إلى المسجد الأقصى من القصور الأموية التي تقع خارج حدود الأقصى من الجهة الجنوبية.
-        مسجد البراق : عند حائط البراق .
-        مسجد المغاربة
-        مسجد النساء ( مسجد قبة الصخرة المشرفة ) .
والماَذن الأربع للمسجد الأقصى المبارك هي : مأذنة باب المغاربة ، ومأذنة باب السلسلة ، و  مأذنة باب الاسباط ، ومأذنة باب الغوانمة .
وتتكون قباب المسجد الأقصى المبارك من 14 قبة هي :
قبة الصخرة : قبة الصخرة هي المبنى المثمن ذو القبة الذهبية، وموقعها بالنسبة للمسجد الأقصى ككل كموقع القلب من جسد الإنسان أي أنها تقع في وسطه إلى اليسار قليلاً. وهذه القبة تعتبر هي قبة المسجد ككل، وهي من أقدم وأعظم المعالم الإسلامية المتميزة. سميت بهذا الاسم نسبة إلى الصخرة التي تقع داخل المبنى والتي عرج منها النبي إلى السماء لأن الصخرة هي أعلى بقعة في المسجد الأقصى . وقبة الصخرة هي حالياً مصلى النساء في المسجد الأقصى . والصخرة غير معلقة كما يعتقد عامة الناس، لكنه يوجد أسفلها مغارة صغيرة. وقبة النحوية وقبة الارواح و   قبة السلسلة و قبة سليمان وقبة الخضر وقبة المعراج وقبة الميزان وقبة يوسف اَغا وقبة موسى وقبة النبي وقبة يوسف وقبة عشاق النبي وقبة الشيخ الخليلي
أبواب المسجد الأقصى المبارك
أما بالنسبة لأبواب المسجد الأقصى ، فللمسجد المحاط بالسور بالبلدة القديمة ، 15 بابا منها عشر مفتوحة ، وهي : باب الأسباط وباب حطة وباب العتم وباب الغوانمة وباب الناظر وباب الحديد و   باب القطانين وباب المطهرة وباب السلسلة وباب المغاربة . وأما الأبواب المغلقة في الجهة الجنوبية : باب المنفرد وباب الثلاثي وباب المزدوج . والأبواب المغلقة في الجهة الشرقية هي :    الباب الذهبي (باب الرحمة) وباب الجنائز
ويخضع المسجد الأقصى المبارك بمدينة القدس للاحتلال الصهيوني – اليهودي – العبري منذ عام 1967 ، وتتحكم قوات الاحتلال الصهيوني ، بعمليات الولوج والخروج لباحات المسجد الأقصى المبارك ، ليلا ونهارا ، ويتعرض هذا المسجد الإسلامي لعدوان المتطرفين اليهود من قطعان وسوائب المستوطنين والمتدينين اليهود الذي يقتحمونه بين الحين والآخر ويؤدون الصلوات والشعائر الدينية اليهودية تحت حراسة أمنية صهيونية مشددة ، في إعتداء سافر على الحقوق الدينية للمسلمين في هذه البقعة المباركة . ويطلق اليهود على المسجد الأقصى المبارك اسم ( جبل الهيكل ) وإجتزأوا الحائط الخارجي الغربي منه وهو حائط البراق الذي يطلق عليه اليهود زورا وبهتانا ( حائط المبكى ) منذ ثورة البراق عام 1929 إبان الاحتلال البريطاني ، ويسعون لهدمه وتدميره أو نقله لمكان آخر لإقامة ما يسمى بالهيكل اليهودي الثالث مكانه فيما يسمى  ( هيكل سليمان ) المزعوم . ولا تسمح قوات الاحتلال الصهيوني للمصلين المسلمين بزيارة المسجد الأقصى المبارك للصلاة فيه  وأداء الشعائر الدينية الإسلامية بحرية ، حيث تفرض حظرا شاملا على الدخول والخروج . وفي شهر رمضان الكريم ، تبادر قوات الاحتلال اليهودي ( كبادرة حسن نيه ) بالسماح للمصلين المسلمين من مواطني الضفة الغربية أو فلسطين المحتلة عام 1948 ( الجليل والمثلث والنقب والساحل ) بالصلاة بالمسجد الأقصى المبارك لفئات عمرية متقدمة في السن ، تتراوح ما بين 40 سنة فأعلى أو 45 سنة فأعلى أو 50 سنة فأعلى للذكور والإناث في أيام الجمع الرمضانية فقط حسب المزاح الصهيوني ، بينما تحظر قدوم الفلسطينيين من قطاع غزة للصلاة بالمسجد الأقصى المبارك ، بمزاعم ودعاوى أمنية صهيونية يهودية هشة وباهتة ، بمبررات الحيلولة دون إندلاع مظاهرات ومسيرات شعبية فلسطينية إسلامية منددة بوحشية وعنجهية الاحتلال الصهيوني ضد العرب والمسلمين في الأرض المباركة التي تهيمن  قوات الاحتلال الصهيوني وفق منطق حق القوة وليس قوة الحق .
ولهذا ولجميع الأسباب السابقة الدينية الإسلامية وحمايته من التدنيس اليهودي ، يتقاطر المسلمون في الأرض المقدسة ( فلسطين ) افواجا للصلاة في هذا المسجد الإسلامي التاريخي الحيوي العظيم .
يقول الله السميع البصير : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)}( القرآن الكريم - البقرة ) .
المسجد الأقصى المبارك بالمدينة المقدسة
وفيما يلي نظرات ميدانية إسلامية مضيئة ، كتجربة شخصية لي عايشتها ، على شد المصلين المسلمين الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك ، بعنوان الزحف الإسلامي الفلسطيني المقدس بإتجاه المسجد الأقصى المبارك على عدة حلقات بالجمع الرمضانية بشهر رمضان الفضيل لعام 1433 هـ / 2012 م .
إنطلاقة مسيرتي بإتجاه المسجد الأقصى المبارك

بعد تناولي طعام السحور الرمضاني ، والسحور من وجهة النظر الإسلامي هو الغذاء المبارك ، في بيتي الكائن في قرية عزموط ، على بعد 5 كم شمال شرقي نابلس بفلسطين المحتلة ، مع أسرتي الصغيرة ، زوجتي أم هلال وابني الشاب هلال وابنتي الصغرى أمل الزهراء ، إذ تكونت وجبتي في السحور من حبة موز وحبتين من الآجاص وكوبين متوسطين من الماء ، ذهبت في يوم الجمعة 1 رمضان 1433 هـ / الموافق 20 تموز 2012 م ، إلى مسجد عمر بن الخطاب في قرية عزموط لأداء صلاة الفجر الجماعية . وبعد الإنتهاء من أداء صلاة الفجر المبكرة ( ركعتي تحية المسجد وركعتين سنة وركعتين شكر لله تعالى ، وركعتين فرض ) عدت للبيت لتجديد وضوئي ، ثم الإنطلاق سيرا على الأقدام للوصول إلى مجمع السيارات الغربي بمدينة نابلس ، نظرا لعدم رغبتي في التنقل بسيارتي الخاصة ، لعدم إطلاعي على  أحوال الطريق نحو القدس المحتلة ، فلم يكن هناك سيارات عمومية بموقف سيارات قريتي عزموط تنقل الركاب للمدينة ، فمشيت سيرا على الأقدام نحو 1 كم ، في صبيحة ذلك اليوم المبارك كأول يوم في شهر رمضان الكريم ، لأن معظم الناس لم يكونوا يتوقعون بزوغ فجر رمضان المبارك ، وكانوا يتوقعون أن يأتي شهر صيام رمضان يوم السبت 21 تموز 2012 . وعند مفترق قرى عزموط – دير الحطب – سالم ، أوقفت سيارة كانت متجهة من سالم لمدينة نابلس ، وشعرت بأن الله سبحانه وتعالى قد سخر لي هذه المركبة لتقلني خاصة ، وكنت أعرف سائق السيارة العمومي ، فدفعت أجرة الركوب 4 شيكل ، ثم قطعت وقربت لنا السيارة المسيرة الجغرافية القصيرة ، فوصلت لمركز مدينة نابلس ، وأسرعت بإتجاه الصراف الآلي بالبنك العربي الذي ينزل به راتبي الشهري كموظف حكومي ، وسحبت أكثر مما يلزمني من النقود بالعملة الصهيونية ( الشيكل ) بمبلغ قدره 500 شيكل ( 120 دولار أمريكي ) ثم اتجهت مهرولا بإتجاه محطة الباصات الفلسطينية الغربية التي تنقل الركاب لمدينة رام الله وتصل لمعبر قلنديا بين مدينتي رام الله والقدس الفلسطينيتين .
وجدت في محطة الباصات بالمجمع الغربي لمدينة نابلس ، العديد من الحافلات الكبيرة والصغيرة التي تنتظر ركاب الزحف الإسلامي المقدس من الكبار في السن ، بإتجاه القدس الشريف ، ووقع نظري على حافلة صغيرة ، تتسع ل 19 راكبا ، يتواجد بها الرجال والنساء على السواء ، فسألت هل هذه الحافلة بإتجاه رام الله ومعبر قلنديا نحو القدس ، فرد السائق بالإيجاب . فصعدت للحافلة ، وكنت الراكب الأخير الذي يستقل الباص ، إنها رحلة إسلامية ميسرة بإذن الله المسيع العليم ، دفعت أجرة تذكرة الركوب بواقع 11 شيكلا ، وطلب مني سائق الحافلة الجلوس بجانبه في المقعد الأمامي الأول للحافلة . ثم إنطلق الباص عند الساعة الخامسة والنصف صباحا تقريبا بالتوقيت الصيفي ، مسرعا شرقا ثم جنوبا ، باتجاه مدينة رام الله وسط الضفة الغربية ، قرأت دعاء السفر الإسلامي المعتاد ، وأخرجت المسبحة الصغيرة المؤلفة من 99 حبة ، من جيبي لترديد الأذكار الدينية الإسلامية ثم قرأت بعض الآيات القرآنية الكريمة . وقد استغرقت الرحلة الفجرية الباكرة ما بين نابلس ورام الله أكثر من ساعة زمنية واحدة .

معبر قلنديا العسكري الصهيوني .. والقذارة العمدية
وصلنا لمعبر قلنديا بين مدينتي رام الله والقدس المحتلة ، فوجدنا بعض أفراد الشرطة الفلسطينية الذين ينظمون حركة السير شمالي المعبر ، فارشدونا لمكان مرور الرجال ومكان مرور النساء ، كل على حدة ، وشخصيا لدي معرفة ميداينة سابقة بذلك ، من العام الماضي 2011 . ويسيطر على هذا المعبر قوات الاحتلال اليهودي العبري الصهيوني ، وهو بمثابة معبر دولي ، وكأنه نقطة حدودية دولية تفصل بين دولتين حقيقيتين والأمر ليس كذلك فهناك الكيان الصهيوني وتتواجد السلطة الفلسطينية في المدن الفلسطينية وهي سلطة بلا سلطة فعلية على أرض الواقع . فالاحتلال الصهيوني هو الأمر الناهي في الأرض المقدسة برا وبحرا وجوا . فقلت في نفسي ، نسأل الله أن يزيل هذا الكابوس الصهيوني البغيض عن كاهل شعبنا الفلسطيني المسلم المرابط في ارض الرباط المباركة .
هرولت مسرعا بإتجاه ناحية الجنوب نحو المعبر ( معبر قلنديا ) بين مدينتي رام الله والقدس ، وهو معبر عسكري يتواجد فيه عشرات جنود الاحتلال العسكري الصهيوني بلباسهم العسكري الأخضر الفاتح والأسود والأزرق ، ورشاشاتهم بأيديهم وعلى أكتافهم ، ويتحكمون بعمليات الدخول والخروج للمارة بالاتجاهين ، شمالا وجنوبا . وهناك بوابات حديدية ، وجدران إسمنتيه ، وأجهزة إلكترونية ثابتة ويدوية متنقلة لتفتيش المواطنين الفلسطينيين المارين بهذا المسرب . ولا يسمح الدخول لأي فلسطيني إلا بعد إبراز بطاقة الهوية الخضراء اللون المزركة بألوان العلم الفلسطيني بداخلها ( الصادرة عن السلطة الفلسطينية ) لمواطني الضفة الغربية ، وبطاقة الهوية الشخصية الزرقاء الصادرة عن وزارة الداخلية العبرية لمواطني القدس وفلسطين المحتلة 1948 . إتجهت صوب أحد جنود الاحتلال الصهيوني من السود ( الفلاشا ) مبرزا بطاقتي الهوية ، فأذن لي بالدخول كغيري من المواطنين الفلسطينيين الذي تجمعوا بالعشرات في صفوف متواصلة أو متجمعين بفوضى عارمة للدخول لثنايا معبر قلنديا بإتجاه القدس المحتلة . وفي داخل هذا المعبر العسكري الصهيوني ، وجدنا عشرات الجنود اليهود ، ذكورا وإناثا ، المدججين بالسلاح ، في عدة حواجز ونقاط تفتيش عسكرية داخلية ، فيطلب بعض هؤلاء الجنود بطاقات الهوية ممن يشكون في أعمارهم . وكان التركيز الصهيوني يقضي كما ورد بوسائل الإعلام العبرية ، بالسماح للمواطنين الفلسطينيين بعبور معبر قلنديا نحو القدس الشريف ، والصلاة بالمسجد الأقصى المبارك ، لمن هم فوق أل 50 عاما للرجال ، و45 عاما للنساء .
تمكنا ، نحو 30 مواطنا فلسطينيا ، بعد 10 دقائق من إجتياز حوالي 500 م من معبر قلنديا ، ذو الرائحة القذرة ، جراء التبول البشري المسبق ، الخفيف والثقيل من فضلات الإخراج البشري ، إلى جانب الجدران الاسمنتية والبلاستيكية ، والأسلاك الشائكة ، ونعتقد أن جنود الاحتلال ليلا ونهارا ، يتبولون ويتبرزون فضلاتهم من مقدماتهم وخلفياتهم ( القبل والدبر ) على السواء ، ليلا ونهارا ، في ثنايا المعبر كنوع من الحرب النفسية والمعنوية والاستهزاء والاستخفاف والعنصرية اليهودية ضد المارين الفلسطينيين .
فرحلة الدقائق العشر هي رحلة مقززة ومقرفة في الآن ذاته ، بكل ما في الكلمة من معنى ، جراء إنتشار الفضلات البشرية بكثرة داخل منطقة معبر قلنديا العسكري الصهيوني . ويبدو أن النظافة معدومة في هذا الممر الاجباري المفروض على الفلسطينيين . وبعد الانتهاء من المشي سيرا على الأقدام من المعبر ، خرجنا بإنتظار الحافلات التي تقلنا بإتجاه المدينة المقدسة ، فلم يكن هناك إزدحاما كبيرا ، رغم تواجد مئات المواطنين الفلسطينيين في المكان . فركبت مع حافلة صغيرة ، ودفعنا أجرة قدرها 6.5 شيكل صهيوني ( إسرائيلي ) نظرا لعدم وجود العملة الوطنية الفلسطينية المتداولة أولا ولاجتيازنا منطقة فلسطينية تحتلها قوات الاحتلال الصهيوني ثانيا . قطعنا قرابة 20 كم ما بين معبر قلنديا ومحطة الباصات المركزية وسط القدس الشرقية العربية الفلسطينية على بعد 1 كم من باب العامود بالبلدة القديمة بالقدس المحتلة . وبذلك فقد قطعنا مسيرة جغرافية تبلغ أكثر من 80 كم ما بين قريتي عزموط والقدس الشريف وسط فلسطين المحتلة استغرقت حوالي ساعتين ( 120  دقيقة ) وتنقلت خلالها 4 مرات سيرا على الأقدام ( الأولى من بيتي بقرية عزموط حتى مفرق الطريق الخارجي ، والثاني ما بين مركز المدينة ومجمع السيارات الغربي بنابلس ، والثالثة دخول معبر قلنديا شمالي القدس ، والرابعة من محطة الباصات بالقدس حتى المسجد الأقصى المبارك في البلدة القديمة . وركبت ثلاث مرات بالمواصلات العمومية الفلسطينية :  مرة بالتاكسي العمومي من عزموط لمركز مدينة نابلس ، ومرتين بالحافلات الفلسطينية الأولى ما بين نابلس وقنلديا والثانية بعد المعبر ما بين قلنديا والقدس المحتلة . لا ريب إنها رحلة صعبة وشاقة ن فالسفر قطعة من العذاب ، ولكنها رحلة طوعية إيمانية إسلامية زاحفة بإتجاه شد الرحال للمسجد الإقصى المبارك بالمدينة المقدسة ، فقد تمنيت أن يأتي غرة شهر رمضان المبارك للعام الهجري 1433 هـ في يوم الجمعة 20 تموز 2012 ، لإشتياقي الشديد لزيارة المسجد الأقصى المبارك والصلاة فيه ، بسبب الحظر الديني اليهودي والعسكري والسياسي الصهيوني علينا كأبناء للشعب الفلسطيني ، من عمارة المسجد الأقصى المبارك ، طيلة أيام السنة ، بقوة الحديد والنار ، وهذا ما كان والحمد لله رب العالمين .
الوصول للقدس المحتلة

بعد نزولنا من الحافلة الفلسطينية بمحطة الباصات وسط القدس المحتلة ، اتجهت شرقا نحو باب العامود في البلدة القديمة للدخول لباحات المسجد الأقصى المبارك ، إجتزنا شوارع القدس القديمة ، وسط حراسات أمنية يهودية مشددة ، وشاهدت أثناء مروري جنود الاحتلال المدججين بالسلاح الرشاش ، والبعض منهم يأكل الطعام ساندويشات وشكولاته وبسكويت ، ويشرب الكوكا كولا بالشوارع العامة أمام المسلمين الفلسطينيين ( فهم لا يصومون كالمسلمين ) ويراقب جنود الاحتلال الصهيوني الداخلين والخارجين من الزوار المسلمين من المسجد الأقصى المبارك بجميع بواباته الموصله إليه . كما رأيت تجار مدينة القدس بالمحلات التجارية وعلى العربات وجوانب الطرقات من مخلتف الأعمار يبيعون ويعرضون بضائعهم وخاصة الكراسي الصغيرة لذوي الاحتياجات الخاصة ، والمصليات القطنية أو البلاستيكية أو المصنوعة من القش بخمسة شواكل للقطعة الواحدة ، وحزنت كثيرا لوجود عشرات المتسولين الذين يسألون الناس بطريقة مبتذلة ، ولا يستطيع المرء أن يميز بين المتسول المحترف والمحتاج الحقيقي في الكثير من الأحيان .
الولوج للمسجد الأقصى المبارك
وبعد مسيرة حوالي 20 دقيقة لعدة كيلومترات ، ولجت من أحد الأبواب الصغيرة ( المدهونة باللون الأخضر ) وهو باب الحديد ، من البوابات الكبرى للمسجد الأقصى المبارك بعد الساعة السابعة صباحا بالتوقيت الصيفي الفلسطيني ، مستغفرا الله جل في علاه ، وذاكرا الله كثيرا ، وراضيا متمتعا بهذه الرحلة الإيمانية العظمى إلى الأقصى المقدس العظيم الذي أحبه وعلقت صوره في بيتنا ، وخططناه ورسمناه ووضعناه عند مدخل منزل العائلة بقريتي عزموط . ذهبت لتجديد الوضوء قرب باب المطهرة ، ولم يكن هناك إزدحاما صباحيا في إرتياد مطهرة الحمامات على الجانب الأيمن من المسجد الأقصى المبارك ، خرجنا بسرعة بعد أداء الوضوء الإسلامي الطاهر ، وعادة بعد الساعة الثامنة صباحا يحصل الإزدحام الشديد ، وتصطف الطوابير البشرية الفلسطينية لقضاء الحاجة وتجديد الوضوء الإسلامي أمام هذه المطهرة الجانبية غير الكافية . وفي طريق من المطهرة إلتفتُ لمكان المحل التجاري المعتاد الذي اشتري منه المسابح ( مسبحة الأذكار ) فاشتريت 4 مسابح بواقع 99 حبة ولكنها صغيرة الحجم ، فحباتها بلاستيكية قوية ، بألوان جذابة : سوداء وخمرية وعنابية وسكنية بواقع 15 شيكلا إسرائيليا ، ولم أجد طلبي بشراء المسابح البيضاء أو الخضراء المضيئة ليلا . وبعد ذلك أسرعت الخطى في باحات المسجد الأقصى المبارك لحجز مكان للصلاة في المسجد المسقوف القبلي الجنوبي كعادتي المفضلة ، وصليت ما كتب الله لي من الصلاة في هذا المسجد الإسلامي العظيم العامر بالإيمان ، حيث صليت ركعتين تحية المسجد و 8 ركعات صلاة الضحى ثم صليت ركعتين غيرها أهديت ثوابهما لوالدتي سهيلة المرحومة بإذن الله تعالى التي كانت تحب الصلاة بالمسجد القصى المبارك ، ثم صليت ركعتين أخريين وأهديت ثوابهما لوالدي المرحوم إبراهيم بإذن الله تعالى الذي أحب الصلاة بالمسجد الأقصى المبارك كذلك . ثم بدأت بتلاوة القرآن المجيد من خلال جوالي الصغير بخطه الصغير ، من ماركة نوكيا 73 ، فقرأت سورة البقرة بكاملها ، ثم شرعت في التسبيح والأذكار والأدعية الإسلامية المتعددة . ثم إتصلت بأسرتي في قرية عزموط بمحافظة نابلس عبر الهاتف النقال ، لأبلغهم بوصولي للمسجد الأقصى المبارك ، والحمد لله رب العالمين ، وبقيت على مسيرة الإفراد الإذكاري الإيماني المتواصلة من ترديد الأذكار والأدعية الإسلامية المتنوعة تارة والاستماع لدروس دينية إسلامية لمحاضرين متطوعين حول الصيام وشتى المواضيع الإسلامية من الصلاة والزكاة والجهاد في سبيل الله ، والتذكير بأهمية المسجد الأقصى المبارك وغيرها من القضايا الإسلامية المعاصرة أو الحديث القليل الخافت الصوت ، مع جيراني بالمسجد . ثم تلى ذلك ، قدوم خطباء رسميون من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية ، لإلقاء خطب دينية متنوعة وتلاوة بعض آيات القرآن العظيم .
الجمعة الرمضانية الأولى بالمسجد الأقصى المبارك

على أي حال ، لم تكن الجمعة الرمضانية الأولى 1 رمضان 1433 هـ / 20 تموز 2012 ، مزدحمة أو مكتظة كثيرا ، حيث شارك بصلاة الجمعة حسب التقديرات الفلسطينية حوالي 100 ألف مصل ، بل كانت خفيفة الإزدحام والاكتظاظ وربما يعود ذلك لعدم توقع الكثير من الناس بدء مطلع شهر الصيام هذه السنة بيوم الجمعة ، ومعظم التوقعات الفلكية كانت ترجح بأن يأتي رمضان يوم السبت وليس الجمعة .
منظر داخلي عام لقبة الصخرة المشرفة داخل المسجد
أداء صلاة الجمعة الجامعة بالمسجد الأقصى المبارك

يقول الله مالك الملك ذو الجلال والإكرام تبارك وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)}( القرآن المجيد - الجمعة ) .
بعد وصولي لباحات المسجد الأقصى المبارك ، دخلت المبنى القديم من المسجد الأقصى المبارك في ساعات الصباح الباكر عند السابعة والنصف بالتوقيت الصيفي بفلسطين ، ومكثت حتى صلاة ظهر الجمعة ( صلاة الجمعة الجامعة ) بعد الواحدة مساء ، بمعنى بقيت نحو 5 ساعات نهارية متواصلة داخل المسجد ، ولم أخرج من المسجد بتاتا ، وبفضل الله ومنه ، تمكنت من أداء صلاة الجمعة ( الظهر ) بالجماعة الكبرى الأولى ، بالمسجد الأقصى المبارك ، والاستماع لخطبة الجمعة ، في الصف الثاني ، من الجهة الشرقية للمحراب ، وكانت حرارة الجو مرتفعة وكذلك حال مواضيع الخطبة الساخنة ، حيث تطرق الخطيب الشيخ لفرائض الإسلام العظيم وخاصة صيام شهر رمضان المبارك ، وتناول الأوضاع الفلسطينية العامة ، وللأوضاع الثائرة في سوريا ، وغيرها من الأوضاع السياسية في الوطن العربي .
ومما يذكر أن البناء الجنوبي المسقوف من المسجد القصى المبارك ، ومعظم الساحات العامة تخصص لصلاة الذكور من المصلين المسلمين ، من الرجال والشباب والفتيان بينما يتم تخصص مسجد قبة الصخرة المشرفة المزركش بالأزرق ومحاط بالآيات القرآنية المجيدة لصلاة النساء مع صحن القبة .
وبعد صلاة الجمعة المفروضة ، وتأدية صلاة ركعتي السنة البعدية لصلاة الظهر ، بالمسجد الأقصى المبارك ، أدى مئات المصلين المسلمين ممن يسكنون خارج المدينة المقدسة ، صلاة العصر قصرا بواقع ركعتين ، قبل رجوعهم لمواطنهم بمدنهم وقراهم ومخيماتهم ، فصليتها معهم لكسب الثواب الجزيل محتسبا لها عند الله رب العالمين .
ومما شد إنتباهي بعد خروجنا من صلاة الجمعة المفروضة ، وجود خطباء لمهرجان خطابي صغير لشباب حزب التحرير ( الإسلامي ) أمام الجهة الشمالية للمسجد القديم المسقوف ، من أولئك الذين ينادون بنصرة الثورة السورية ، ويتهجمون على السلطة الفلسطينية ، ويستظل هؤلاء الخطباء بظلال أشجار المسجد الأقصى بالباحة الشمالية للمسجد القديم ، وسط حضور شباب ورجالي لا بأس به يقدر بمائتي شخص . وأثناء الحر الشديد يقوم بعض فتيان الحزب برش الماء على الحاضرين من قارورة وكأنها خصصت لصالون الحلاقة لرش الماء على شعر المحلوق له . وبعد تجول هنا وهناك واستماع لهذه الجلسة أو تلك ، كنت انصت لما يقولون ولا أعلق على ما يقولون ، وهناك بعض الناس المشاركين بالمهرجان الصغير يعلقون أو يسألون والإجابة تأتيهم مباشرة عبر الميكروفون المتنقل وسماعة ( الامبيفير ) الصغيرة الحجم . وهناك من دخل وسط الجموع المحتشدة وأخذ يردد ( الله أكبر ولله الحمد ) وهو شعار يردده جماعة الإخوان المسلمين ، بينما ردد شباب حزب التحرير شعارات خاصة بهم منها ( يا الله .. يا الله ما لنا أحد سواه ) وغيرها يتخللها رفع شعار الحزب المذكور باللون الأسود وشعار الخلافة الإسلامية التي يطالبون بها . وغني عن القول ، إن هناك الكثير من أعضاء الحركات والأحزاب الإسلامية والوطنية ، ممن أدوا صلاة الجمعة في أول جمعة رمضانية لهذا العام المبارك . وقد شاهدت الكثير من مناصري حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) وحركة التحرير الوطني الفلسطيني ( فتح ) وحركة الجهاد الإسلامي ، وحزب التحرير ( الإسلامي ) وسائر الناس ، ويستطيع الإنسان التمييز بين هؤلاء وهؤلاء عبر شعاراتهم الخطابية وأناشيدهم المتدولة في بعض التجمعات والمسيرات داخل أروقة الحرم القدسي الشريف . وقد إلتقيت لبرهات متعددة ببعض الأصدقاء والأصحاب مما أتوا من كل فج عميق من فلسطين الكبرى لأداء صلاة الجمعة بالمسجد الأقصى المبارك ممن كنت سابقا تعرفت عليهم عبر فترات السجن أو الدراسة الجامعية أو زمالة العمل في البلاد .

صلاة العصر بالمسجد الأقصى المبارك

يقول اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ : { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27) لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)}( القرآن المجيد – آل عمران ) .
عندما حان موعد صلاة العصر الطبيعي المعتاد ، عند الساعة الرابعة والثلث بعد الظهر ، استطعت أن أصلي صلاة العصر جماعة بالصف الأول في المسجد الأقصى المبارك ، بالمسجد الجنوبي القديم ، كما خططت في صباح اليوم الباكر ، والحمد لله رب العالمين ، وذلك لعدم وجود الإزدحام في أولى صلوات الجمع الرمضانية لهذا العام . ثم خرجت من المسجد القديم للساحة العامة ، وتجولت في حديقة المسجد ، ورأيت من يجمع التبرعات لهذه الغاية أو تلك ، بعد صلاتي الجمعة ( الظهر ) والعصر على السواء ، مثل بناء المساجد في مختلف المحافظات الفلسطينية ، وهذا ينم عن صحوة إسلامية فلسطينية شاملة وواسعة . وهناك صناديق للزكاة نصبت في أفنية الساحة العامة للمسجد الأقصى المبارك ، ما بين مناد ومتبرع ، وما بين متحدث وسامع لهذه المسألة أو ذلك الموضوع . وكذلك ينتشر بعض طالبي المساعدة والمعونات المالية لسبب أو لاخر ، وبعضهم ممن يحترف مهنة التسول للأسف الشديد . ومما يلفت النظر للخارجين من المسجد القديم أو مسجد قبة الصخرة المشرفة ، أنه بعد صلاة العصر بالجمعة الرمضانية تواجد بعض الدعاة وحلقات الدراسة أو الخطب الدينية أو السياسية العامة .
حوار مع شيخ جليل مسلم من جنوب إفريقيا

جاء في سنن الترمذي - (ج 8 / ص 442) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ " .
جلست بعد صلاة العصر من يوم الجمعة 1 رمضان 1433 هـ / 20 تموز 2012 م في ظل بعض الأشجار الوارفة بالساحة الأمامية للمسجد الأقصى المبارك ، ما بين المسجد القديم ومسجد قبة الصخرة المشرفة قرب المتوضأ ، مسبحا ومستغفرا ، ثم تحادثت قليلا مع من يجلس بقربي ، ثم جاء شيخ جليل بلحية بيضاء طويلة ، ناصعة البياض ، يلبس ثوبا ( جلبابا ) أبيضا تبدو عليه هيبة الرسالة الإسلامية الإيمانية ، وجلس على يميني ، فبادرته من اين حضرة الشيخ مباشرة ، فلم يجب بصورة فورية ، بل تأنى ، وتحدث بلهجة أجنبية ، هي اللغة الإنجليزية ، قائلا لي : أهلا ومرحبا أنا لست من هنا ، بل أنا مسلم من جنوب إفريقيا ، فتأكدت أنه ليس فلسطينيا بل أجنبي ، علما بأن لون بشرته قمحاوية مثل بشرتنا بفلسطين وليس اسود أو أسمر اللون ، ففرحت كثيرا لاجابته باللغة الانجليزية ، وبادلته التحية والحديث المطول لنحو ساعتين فأنبأني أنه من أصول هندية ، من بلد المهاتما غاندي . فسألني عن أهل فلسطين ، وسألته عن المسلمين في جنوب إفريقيا ، وسألني عن عملي فقلت له إنني استاذ جامعي ، أحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية ، ودرست في عدة جامعات فلسطينية ، وكان عنوان الأطروحة الجامعية عن التمييز العنصري الصهيوني ضد الفلسطينيين وإنني أعرف الكثير عن تفاصيل التمييز العنصري وخاصة البريطاني عن بلاده ( جنوب إفريقيا ) فسر كثيرا من معرفتي باللغة الانجليزية ، ومحادثته وإطلاعي على أوضاع التمييز والفصل العنصري في جنوب إفريقيا ، ونظام الابارتهيد البريطاني البائد . وأخذنا أطراف الحديث عن العنصرية والعدالة ثم عرجنا على الحياة الدنيا والحياة الآخرة والجنة وأن الصراط المستقيم والحساب بيوم القيامة سيكون في ساحة المسجد الأقصى المبارك بعد أن تكون مستقيمة ومستوية وغيرها من الشؤون الدينية الإسلامية . ومن ضمن ما قاله لي ، إنه من مدينة قرب جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا ، وإن تعداد المسلمين في جنوب القارة الافريقية يبلغ حوالي 1.5 مليون مسلم ، وأن المسلمين أحرار في حياتهم الخاصة ، ويعيشون دون مضايقات حكومية هناك ، وإنه يعمل في التجارة ، وتبنى عملية بناء مسجد للمسلمين بمدينته بإشراف منه بجمع التبرعات المالية والعينية ، بمساحة تقارب 450 م2 ، بكلفة مالية عالية تقدر بمليون دولار . وقد حضر هذا المسلم من جنوب إفريقيا برفقة أهله ذويه ( 10 افراد ) زوجته وابنه وحفيده وبعض أقاربه للصلاة بالمسجد الأقصى المبارك في أول يوم رمضاني ( الجمعة الأولى ) لينطلق بصحبة اسرته وأقاربه برحلة عمرة إلى مكة المكرمة بالديار الحجازية حيث يغادر فلسطين يوم السبت 21 تموز 2012 . كما أنبأني أنه تزوج من إمرأتين طلق إحداهما لعدم تماثلها مع حياته الإسلامية العامة والخاصة ، وابقى على الزوجة الأخرى لتمسكها بالإسلام وطاعتها له ، وأن له ولدين وابنتين . كما تطرقنا في جولة حديثنا لمحرر جنوب افريقيا من العنصرية المقيتة ( نيلسون مانديلا ) ، وقد لاحظت أن هذا المسلم الجليل من جنوب إفريقيا ، يجمع ما بين الكلمات العربية والانجليزية في أحاديثه الخاصة ، ويردد كثيرا عبارات ( الحمد لله ) فقلت له قل الحمد لله رب العالمين أفضل ، كما يردد إن شاء الله ويذكر يوم القيامة الآتي لا ريب فيه . وأخبرني أن ابن أحد اقاربه يحفظ القرآن الكريم غيبا بصورة كاملة . فقلت له كيف تصلون ؟ فأخبرني ، بأنه يصلى باللغة العربية وأنه يحفظ الكثير من السور القرآنية القصيرة بلهجة ولغة عربية صحيحة ، فطلبت منه من باب الفضول أن يقرأ سورة الفاتحة فقرأها كاملة دون توقف ، غير أنه يلفظ كلمة الذين ( اللزين ) . على العموم ، أطلعته على معاناة الشعب المسلم في فلسطين والإجراءات الصهيونية ضد الفلسطينيين ، وحرمان الفلسطينيين من الصلاة بالمسجد الأقصى المبارك ، ويتحكمون بفئات أعمار المصلين المسلمين ذكورا وإناثا ، في تعد سافر على الحقوق الدينية للمسلمين ، فاستغرب الأمر ، وتعجب كثيرا ، ويبدو أنه متأثر بسياسة التعايش وحل الدولتين الفلسطينية واليهودية ( الإسرائيلية ) . وقال إنه يزور فلسطين للمرة العاشرة للصلاة بالمسجد الأقصى المبارك ، مع بعض أفراد عائلته وذويه وأصدقائه . فقلت له هل زرت تل ابيب فقال لا آنا آتي لزيارة القدس فقط وخاصة الصلاة بالمسجد الأقصى . لقد كان حوار ثنائيا سياسيا ودينيا مؤثرا ، أوضحت له فيه الكثير من القضايا التي كان يسألني عنها بشغف كبير وسط استماع بعض الجالسين بالقرب منا . وعند إقتراب الغروب ، افترقنا لتجديد الطهارة والوضوء استعدادا لصلاة المغرب ، وقلت له أهلا وسهلا بكم في فلسطين دائما لنصرة الإسلام والمسلمين والتضامن الدائم مع الشعب الفلسطيني .

صلاة المغرب  بالمسجد الأقصى المبارك

أذن مؤذن المسجد الأقصى المبارك لصلاة المغرب ، وكنت داخل المسجد القديم بالصف الأول ، والحمد لله رب العالمين ، على هذه النعمة والتمكين الرباني ، لأداء الصلاة بالمسجد الأقصى المبارك الذي أتوق للصلاة فيه منذ نعومة أظفاري وصغر سني ، عندما كان يصطحبني والدي الحاج إبراهيم رحمه الله وجعل مثواه الفردوس الأعلى مع والدتي بالجنة إن شاء الله تبارك وتعالى . بعد رفع الأذان الإسلامي تناولت كزملائي بالصلاة في الصف الأول ، كوبا من الماء بكأس بلاستيكي ، وبعض حبات التمر ، ثم أقيمت الصلاة فصلينا جماعة ثلاث ركعات صلاة المغرب ، ثم صليت ركعتي السنة ، وأربع ركعات بعدها ( صلاة الأوابين ) وخرجت لباحة المسجد ، فوجدت بعض المؤسسات التي توزع طعام الإفطار الرمضاني ، على أعداد غفيرة من الناس ، فتناولت وجبة من وجبات الطعام ( جزء من دجاج مطبوخ وبعض حبات البطاطا والجزر مع رغيف الخبز ) إلا أن الماء كان نادرا ، فتوجهت لحنفيات الماء الثابتة للشرب وتغسيل اليدين . ولاحظت أن هناك خللا معنويا ونفسيا وماديا في توزيع وجبات طعام الإفطار على الصائمين ، من أهمها : سوء تنظيم توزيع وجبات الإفطار على الصائمين المصلين ، وإستفراد الكثير من الغلمان بوجبات الطعام الكثيرة دون وجه حق ، بينما الكثير ممن يصلي بالصفوف الأولى بالمسجد القديم لا يستطيع الحصول على وجبة غذائية خصصت للصائمين من الإمارات العربية أو من قطر أو من الأوقاف الإسلامية الفلسطينية أو الحركات الإسلامية المشرفة على توزيع أطعمة وأشربة الصائمين المجانية . ومما أذكره أن أحد موزعي الطعام على الصائمين ، وبسبب الضغط المتزايد عليه تجرأ وسب الذات الإلهية ، ففضح نفسه وفضح جماعته المشرفين على توزيع الطرود الغذائية للصائمين ، فقلت في نفسي لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ،  هداك الله يا أيها الشاب ، ولا داعي لأن تكون ضمن وفد الرحمن بهذه الساعة المباركة بالبقعة المباركة من فلسطين المباركة ، أو ممن يشرفون على الرفادة والسقاية بالمسجد الأقصى المبارك في الأرض المقدسة . فكلمة لمن يشرف على شؤون الرفادة والسقاية إنه لا بد من إنتقاء الشباب المتطوعين المسلمين وليس الشباب الطارئين دون تدقيق أو تمحيص لأن هذا الشاب مرآه تعكس فعالية المؤسسة أو الجهة التي تقدم الخدمات الخيرية الجليلة لثلة الصائمين بالمسجد الأقصى المبارك .

صلاة العشاء بالمسجد الأقصى المبارك

يقول الله العلي العظيم جل جلاله : { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44)}( القرآن المجيد – النجم ) .
وجاء في صحيح مسلم - (ج 1 / ص 167) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ " .
رغم وجود مكان سكني البعيد عن القدس المحتلة ، حيث أقطن في قرية عزموط بمحافظة نابلس ، فقد انتظرت لأداء صلاة العشاء في المسجد الأقصى المبارك ، لعبادة الله العلي العظيم بالبقعة المباركة ، في أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين ، وارض الإسراء والمعراج النبوي الشريف ، وهذه منة وفضل من ربي العزيز الحكيم خالق الخلق أجمعين أحدث بها وفق مبدأ وأما بنعمة ربك فحدث . لقد أديت صلاة العشاء الفريضة والسنة ، ومن بعدها صلاة قيام رمضان ( التراويح ) في الصفوف الأولى حيث صليت 10 ركعات من التراويح بالبناء القديم بالمسجد الأقصى المبارك ، و3 ركعات صلاة الوتر ، رغم حرارة الجو المرتفعة ، وعدم فعالية المراوح الجانبية العلوية الصغيرة التي لا تغير شيئا من لهيب درجات الحرارة وإكتظاظ المصلين المسلمين . وبعد ذلك إضطررت لمغادرة باحات المسجد الأقصى المبارك عند الساعة العاشرة والنصف بالتوقيت الصيفي بفلسطين ، فخرجت  من أحد بوابات الأقصى نحو باب العامود ثم لمحطة الباصات المركزية . وفي باب العامود اشتريت علبة من العنب ، استكمالا للفطور الرمضاني وتحسبا لتأخري لساعات السحور قبل وصولي إلى بيتنا بقرية عزموط . مشيت ومشينا مع الجموع الخارجة الراجعة لبيوتها ، سيرا على الأقدام في شوارع القدس العتيقة ، وسط إزدحام وإكتظاظ بشري كبير شبه منتظم ، ووصلنا لمحطة الباصات الفلسطينية بعد 30 دقيقة من المشي البطئ ، وسط الزحام ، للانتقال لمعبر قلنديا ثم رام الله ثم نابلس فعزموط .

العودة الميمونة لقريتي عزموط بمحافظة نابلس
ومن المفاجأة التي فوجئنا بها ، إن شركة الحافلات صاحبة الامتياز بالنقل بين القدس ورام الله ،  لا تكترث بالمسافرين الفلسطينيين ، فمكثنا ننتظر الباصات لتقلنا للمعبر ، ولكن بلا جدوى ، فالباصات متوقفة بميدان المحطة ولكن لا يوجد سائقين لقيادتها ، فانتظرنا ثم انتظرنا ، ثم ركبنا بعد عناء ومدافعة غير منظمة وجهد طويل ، في أحد الباصات الكبيرة ، فامتلأت كراسي الباصات ونحو 20 راكبا واقفين بين هذه المقاعد ، وقد ركبت بعض السيدات الآتيات من المسجد الأقصى المبارك ، واقفة ولم يتيسر لها مقعدا لتجلس عليه فناديت إحدى هذه السيدات وطلبت منها القدوم لتجلس مكاني ، وسط الباص ، فأتت وشكرتني على ذلك ، ولم يواصل الباص طريقه حتى نهاية الخط بل أوصلنا فقط للجهة الجنوبية من معبر قلنديا ، علما بأن خط سيره يفترض أن يستمر حتى مدينة رام الله ، بأجرة تبلغ 6.5 شيكل ، فبعد أن استوفى الأجرة كاملة لم يكمل المسير حتى نهاية المنطقة التي يفترض أن يوصل الركاب المسافرين إليها ، ولكن ظهرت استهتار ولا مبالاة السائق ، بنداءات الركاب الذين طالب الكثير منهم بإيصاله لنهاية الخط بمدينة رام الله ، ولكن لا حياة لمن تنادي ، فالوقت متأخر منتصف الليل ولا من مجيب .  وبعد أن طلب منا السائق النزول من الباص قبل معبر قلنديا ، نزلنا واتجهنا شمالا ، وأخذنا نبحث عن مركبة عمومية تقلنا لمجمع المركبات العمومية برام الله ، ودفعنا أجرة إضافية جديدة ( 3.5 شيكل ) ، ويعد هذا نوع من الاستغلال الاقتصادي للمسافرين ، من جهة ، واستهتار بوقتهم وحياتهم من ناحية أخرى .
وبعد ذلك وجدت مركبة باص عمومي صغير يتسع ل 7 ركاب ، معظم مقاعده محجوزة ، فما لبث أن أتى ركاب آخرون قادمين من المسجد الأقصى المبارك ، وأمتلأت مقاعد المركبة العمومية وإنطلقنا راجعين إلى مدينة نابلس . وقد عرج السائق لبلدة سنجل بين نابلس ورام الله ، لتوصيل بعض الركاب إليها ، كان قد إتفق معهم مسبقا بهذا الخصوص دون علمنا ، وحاول السائق الفلسطيني تقصير المسافة بين نابلس ورام الله ، فأجتاز نقطة عسكرية صهيونية إذ أوقفه الجندي اليهودي ، وطلب من السائق بطاقة الهوية الفلسطينية ، وسأل الجميع من اين أتيتم باللغة العبرية ، فأخبره السائق إنهم جاؤوا من القدس ويريدون العودة لمساكنهم في نابلس ،  فاجبر الجندي الصهيوني السائق الفلسطيني على سلك مسرب آخر ، وهذا ما كان ، ثم إنطلقت بنا السيارة مسرعة باتجاه الشمال نحو مدينة نابلس ، فوصلنا عند الساعة الواحدة صباح يوم السبت 2 رمضان 1433 هـ / 21 تموز 2012 م . وذهبت لمكتب تاكسي أجرة ( تكسي المدينة ) قرب ميدان الشهداء بنابلس ، للانتقال بطلب لقريتي القريبة عزموط ، ولكن المكتب لم يتجاوب معي ، وزعم أن سيارات الأجرة غير متوفرة علما بأنه كان يهاتف العديد من السائقين عبر الهاتف النقال والثابت . وقال لي انتظر ما بين 10 – 15 دقيقة ليحضر لي سيارة من سيارات الطلبات ( الأجرة ) لكنه لم يوف بوعده فانتظرت أكثر من 20 دقيقة ، ولكنه لم يلبي طلبي ، وقد أخبرته أنني متعب وجئت من المسجد الأقصى المبارك بالقدس الشريف ، ولكنه لم يلق بالا ، فوعد ووعد بلا نتيجة فعلية . فامتعضت وخرجت خارج المكتب ، فإذا بسيارة أجرة قادمة من جهة الدوار ، فاشرت لها فتوقفت وابلغني السائق بأن لديه طلبا في الطريق ولا يستطيع نقلي . ثم جاءت سيارة أجرة أخرى فأوقفتها فتوقفت ، وإذا بشاب بالقرب مني يبحث أيضا عن سيارة طلب أجرة لتقله إلى المساكن الشعبية ، فقلت له السيارات شحيحة ، فهلا نركب معا بطلب واحد فوافق سريعا دون تردد ، ودفعنا مبلغ 20 شيكلا أجرة الطلب الليلي بناء على تعرفة السائق العمومي ، فتقاسمناها الاثنين ، ووصلت لبيتنا في قرية عزموط عند الساعة الثانية إلا الربع صباحا ( 1:45 ) صباحا أي قبل موعد أذان فجر يوم السبت بحوالي ساعتين ونصف ، بعد إجتياز 160 كم ذهابا وإيابا من وإلى قريتي عزموط . ويبقى القول ، رغم أنها رحلة شاقة وصعبة وخاصة في رحلة الرجوع إلى نابلس إلا إنها كانت رحلة إيمانية ممتعة بل ممتعة جدا ، والحمد لله رب العالمين .

كلمة إسلامية أخيرة  .. فلسطين مركز الخلافة الإسلامية النهائية

يقول الله العلي العظيم جل جلاله : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)}( القرآن المجيد – البقرة ) .
وورد بمسند أحمد - (ج 45 / ص 471) عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ زُغْبٍ الْإِيَادِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ نَزَلَ عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوَالَةَ الْأَزْدِيُّ فَقَالَ لِي وَإِنَّهُ لَنَازِلٌ عَلَيَّ فِي بَيْتِي بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَقْدَامِنَا لِنَغْنَمَ فَرَجَعْنَا وَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا وَعَرَفَ الْجَهْدَ فِي وُجُوهِنَا فَقَامَ فِينَا فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تَكِلْهُمْ إِلَيَّ فَأَضْعُفَ وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى النَّاسِ فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ لَيُفْتَحَنَّ لَكُمْ الشَّامُ وَالرُّومُ وَفَارِسُ أَوْ الرُّومُ وَفَارِسُ حَتَّى يَكُونَ لِأَحَدِكُمْ مِنْ الْإِبِلِ كَذَا وَكَذَا وَمِنْ الْبَقَرِ كَذَا وَكَذَا وَمِنْ الْغَنَمِ حَتَّى يُعْطَى أَحَدُهُمْ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَسْخَطَهَا ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي أَوْ هَامَتِي فَقَالَ : " يَا ابْنَ حَوَالَةَ إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ فَقَدْ دَنَتْ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَايَا وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ إِلَى النَّاسِ مِنْ يَدَيَّ هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ " .
والله نسأل التوفيق ، والتمكين لعبادة الله في الأرض وخاصة في الأرض المقدسة ، كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ، وأن يخلص المسجد الأقصى المبارك من نير الاحتلال اليهودي المقيت .
والله نسأل أن يحرر فلسطين من ربقة الاحتلال اليهودي الصهيوني العبري البغيض وأن ينصر المستضعفين الفلسطينيين في الأرض ، أرض آبائهم وأجدادهم ، وأن يخرج الطارئين الظالمين الطغاة البغاة من ارض فلسطين وأن يجعلها خالصة للعرب والمسلمين وأصحابها الحقيقيين الأصليين ليتمكنوا من مواصلة الرباط والمرابطة على ثغور الإسلام العظيم ، في أرض الخلافة الإسلامية الراشدة الثانية ، المقبلة إن شاء الله العزيز الحكيم العلي العظيم ، في هذه الحياة الدنيا الفانية للانتقال للحياة الأخرى الباقية ، إنه على كل شيء قدير وإذا أردا شيئا أن يقول له كن فيكون .
وتعالوا بنا ندعو الله القريب مجيب الدعاء كما دعا إبراهيم الخليل عليه السلام :{ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) }( القرآن المجيد - إبراهيم ) .
وفي هذا الصدد ، لا بد من الإكثار من ترديد دعاء نبي الله نوح عليه السلام : { وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28) } ( القرآن المجيد - نوح ) .
وندعو ونقول كما جاء بكتاب الله العزيز : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)}( القرآن المجيد – البقرة ) .
كما ندعو ونقول والله المستعان ، كما قال نبي الله شعيب عليه السلام ، كما نطقت الآيات القرآنية الكريمة : { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)}( القرآن المجيد – هود ) .

نترككم في أمان الله ورعايته ، والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الصخرة المشرفة
مخطط هيكلي للمسجد الأقصى المبارك