الخميس، 10 يوليو 2008

نابلس عاصمة فلسطين الاقتصادية وبيت النار الصهيوني

نابلس عاصمة فلسطين الاقتصادية
وبيت النار الصهيوني

الاحتلال اليهودي : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة

بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)}( القرآن الحكيم ، آل عمران ) . وجاء في صحيح مسلم - (ج 13 / ص 212) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا ، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ . وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ . وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ . وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ) .
أسس مدينة نابلس الكنعانيون العرب حوالي 4 آلاف سنة قبل الميلاد ، وأطلقوا علها اسم ( شكيم ) وتعني المكان المرتفع أو النجد ، وتعتبر نابلس ثاني أقدم مدينة تاريخية في العالم بعد أريحا . وفي عام 72 م أسس الرومان ( فلافيا نيابوليس ) أي نابلس الجديدة في عهد الإمبراطور تيتوس . وفي عهد الخلافة الإسلامية الراشدة وفتح فلسطين ، عام 636 م أطلق على المدينة اسم نابلس الذي احتفظت به حتى الآن . ثم أطلق عليها في عهد الغزوة الصليبية ما بين الأعوام 1099 – 1187 م اسم ( بوليس ) وفي عام 1202 م أعيد بناء المدينة مرة أخرى وأخذت الاسم العربي ( نابلس ) . وأطلق أحيانا على نابلس ( الشام الصغرى أو دمشق الصغرى ) لتشابه العادات والتقاليد فيهما وقربهما الجغرافي من بعضهما إلى حد ما . وفي نابلس نحو 3 آلاف معلم تاريخي وسياحي تعبر عن عبور فيها وتكريس التاريخ البشري .
وتقع محافظة نابلس في الوسط الشرقي من فلسطين الكبرى ، فما يعرف بالضفة الغربية لنهر الأردن . وهي إحدى المحافظات الفلسطينية الست عشرة في الضفة الغربية وقطاع غزة . تبلغ مساحة محافظة نابلس 605 كم2 ، تشكل مساحة المدينة منها 5 ر28 كم2 . وتبلغ مساحة محافظة نابلس من إجمالي مساحة الضفة الغربية ما نسبته 10 % ، وبنسبة أصغر من مساحة فلسطين الكبرى البالغة 27 ألف كم2 . وترتفع مدينة نابلس التي تقع بين صدفي جبلي جرزيم وعيبال عن سطح البحر بنحو 500 م . ويبلغ عدد سكان محافظة نابلس ، نحو 322 ألف نسمة ، منهم نحو 170 ألف نسمة يقطنون المدينة حسب إحصاءات الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء عام 2008 . والسواد الأعظم من المواطنين الأصليين مسلمين ، وبعضهم من أهل الذمة ، أقل من ألف نسمة من النصارى يعيشون في منطقة رفيديا ، ونحو 330 سامري يهودي ، يعيشون في حي السامريين قرب جبل جرزيم الغربي بالقرب من حرم جامعة النجاح الوطنية بنابلس . وللسامريين إمتياز خاص حيث يحملون بطاقتي هوية شخصية : الأولى فلسطينية ولونها أخضر ، والثانية : إسرائيلية ولونها أزرق تمكنهم من الذهاب أينما يريدون وعبور الحواجز الصهيونية بسلام آمنين . وبعض النصارى والسامريين التحق بحركة فتح واعتقل كغيره من أبناء محافظة نابلس المسلمين . ومن العدد السكاني الإجمالي لمحافظة نابلس ما نسبته 5 ر 52 % يقطنون في مدينة نابلس ومخيماتها الأربع : مخيم بلاطة ، مخيم عسكر القديم ومخيم عسكر الجديد ، ومخيم عين بيت الماء ، ( مخيم رقم 1 ) وهو أول مخيم فلسطين للمهجرين عام 1948 ، من ديارهم بفعل إرهاب المنظمات العسكرية الصهيونية ، أقيم في السفح الغربي لجبل عيبال . والباقي السكاني هي النسبة الباقية 5 ر 47 % تقطن في الريف . ويحيط بالمدينة مجموعة من القرى الصغيرة والمتوسطة التي يبلغ عددها 56 قرية وبلدة ، يأتي مواطنوها يوميا لقضاء حوائجهم والتسوق من أسواقها القديمة والجديدة ويعودون أدراجهم إلى أماكن إقامتهم . وهناك خليط اجتماعي متآلف بين الأنصار والمهاجرين في فلسطين ، وبين مثلث التشكيل الجغرافي الاجتماعي المدينة والريف والمخيمات عموما .
وتعتبر نابلس بحق عاصمة فلسطين الإقتصادية كما يطلق عليها رسميا وشعبيا ، فهي مركز المراكز الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ، وتربط مدن شمال الضفة الغربية بجنوبها وبالتالي فهي الشريان الاقتصادي لجميع المدن الفلسطينية . ويرابط أهل نابلس شامخين بإباء وعزة وكرامة إسلامية كشموخ الجبلين جغرافيا : جرزيم جنوبا وعيبال شمالا ، في القلب النابض بفلسطين الطبيعية الكبرى .
وقد تعرض أهل نابلس لشتى صنوف العذاب الصهيوني ، من بينها الإرهاب الجسدي والمعنوي والنفسي ، عبر القتل والأسر والجرح ، ووصل الأمر بإجبار عشرات الشباب الذكور فرادى على خلع ملابسهم كليا أو جزئيا وتركهم في نوبات البرد الشتوية القارصة ، ومصادرة ملابسهم ، على فترات متباعدة إضافة إلى العذاب الاقتصادي والاجتماعي والصحي والتعليمي .
وتنتشر آلاف المحال التجارية ، في الأسواق النابلسية الفلسطينية ، في الأحياء القديمة والجديدة على السواء ، إلا أن هناك بعض المصانع الكبيرة المشهورة في نابلس من أهمها : مصنع الزيوت النباتية ، ومصنع الأحذية ومصانع الصابون النابلسي الشهير المصنوع من زيت الزيتون الفلسطيني ، الذي تشتهر به قرى المحافظة ، ومعاصر الزيتون ، ومصانع الطحينة والحبة السوداء ( حبة البركة ) التي تراجعت كثيرا بفعل عوامل داخلية وخارجية . وتشتهر نابلس بالحلويات خاصة الكنافة النابلسية اللذيذة التي تنتجها عشرات معامل الحلويات . وهناك مصانع البلاط والطوب الضروري للأبنية ، والمحاجر الفلسطينية وهو ما يعرف بالذهب الفلسطيني الأبيض ، تنتشر بكثرة في منطقة محافظة نابلس الجنوبية ، وخاصة محاجر بلدة جماعين جنوبا . وتنتشر كذلك مصانع النسيج ودباغة الجلود والمحادد والمناجر وصناعة الأثاث وغيرها . ويتواجد في نابلس السوق المالي الفلسطيني ( البورصة ) الذي يتم التداول به من مختلف أرجاء فلسطين وخارجها . وتتخذ الإدارة العليا لشركة الاتصالات الفلسطينية ( الخطوط الثابتة ) من مدينة نابلس مقرا لها في منطقة رفيديا .


ويدير شؤون مدينة نابلس المحلية بلدية حيث تشرف على تقديم كافة الخدمات المحلية فيها من الماء والكهرباء والبناء وترخيص المهن والحرف وتنظيم وشق الشوارع والطرقات ، والدفاع المدني وحالات الطوارئ ، والإشراف على الحالة الصحية والمسالخ والإشراف على سوق بيع وشراء الحيوانات ( سوق الحلال ) وشبكات الصرف الصحي ، ونقل الفضلات والقمامة لأماكن خارج المدينة وحرقها وإتلافها وغيرها من الخدمات .
وتضم نابلس مئات الجمعيات الخيرية والمؤسسات الخدمية العامة حيث يتمركز بها اتحاد الجمعيات الخيرية الذي يحتضن عشرات الجمعيات الخيرية . ولا ننسى جامعة النجاح الوطنية بأبنيتها القديمة بالقرب من سفح جبل جرزيم الجنوبي ، وأبنيتها الجديدة بين جبلي جرزيم وعيبال في منطقة الجنيد ، التي تعتبر مركز إشعاع حضاري كالطود الشامخ بينهما ، فهذه الجامعة الفلسطينية هي كبرى الجامعات الفلسطينية في ارض الوطن الفلسطيني تحتضن في أحشائها العلمية والإنسانية أكثر من 18 ألف طالب وطالبة لدرجتي البكالوريوس والماجستير من مختلف المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية . وكذلك تضم مدينة نابلس عشرات المساجد التي يؤمها المصلون في أوقات الصلاة المكتوبة الخمسة ، وكانت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية خصصت أجنحة نسائية في بعض المساجد لتمكين المرأة المسلمة الفلسطينية من تأدية الصلوات المكتوبة وخاصة صلاتي الظهر والعصر وربما المغرب فيها ، والالتحاق بدروس تعليم وتجويد القرآن المجيد .
وأهل محافظة نابلس ، بمدينتها وقراها ومخيماتها ، يرفضون الذل والإهانة والهوان والظلم والظلام من قوات الاحتلال اليهودي – الصهيوني ، فتسابقوا للانخراط إما في حركة التحرير الوطني الفلسطيني ( فتح ) أو في حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) أو في حركة الجهاد الإسلامي أو غيرها من الحركات والفصائل الفلسطينية الأخرى . وفي كل ثورة أو انتفاضة لها باع طويل في المقاومة والدفاع الشرعي عن النفس ، فقدمت على مذبح الحرية مئات الشهداء ومئات الجرحى وآلاف الأسرى ، ففي انتفاضة الأقصى المجيدة التي امتدت بين الأعوام 2000 – 2006 ، قدمت محافظة نابلس نحو 600 شهيد فلسطيني . وفي كل مرة تندفع فيها قوات الاحتلال اليهودي لارتكاب جرائمها ومجازرها القذرة المقيتة المتواصلة التي تؤدي إلى استشهاد الشهداء بالمفرق أو بالجملة كانت خلايا فلسطينية مسلحة من مختلف الحركات والفصائل الوطنية والإسلامية في فلسطين تتولى الرد الفلسطيني المدافع عن الحق في الحياة الطبيعية والحرية والاستقلال يكون موجعا بصورة كبيرة للاحتلال الصهيوني في أرض فلسطين الكبرى فيذهب في تلك العمليات التفجيرية والاستشهادية عشرات القتلى والجرحى اليهود في مختلف المستعمرات والمستوطنات اليهودية المقامة في مختلف بقاع فلسطين المحتلة عام 1948 أو بقاع فلسطين المحتلة عام 1967 ، الأمر الذي استدعى من الاحتلال اليهودي الصهيوني تسمية محافظة نابلس بأنها عاصمة الانتفاضة والثورة الفلسطينية ( عاصمة الإرهاب الفلسطيني ) ، ولهذا تختلق قوات الاحتلال الأكاذيب والافتراءات لإبقائها تحت بيت النار الصهيوني المشتعل مخلفا وراءه الرماد البني ، وجعلها تحترق كليا أو جزئيا اقتصاديا أو اجتماعيا أو ثقافيا أو حضاريا بصورة أشمل وأعم ، فرغم انتهاء انتفاضة الأقصى الفلسطينية وحالات التهدئة التي تنفذ بين الحين والآخر بين أهل فلسطين الأصليين والجاليات اليهودية الطارئة في فلسطين في شتى أماكن تواجدهم إلا أن الحواجز العسكرية الصهيونية لا زالت تفصل مدينة نابلس عن قراها ومخيماتها أولا وعن بقية المحافظات الفلسطينية ثانيا ، ويعاني أهلها من الإغلاق والحصار المشدد حيث تحيط الحواجز العسكرية اليهودية بمدينة نابلس من الجهات الأربع ، وهي حواجز ثابتة مثل حاجز بيت ايبا غربا وحاجز حوارة جنوبا وحاجز بيت فوريك شرقا ، وحاجز الباذان في الشمال الشرقي ، وحاجز عصيرة الشمالية أيضا . وبهذا يمكننا القول ، إن مدينة نابلس ، محاصرة من الجهات الأربع ، والمراقبة اليومية والليلية متواصلة برا وجوا على السواء ، فكثيرا ما يرى أهل نابلس الطائرة الصهيونية ( الزنانة – وهي طائرة بلا طيار ) التي تحلق في سماء نابلس لتقوم بالتجسس على المواطنين ومراقبة من تريد مراقبته وأحيانا تلقي بحممها القاتلة على أهدافها البشرية من بعض الناشطين الفلسطينيين فيسقطون شهداء ويلتحقون بالرفيق الأعلى .
وتحتضن نابلس العديد من محطات التلفزة والإذاعات المحلية من أبرزها تلفزيون نابلس وآفاق ، وتلفزيون جاما ، والسنابل ، وآسيا وغيرها ، وإذاعة القرآن الكريم التي يصل بثها لمناطق فلسطينية واسعة ، وتبث على الانتر نت . وإذاعة صوت جامعة النجاح الوطنية ، وإذاعة طريق المحبة ، وإذاعة نابلس ويهتم الإعلام الفلسطيني والعربي والغربي بمحافظة نابلس ، كمثل اهتمام قوات الاحتلال الصهيوني الساعية إلى تخريبها وتدميرها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا . وقد اخترقت تقنية قوات الاحتلال موجات كل المحطات الإذاعية والتلفزيونية في نابلس عدة مرات لتبث دعاية وإعلانات وبيانات عسكرية لجيش الاحتلال لتبرير الهيمنة على المدينة ومحاصرتها داخليا بحجة البحث والتفتيش عن مطلوبين فلسطينيين يشكلون خطرا على الأمن الداخلي لليهود . وبهذا المناسبة فإنني احيي الكرامة والشهامة فيمن يقف صفا واحدا مدافعا عن فلسطين عامة وعن محافظة نابلس خاصة فليتولى الاهتمام بفلسطين وأهلها وشعبها ، كل في مجاله . تحية وألف تحية لكل واحد من الإعلاميين والناشطين في حقوق الإنسان للدفاع عن جبال النار عاصمة فلسطين الاقتصادية ، وعاصمة الثورة والتغيير والتجديد لنصنع فلسطين الجديدة العربية المسلمة بأشجار الزيتون الباسقة المعمرة كأهل البلاد الأصليين ، للصمود والمرابطة والمجابهة ضد الغرباء الطارئين على أرضنا المباركة ، ونقول إن البكاء الفلسطيني على الإطلال ممتاز للتفريغ والتنفيس عن النفس حبا لفلسطين وموالاة لها ، ولكنه لن يغير من سياسة الهجمة الصهيونية المتلاحقة والعقاب الجماعي عنها وصبرا صبرا صبرا فإن التكوين الفلسطيني قادم لا محالة بإذن الله العزيز الحكيم ، في شتى المجالات والميادين .
ولا بد من القول ، إن من يزور نابلس ، هذه الأيام يلمس الحصار والإغلاق والملاحقة من الاحتلال البغيض ، ويرى بأم عينيه صور حزينة ولكنها تبشر بفجر عربي إسلامي لا ريب فيه ، والصورة الإعلامية التي يضعها بعض الصحفيين عن الركود التجاري والاقتصادي وخروج الرساميل ومقار الصناعات والاستثمارات من الإعلاميين المخلصين لفلسطين وأهلها هي صور حية ومعبرة عن مدى المعاناة الأليمة للأسواق التجارية مثل سوق خان التجار في البلدة القديمة بنابلس الذي غادرته مجموعات المسلحين الفلسطينيين بعدما كان الملاذ شبه الآمن لهم وذلك بعد اتفاقيات التهدئة الجزئية المبتورة بين السلطة الوطنية الفلسطينية وقوات الاحتلال الصهيوني . وعندما أشاهد وأدقق النظر في بعض الصور الإعلامية المنشورة على وسائل الاتصال المتعددة من المطبوعات والانترنت والتلفزيونات الفلسطينية والعربية والعالمية وكيف جرت عملية اختيارها بعناية في هذه الظروف التي تعاني منها نابلس من ركود اقتصادي خانق ومؤلم كثيرا حيث تكون الأسواق مزدحمة في الأعياد والمناسبات الإسلامية مثل تزاحم المواطنين من الباعة والمشترين في سوق الخان الشعبي ، في البلدة القديمة أو السوق الشرقي أو السوق الغربي حيث تتزاحم الأقدام وتعج الحياة الطبيعية بتلك الأمكنة ، ولكن سرعان ما يتبدد هذا الإزدحام في حالة استشهاد مواطن فلسطيني أو إلقاء صاروخ صهيوني باتجاه هدف مدني فلسطيني للتخريب وتعكير الجو السياسي والاقتصادي والاجتماعي النابلسي .
إخواني وأخواتي الكرام الطيبين ، في خارج نابلس الأبية العصية على الاحتلال الصهيوني ، في جميع المجالات والميادين ، محافظة نابلس بمدينتها ومخيماتها وقراها الآن محاصرة بحاجزين ثابتين مركزيين عند الغرب في منطقة بيت ايبا والغرب عند منطقة حوارة وعند الشرق عند بلدة بيت فوريك ، وأحيانا كثيرة عند الشمال ( الباذان ) وبلدة عصيرة الشمالية . وهذه الحواجز العسكرية من حواجز الاحتلال الصهيوني ترهق المواطنين وتحد من حريتهم وتنقلهم وعملهم ، مما يشكل اعتداء على الحرية الشخصية والجماعية في الحركة والتنقل فترى طوابير الشباب والمواطنين ذكورا وإناثا يجبرون على الاصطفاف للمرور عبر البوابات الالكترونية مثل المواسير الالكترونية ( معاطات الدجاج ) التي تمعط ملابس المواطنين الفلسطينيين معطا معطا كما هو حال الحاجزين العسكريين اليهوديين عند بيت ايبا وحوارة ، فيطلب من كل شاب أو فتاة وضع المفاتيح أو فئات العملة المعدنية أو الجوالات وحتى كل ما هو معدني على ملابس المواطنين أو أحذيتهم لتفتيشهم الكترونيا وخاصة عند حالات الخروج من عرين نابلس الحبيب ، هذا عدا عن مؤازرة الكلاب البوليسية اليهودية التي تشم الأمتعة جيئة وذهابا للكثير من المواطنين ، وتلقي فيها بلعاب ولهاث نجاسة الكلاب الحيوانية القذرة بتصميم يهودي لئيم ، وتبدو هذه الحواجز اليهودية وكأنها عندما تطلب التدقيق في بطاقات الهوية الفلسطينية حدود سياسية وإدارية بين دولتين مع فارق بسيط وهي عدم ختم الجواز أو الهوية والاحتلال الصهيوني هو المسيطر في كلا الجانبين للحاجز .
قبل أيام اقترب مني كلب بوليسي تجره برصن في عنقه فتاة يهودية حمقاء فنهرت الكلب بصوت عالي خوفا من نجاسته ونجاسة من تقوده فتضايقت وهرب الكلب الذي وضع على فمه غطاء خيشي .. يا لها من مهازل على الحواجز وإذلال وإهانة وكم سلكنا المسالك والطرق الوعرة تجنبا لهؤلاء الأوغاد الجالسين مثل قطاع الطرق من بنات وشباب اليهود المحتلين ببزات عسكرية صهيونية ملوثة بصورة رسمية لتحاشي التفتيش أو شم الزهرة اليهودية النتنة ذات الرائحة القذرة المنبعثة من ملابسهم وشعرهم وبنادقهم التي يشتم منها رائحة الموت .. فالموت أحلى وأفضل من هذه الحياة المرة الكئيبة الظالمة في ظل تخلي الجميع عن شعب فلسطين ومبادرة بعض الدول العربية والإسلامية للتطبيع مع الأعداء .
وتحياتي للإخوة والأخوات النبلاء الذين يسعون لخدمة فلسطين ، ولكنني أقول لهم إن مركز نابلس السياحي باتجاه الباذان قد تضرر كثيرا هو الآخر جراء الحواجز العسكرية الصهيونية اللئيمة خاصة حاجز الباذان الذي يفصل نابلس عن محافظة طوباس والقرى القريبة منها ، ويا إخوتي وأخواتي وجميع القراء الكرام ، لم يعد الباذان السياحي كما عهدناه فهو اليوم يئن تحت وطأة السلخ والحصار اليهودي فترى طوابير المركبات بانتظار الدور لتعبر جنوبا باتجاه عاصمة جبل النار وعاصمة فلسطين الاقتصادية الجريحة أو الخروج منها على استحياء في ساعات الصباح والظهيرة والمساء فقد كانت ترابط بين الباذان ونابلس دبابة صهيونية بطاقمها الكبير العدد والعتاد من آخر طراز . ورغم قرب قريتي عزموط على بعد 5 كم شمال شرق نابلس من منتجع الباذان السياحي الشعبي إلا أننا لا نتمكن من زيارته إلا في أوقات قليلة فلم يعد كما هو في السابق عندما كنا نصطحب الأهل والأبناء لنقضي فيه ساعات قليلة من يوم تحت ظلال حفيف أشجاره الوارفة وخرير الماء الدافئ من ينبوع الحياة الفلسطيني المتدفق ودا ومحبة ودفئا ولطفا وصفاء ، في متنزهات الباذان ، نتمنى أن ترجع الأيام الحلوة بعيدا عن الغرباء الطارئين ، وتعود فلسطين العربية المسلمة لأهلها الأصليين الصامدين المرابطين رغم الجراح فاختلطت الدماء بالدموع بحبات العرق الندي لتصنع من فلسطين ملحمة كبرى في مواجهة الأعداء .
وعود على بدء ، تواصل قوات الاحتلال اليهودي اقتحام أحياء وشوارع وأزقة وأسواق مدينة نابلس ، الشعبية والأهلية والعامة ، بدعاوى المطاردات الساخنة للمسلحين والنشطاء الفلسطينيين ، الذين يتصدون للآلات العسكرية التابعة للاحتلال الصهيوني البغيض ، ليلا ونهارا ، فنرى مدينة نابلس أو أجزاء منها في أحايين كثيرة وكأنها ثكنة عسكرية صهيونية ، عشرات الجيبات وجنود الاحتلال المدججين بالسلاح وطائرة تصول وتجول جوا في سماء نابلس المرابطة وعلى موعد مع النصر القريب مع أخواتها المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية الصابرة .
وفي صيف هذا العام ، 2008 ، وتحديدا منذ مطالع شهر تموز اللهاب اللهيب مناخيا ، بعد الاتفاق على التهدئة بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني في قطاع غزة المحاصر من كل حدب وصوب ، كثفت قوات الاحتلال اليهودي من اقتحاماتها ، لمدينة نابلس ، وتركزت هذه المرة على دخول مقرات الجمعيات الخيرية والمشافي والمدارس الخيرية ذات الطابع الإسلامي بحجة أنها تابعة لحركة حماس ، علما بأن هذه الجمعيات كانت قائمة قبل إنشاء حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) بسنوات وسنوات . فقد اقتحمت قوات الاحتلال وأغلقت مؤخرا 37 جمعية خيرية فلسطينية في محافظات نابلس والخليل ورام الله وقلقيلية وغيرها من المدن الفلسطينية ، وكان لمحافظة نابلس نصيب كبير من هذه الاقتحامات والإغلاقات العدوانية ، فقد أغلقت مقار جمعية التضامن الخيرية ، والمشفى التابع لها ، وسوق نابلس ( المول ) التجاري ، بالقرب من الملعب البلدي في المدينة ، واعتبرتها ( منظمات محظورة ) وأصدرت الأوامر العسكرية بإغلاقها لمدة ثلاث سنوات ، دون مسوغ قانوني وهي جمعيات خيرية قائمة منذ عشرات السنين فمثلا جمعية التضامن الخيرية أنشأت عام 1977 ، قبل إنشاء حركة حماس بعشر سنوات أي منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن ، علما بأن حركة حماس أنشأت في 14 كانون الأول عام 1987 م . وكذلك جرت ملاحقة المدرسة الإسلامية الثانوية وصادرت بعض الباصات لهذه المؤسسات الاجتماعية الخيرية ، وحظرت نشاط مخيطة ملابس نابلسية فهل يعقل أن تكون هذه مؤسسات إرهابية كما يدعي الاحتلال الصهيوني ؟؟ إنها دعاوى فارغة وباطلة وغير قانونية بل تصب في مصب الاعتداء والعدوان المتواصل على أبناء شعبنا في فلسطين عامة وفي محافظة نابلس خصوصا . وكلمة لا بد منها ، وهي لجوء الاحتلال الصهيوني لحظر نشاط ( إئتلاف الخير ) والذي يطلقون عليه ( اتحاد الصالحين ) بدعوى أنه منظمة إرهابية تساعد الشعب الفلسطيني ، علما بأن هذه المؤسسات والجمعيات الخيرية هي جمعيات إنسانية تقدم خدمات ومساعدات عينية ومالية بسيطة للمتضررين من الأيتام والأرامل والمرضى والفقراء والمحتاجين المغلوبين على أمرهم ، وتهتم كذلك بعائلات الأسرى والشهداء الذين قضوا نحبهم من فوضى الاحتلال وعقاباته الجماعية القاتلة ، كنوع من الرعاية الاجتماعية ، النفسية والمعنوية والمادية ، فهل هؤلاء إرهابيين يا ترى ؟؟؟ وهل يعقل ويقتنع العقل والضمير أن هذه مؤسسات ( تخريبية ضد يهود الجاليات اليهودية بفلسطين ) من البنية التحتية لحركة حماس أو غيرها من الحركات المجاهدة في فلسطين ؟؟ فهي عبارة عن مؤسسات خدمية إنسانية خيرية لا أكثر ولا اقل ، مثلها مثل الجمعيات الخيرية في العالم التي تحاول إنقاذ المقهورين والمظلومين من براثن الفقر والعوز لتمكينهم من الحفاظ على استمرارية حياتهم الطبيعية حتى يأتيهم اليقين ، وينتقلون من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة بعدما ينتهي أجلهم الذي حدده الله لهم ولجميع الكائنات الحية في هذا العالم الدنيوي .
وبلدية نابلس هي الأخرى من المحليات الفلسطينية ، لم تسلم من التخريب والمصادرة الصهيونية لبعض ممتلكاتها وخاصة أقسام الحاسوب والمالية والحرف والمهن خدمات الماء والكهرباء وخلافها . وبناء عليه ، نقول ، إن الإدعاءات الصهيونية بملاحقة جمعيات واتحادات ومنظمات إرهابية هي لذر الرماد في العيون ، فكل هذه المؤسسات والجمعيات هي مؤسسات مدنية لا علاقة لها بالمقاومة المسلحة ضد الاحتلال ، ولكن الاحتلال يبقى سادر في غيه ، لخرق حالة التهدئة الجزئية التي شملت قطاع غزة هاشم فقط وطبقت مؤخرا . وتستعد قوات وأجهزة الاحتلال الصهيوني لتقديم القائمين على المؤسسات الاجتماعية الخيرية والبلدية والتعليمية والصحية للمحاكمة أمام محاكم عسكرية صورية وإصدار الأحكام الخيالية ضدهم دون وجه حق ، أو اعتقالهم إداريا كما تعتقل قوات الاحتلال رئيس بلدية نابلس الحاج عدلي يعيش اعتقالا إداريا منذ أكثر من عام تقريبا وغيره من أعضاء المجلس البلدي المنتخب في كانون الأول عام 2005 ، بحجة أن أعضائه من حركة حماس ، والمعروف أن خدمات البلدية هي خدمات مدنية لا عسكرية أصلا في جميع بقاع العالم .
وهناك أمر آخر يقض مضاجع أهل نابلس فيما يعرف بقبر النبي يوسف الصديق غير الحقيقي في شارع عمان في الجهة الشرقية من نابلس ، بالقرب من مدرستي الحاج معزوز المصري وقدري طوقان الثانويتين ، التي فصلتها قوات الاحتلال إبان انتفاضة الأقصى الباسلة لجناحين هما : نابلس الشرقية ونابلس الغربية لتسهيل السيطرة العسكرية الصهيونية عليها وفرض عقاب جماعي مشدد على أهل نابلس جبال النار وجبال الدينار الاقتصادي الفعال ، كعاصمة ثورية واقتصادية لفلسطين الأبية في الآن ذاته . ويتمثل هذا الأمر المفزع لأهل نابلس وهو السيطرة على مبنى صغير قديم لا تتعدى مساحته 100 م 2 بدعوى أنه مقام النبي يوسف عليه السلام ، فيوسف عليه السلام مات ودفن في مصر ، والافتراءات الصهيونية هي في الحقيقة مغايرة ومناقضة للتاريخ ، فذلك المبنى هو مقام الشيخ يوسف دويكات من قرية عسكر البلد وبلاطة البلد وهي المنطقة الموجود بها المبنى ، الذي ترتاده مجموعات المستوطنين اليهود المتزمتين ، بين الحين والآخر ، وجعلوه كنيسا ومعبدا دينيا لهم ومدرسة يهودية ، كمسمار جحا في قلب نابلس الشرقي بالقرب من المنطقة الصناعية النابلسية والمدارس الأساسية والثانوية الفلسطينية .
هذا بالإضافة إلى العقاب الجماعي بخصوص الأبنية السكنية المدمرة ، حيث دمرت قوات الاحتلال الصهيوني بشكل كلي أو جزئي نحو 10 آلاف منزل لأبناء نابلس أثناء الاجتياحات العسكرية وما يسمى بعملية السور الواقي في نهاية آذار ومطلع نيسان 2002 ، منها عشرات البيوت لعائلات الاستشهاديين الذين فجروا أنفسهم في المستعمرات الصهيونية في فلسطين أو قاوموا قوات الاحتلال التي تقتحم أحياء وأزقة وشوارع ومؤسسات مدينة نابلس . هذا ناهيك عن تدمير المبنى الرئيسي للسلطة الوطنية الفلسطينية بواقع أربعة طوابق بمساحة دونمين لكل طابق بحده الأدنى ، وهو مبنى مركز المحافظة ومقر محافظ محافظة نابلس والأجهزة الأمنية ، وجعلته ركاما فوق ركام ، ولم تبق له من باقية باستخدام صواريخ جو - أرض انبعثت من طائرة إف 15 العسكرية الصهيونية . وكذلك تدمير جزءا من المدارس الفلسطينية وسحق نحو 2000 سيارة مدنية لأهل المدينة أثناء العبور العسكري بالدبابات الكبيرة بعد ربيع 2002 حتى الآن حيث كانت تلك السيارات متوقفة على جوانب الشوارع والأرصفة والكراجات المخصصة لها . وفي المجال التعليمي ، تلجأ قوات الاحتلال الصهيوني لمنع طلبة جامعة النجاح الوطنية من المدن الأخرى والقرى القريبة من المدينة من دخول المدينة للالتحاق بمسيرة التعليم العالي ، وخاصة أوقات الامتحانات النهائية ، والمناسبات القومية اليهودية المتعددة ، وتمنع كذلك طلبة منطقة نابلس التعليمية في جامعة القدس المفتوحة من الدخول لتأدية الامتحانات الفصلية والنهائية في كثير من الأحيان . هذا عدا عن افتعال الاقتحامات والاستفزازات لطلبة المدارس ومحاصرة مدارس معينة في أوقات الامتحانات الفصلية والنهائية ومنع دخول وخروج المعلمين للالتحاق بمدارسهم داخل وخارج المدينة بالاتجاهين .
وكذلك منع المرضى من ذوي الأمراض المزمنة كالسكري والسرطان وغسيل الكلى وغيرها ومنع الحوامل من دخول مشافي المدينة وصلبهم لساعات طويلة خلف الحواجز العسكرية الصهيونية الثابتة والمتنقلة مما أدى إلى استشهاد العشرات منهم وهم بانتظار الدخول والخروج من وإلى المدينة ، فلم يسمح لهم بذلك .
ويمكننا القول ، إن هذه الحرب الصهيونية المتواصلة ضد شعب فلسطين ، والتصعيد المتصاعد نوعيا وكميا ، بتدنيس وانتهاك حرمة بيوت الله في فلسطين ، وانتهاك حرمة مؤسسات المجتمع المدني ، هي حرب سادية ظالمة شعواء ، غير مبررة ، لتجويع وتركيع المظلومين من فئات شعب فلسطين المرابط في أرض الآباء والأجداد ، والهدف العلني والخفي من العقاب الجماعي هو بث حالة اليأس والقنوط بين المواطنين ، وتهجير أكبر عدد ممكن منهم لخارج البلاد ، ونزع هيبة السلطة الوطنية الفلسطينية من نفوس أبناء الشعب الفلسطيني ، حيث تقف السلطة مكتوفة الأيدي أمام هذه الإجراءات الاحتلالية الظالمة ، لا حول لها ولا قوة ، وكذلك تهدف الإجراءات الاحتلالية من الملاحقة والإغلاقات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية للأفراد والشخصيات والجمعيات والهيئات والنوادي الاجتماعية والخيرية إلى تقليل شعبية الحركات الإسلامية والوطنية المجاهدة في فلسطين ضد المحتلين . وفي ظل الضغط والضرب الاقتصادي والعسكري والاجتماعي والثقافي المتلاحق ، بالفعل تم إخراج عشرات المنشآت والمصانع الفلسطينية من محافظة نابلس فضرب الاقتصاد الوطني الفلسطيني في هذه المحافظة ، في مقتله ، وذلك إرضاء للعنجهية والوحشية والسادية الصهيونية والتلذذ في عذاب الفلسطينيين ، فهم الشعب المعذب في الأرض أصلا ، ولكن هذه الإجراءات من الحصار الشامل الاقتصادي والاجتماعي والعسكري جاءت لزيادة العذابات والآهات وفتح جروح جديدة في الجسد الفلسطيني رغم كثرة جروحه غير المندملة أو الشافية أصلا من الملاحقات الاحتلالية السابقة .
في السياق ذاته ، وكذلك الحال ، فإن المساجد في مدينة نابلس لم تسلم هي الأخرى من الأذى والعبث والنهب والسلب الصهيوني ، جهارا نهارا وليلا سباتا ، فقد اقتحمت ودنست قوات الاحتلال اليهودي عدة مساجد وصادرت بعض محتوياتها الدينية كرايات ( لا إله إلا الله – محمد رسول الله ) وغيرها ، كما فعلت بمصادرة محتويات مقار الجمعيات الخيرية من حواسيب ومواد عينية مخصصة للغايات الإنسانية النبيلة . فهل بعد اقتحام وتدنيس بيوت الله المخصصة للعبادة من ذنب ؟؟
على العموم ، مارست قوات الاحتلال الظالم إجراءات عقابية شنيعة ووحشية ضد أبناء محافظة نابلس خصوصا ومحافظات فلسطين الأخرى عموما ، ، فلم تبق على إجراء عقابي جماعي أو فردي إلا واستخدمته لإرواء ظمأها المتعطش لتعذيب ومحاولة تذويب أهل نابلس في بوتقة استسلامية ولكن أهل نابلس وقفوا بالمرصاد فلم يهنوا ولم يحزنوا فهم الأعلون لأنهم من المؤمنين والراضين بالله الحي القيوم جل جلاله ربا وبالإسلام العظيم دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا .
وكانت قوات الاحتلال الصهيوني قبل قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 تشرف على سجنين عسكريين في مدينة نابلس ، للتعذيب والتنكيل بأبناء شعب فلسطين وهما : الأول سجن نابلس المركزي ، والثاني : سجن الجنيد حيث كان أكبر سجن للأسرى الفلسطينيين في البلاد لحجز المجاهدين والتنكيل بهم . وقد سجنت انا شخصيا في هذا السجن كمعتقل إداري مدة شهرين تقريبا في نهاية آب 1985 بتهمة التحريض على الجهاد والثورة ( الإرهاب الفلسطيني ) ضد الاحتلال الصهيوني ، ثم نقلت لسجن بئر السبع بتهمة تحريض الأسرى على الإضراب المفتوح عن الطعام كاحتجاج سياسي ضد إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية لاستكمال مدة اعتقالي الإدارية لستة شهور متواصلة .
ولا بد من وضع النقاط على الحروف ، إن المستهدف هو شعب فلسطين برمته ، كائنا من كان المواطن منظما في هذه الحركة الإسلامية أو الوطنية أو تلك ، أو لا انتماء تنظيمي سياسي له ، ديني أو قومي أو وطني ، ذكرا أو أنثى ، لا فرق ، فالاحتلال لا يميز بين أعضاء ومناصري حركة فتح أو حماس أو الجهاد الإسلامي أو الجبهات الماركسية فالكل سواء بسواء تحت السكين الصهيوني المسلط فوق الرقاب للنحر والاهانة والملاحقة والعقاب الجماعي . والحرب مع الأعداء هي حرب مفتوحة ومستمرة ولن توقفها بعض اتفاقيات التهدئة في قطاع غزة هاشم المحاصر حتى الآن حتى في ظل ما يسمى بالتهدئة أو الهدنة المؤقتة ، التي أعلن عنها مؤخرا ولم تشمل محافظات الضفة الغربية في الوسط الشرقي من فلسطين الكبرى .
وتبقى الحاجة ماسة لدعم فلسطين عموما ونابلس خصوصا معنويا وسياسيا وإعلاميا وماديا خاصة للحالات المتضررة من العقاب الجماعي الصهيوني الذي يطبقه قادة الجاليات اليهودية في فلسطين الأنذال الهابطين على مشافر جهنم وبئس المهاد وسيلاقون عذابهم مثل ملكهم وقائدهم السابق أرئيل شارون الرجيم الذي لا يموت فيها ولا يحيى منذ دخوله المشفى الصهيوني منذ 4 كانون الثاني 2006 – الآن ، فلا يأكل ولا يتنفس إلا صناعيا ولا يتحرك ، ولا يتكلم ، فهو من جماعة صم بكم عمي فهم لا يرجعون ولا يفقهون ، ولا يعلمون ، ولكن قادة عصابات الصهيونية المحتلين لأرض فلسطين الكبرى لا يتعظون ولا يعتبرون ؟؟ فتعسا لهم من محتلين لأرض فلسطين المباركة التي قدسها الله سبحانه وتعالى للعالمين . وبهذا الخصوص ينطبق عليهم قول الله الحميد المجيد عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)}( القرآن المجيد ، البقرة ) . وكما وصفهم الله العزيز الحكيم ، جل جلاله ، الذي يمهل ولا يهمل : { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)}( القرآن المجيد ، البقرة ) .
وختاما ، نقول نابلس تحيي وتقدر من يقف معها رافدا ومدافعا عن الحق والحقيقية الخالدة ، ونحن كأبناء لجبال النار واقتصاد الدينار الإسلامي لسنا بحاجة لدموع وآهات الآخرين بقدر ما نحن بحاجة للاستمرار في الدفاع عن الحق الفلسطيني التائه في التائهين ، الحق القانوني والتاريخي في الحياة الكريمة دون خوف أو وجل . وتحياتي وسلامي للجميع من أرض نابلس الشامخة بأهلها كالطود العظيم بين جبلي جرزيم وعيبال الكبيرين ، فهي عاصمة فلسطين الاقتصادية والثورية الباسلة عبر التاريخ الفلسطيني القديم والمعاصر واللاحق إن شاء الله تبارك وتعالى ولن تستسلم للأعداء مهما كلف الثمن . والتاريخ النابلسي في فلسطين أكبر شاهد على ما نقول ، وإنا لصادقون .
نترككم في أمان الله ورعايته . والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الأربعاء، 9 يوليو 2008

هل ثمانية إسلامية تعادل ثمانية غربية 2008 ؟؟؟

هل ثمانية إسلامية تعادل ثمانية غربية 2008 ؟؟؟

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة


يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا ‎لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37)}( القرآن المجيد ، الحاقة ) . وجاء في مسند أحمد - (ج 47 / ص 57) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ : الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ ) .
الرقم ثمانية هو من الأرقام المحبوبة في المجالات الإيمانية القويمة ، فهو رقم يبشر بالخير وهو من الأرقام الإسلامية المشهور في القرآن العظيم ، فيحمل يوم القيامة عرش الله الرحمن الرحيم الحي القيوم ثمانية ، وعدد أبواب الجنة ثمانية . ويبدو أن لهذا الرقم مزايا لا تحصى ولا تعد في الذاكرة الجماعية للأمة الإسلامية ، وللأمم العالمية في هذا الأوان ، والأيام الخالية . في العقد الزمني الخالي ظهر وطفا على السطح السياسي للكرة الأرضية مصطلح دولي جديد ( الدول الثماني الصناعية الكبرى ) التي تضم الولايات المتحدة وكندا ، وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا واليابان وروسيا . وهذه الدول الثماني الأجنبية الغربية والشرقية تمتد جغرافيا في ثلاث قارات هي : أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا ، وتجمعها سياسة ومصالح عليا رأسمالية ربوية مشتركة ويختصم بعضا منها فيما بينها في أمور جانبية خاصة الخلاف الأمريكي – الروسي في مجالات نشر الصواريخ في أوروبا .
وقد عقدت هذه المجموعة العالمية عدة اجتماعات قمة شاملة في المجالات والميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والثقافية والبيئية كان آخرها الاجتماع الذي عقد في جزيرة هوكايدو شمالي اليابان في الفترة الواقعة بين يومي 7 - 9 تموز 2008 . لمناقشة آخر الأوضاع والمستجدات العالمية من ارتفاع أسعار الغذاء والنفط والاحتباس الحراري وتزايد نسبة الفقر في العالم وأثر الدول الصناعية الكبرى في التخفيف والتأثير على ذلك .
وفي الفترة ذاتها ، عقد اجتماع دول الثماني الإسلامية النامية ، ولو أنها نظريا تحمل صفة الإسلامية ، لأن معظمها يحارب التيار الإسلامي المتجدد في نطاق حدودها القطرية والإقليمية الضيقة ، وتضم هذه الدول الثماني كلا من : اندونيسيا ، وماليزيا ، ومصر ، وتركيا ، والباكستان وإيران وبنغلادش ونيجيريا ، وهذه الدول الثماني تمثل نحو 14 % من سكان الكرة الأرضية ، بمعنى أن الدول الإسلامية الثماني تمتد جغرافيا لتشمل قارتي : آسيا وأفريقيا ، ويجمعها شكليا ونظريا صفة الإسلامية وإن كانت غالبيتها تتبنى الأيديولوجية العلمانية وليست الإسلامية . وقد عقدت الدول الإسلامية الثماني اجتماعها في ماليزيا لمواجهة ومواكبة اجتماع الدول الثماني الصناعية الكبرى في اليابان ، وكون ماليزيا دولة صناعية ، لها باع طويل أكثر من غيرها من الدول المشاركة في المجالات الصناعية والبنائية والاستثمارية والزراعية كالأسمدة .
ومن خلال استعراض الجوانب السلبية والايجابية للمجموعتين السابقتين : الغربية الأجنبية والإسلامية نظريا ، ترى من ستتغلب قراراتها على الأخرى ؟ بيد أنه في الوقت الراهن ستتغلب قرارات الدول الثماني الصناعية الغربية على الدول الثماني الإسلامية ، لسبب واضح للعيان وهو أن بعض الدول الإسلامية الثماني المذكورة آنفا هي ذيل بطريقة أو بأخرى للتجمع الصناعي الغربي ، ودولة مثل تركيا تريد دخول الاتحاد الأوروبي ، ودولة كمصر لها ارتباطات عميقة بالولايات المتحدة كناظم سياسي حكومي رسمي وليس كإطار شعبي ؟ فأين الرقم ثمانية الغربي من الرقم ثمانية الإسلامي في الوضع الحالي ؟ لا مجال للمقارنة بينهما أصلا ، ولكننا إذا افترضنا جدلا أن هناك مجالا للمقارنة فعلينا أن ندرك أن الدول الإسلامية ستقف صفا واحدا حيال قضايا الأمة الإسلامية المنتشرة على شتى بقاع العالم .
وقد أكدت الدول الإسلامية الثماني النامية في اجتماعها بالعاصمة الماليزية كوالالمبور الذي استمر يوما واحدا هو يوم الثلاثاء 8 تموز 2008 ، على ضرورة زيادة الإنتاج الزراعي والتعاون الإسلامي المشترك في هذا الصدد ، للتغلب على إزدياد الأسعار بشكل خيالي منذ السنة الماضية ، وطالبت بضرورة الاهتمام بالنفط الإسلامي وأن يكون للدول الإسلامية كلمة واحدة تجاه القضايا العامة الإقليمية والدولية لتأخذ دورها في التجديد والإصلاح والمشاركة السياسية والاقتصادية الغذائية والتجارية والنفطية الفعلية في اتخاذ القرارات المصرية وعدم الوقوف موقف المتفرج عن بعد الذي لا يلعب دورا مهما بل يبقى يتلقى الأوامر والتعليمات والتوجيهات من الدول الغربية التي تخطط وتبرمج للعالم وتسخره لمصالحها الحيوية وتلقي جانبا بهموم ومصالح الأمة الإسلامية التي يبلغ تعدادها أكثر من 3 ر 1 مليار نسمة ، وهو يمثل أكثر من 20 % من سكان العالم حاليا . فهل يمكننا القول ، إن هذا الاجتماع الإسلامي الثماني في كوالالمبور هو خطورة في الاتجاه الصحيح ؟ وهل سيتطور هذا الاجتماع وقراراته إلى فعل حقيقي على أرض الواقع ؟ وما مدى مساهمته في التخفيف أو الحد من تصاعد أسعار المواد الغذائية ؟ ومن بين هذه الدول الإسلامية هناك دولة إسلامية واحدة هي الباكستان التي تمتلك القنبلة النووية التي هندسها العالم عبد القدير خان الملاحق داخليا من نظام حكمه وحكومته والرئاسة الباكستانية ، وتناصر حكومة الباكستان الأمريكان المستعمرين في البلاد وأفغانستان ، فهل يجري التعاون بين أبناء الأمة الإسلامية : عسكريا وسياسيا واقتصاديا مستقبلا ؟؟ كل قرارات القمة الثمانية الإسلامية تبقى حبرا على ورق ما لم تتبعها خطوات تنفيذية لاحقة ، تبشر الأمة الإسلامية بفجر جديد وشمس ذهبية مشرقة تتمتع بالحرية والاستقلال الشامل والجامع ، في جميع المجالات والميادين العامة والخاصة . ونقول يا أيتها الدول الثماني التي اجتمعت في الآونة الأخيرة إذا طبقتم الإسلام وتعاليمه ومفاهيمه فإن الرقم الإسلامي الجديد ثمانية سيساوي الرقم الغربي القديم ثمانية بكل ما في الكلمة من معنى ، بل وسينتصر عليه لاحقا ، إذا نفذتم تعاليم وتوجيهات رسالة الإسلام العظمى ، بأن المسلمون شركاء في ثلاث مواد إستراتيجية حيوية مهمة في الوقت ذاته : الماء والكلأ والنار . فالكلأ هو جميع أنواع المواد الغذائية ، للكائنات الحية وخاصة البشرية منها ، والماء هو العنصر الاستراتيجي اللازم لجميع شؤون الحياة الإنسانية في هذه الدنيا ، والنار هو الطاقة أو كما هو معروف في عالمنا المعاصر النفط والطاقة النووية إضافة للطاقة الشمسية بصورة جماعية ، إذا طبقنا هذا المبدأ الإسلامي في الشراكة والتشارك الحقيقي الفعال ، ليصبح سياسة متداولة بين أيدي جميع المسلمين عندها يكون الرقم الإسلامي رقما عظيما يعادل في وزنه وحبيباته وقدراته الرقم الأجنبي الاستعماري الذي يخطط للاستيلاء على الثروات الطبيعية والصناعية الإسلامية في جميع أنحاء العالم ، وفي حالة وجود نظام عالمي متوازن باللجوء للإسلام الحقيقي في كل الشؤون الحياتية العامة للأمة الإسلامية والشعوب المنتشرة هنا وهناك التي تتوزع توزيعا مفتتا في قارتي آسيا وأفريقيا ، وعلى شكل جماعات وجاليات في معظم دول العالم وقاراته ، فعلى الدول الإسلامية الثماني تجنيد الدول العربية والإسلامية الأخرى لتكوين حركة إسلامية إمامية وأمامية ، عالمية واحدة موحدة حقيقية بحدها الأدنى على الأقل ، قادرة على إحداث التوازن في الميزان الدولي سياسيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا واجتماعيا وحضاريا عاما .
ومن جانبهم ، أوضح بعض قادة الدول الثماني الإسلامية النامية التي تضم نحو مليار نسمة أثناء انعقاد القمة بمدينة كوالالمبور يوم الثلاثاء الفائت : إن مشكلة أمن الغذاء والوقود المزدوجة تضغط كثيرا على دولهم وبصفة خاصة على الفقراء . وفي السياق ذاته ، دعا قادة دولتي ماليزيا وإندونيسيا أكبر منتجين لزيت النخيل في العالم قمة الدول الثماني الإسلامية النامية أن تضع حدا لتحويل الأرض الزراعية لإنتاج الوقود الحيوي ، وزيت النخيل يدخل في إنتاج الوقود الحيوي ويستهلك على نطاق واسع في المنطقة كزيت طهي . وأشار الرئيس الإندونيسي سوسيلو بامبانج يودويونو على أنه : ( ينبغي أن نتحرك على الفور وبشكل منسق ، تأجيل التحرك في مواجهة هذا التحدي الكبير يعني استدعاء كارثة ) . وتطرق ورسم القادة من بينهم المضيف رئيس وزراء ماليزيا عبد الله أحمد بدوي صورة قاتمة للأزمة التي شهدت ارتفاع أسعار النفط لمستويات قياسية وصعود أسعار الغذاء أكثر من 75% منذ عام 2000 .
على أي حال ، لقد نسي أو تجاهل المؤتمرون المسلمون الثمانية في كوالالمبور الماليزية الإسلامية في صيف العام الحالي 2008 ، أن يحددوا وحدة عملة إسلامية لهم ، مثل ( الدينار الإسلامي ) أو ( الدرهم الإسلامي ) تحفظ لهم حقوقهم من أدناس وأرجاس الدولار الأمريكي الخبيث ، أو العملات الأجنبية الأخرى ، وخاصة ويلات وهموم الدولار الأمريكي العفن الذي تتلاعب به الولايات المتحدة الاستعمارية وتضرب بوساطته الإنتاج الإسلامي والاستهلاك والنفط الإسلامي والصادرات والواردات الإسلامية عموما وبالتالي أصبحت اقتصاديات الأمة المسلمة تحت رحمة العملات الغربية الاستعمارية وعلى وجه الخصوص العملة الأمريكية التي لا ترحم ، ولا تريد أن تنزل الرحمة على أبناء الأمة الإسلامية . ولو أن قرارا واحدا اتخذته القمة الإسلامية للدول الثماني النامية في ماليزيا وهو تحديد نوعية وقيمة العملة الإسلامية لكان إنجازا إسلاميا مثمرا ، يؤتي أكله في كل حين من المستقبل المنظور للمسلمين بانتظار ثمرات إسلامية جماعية أخرى لتتبوأ الأمة المسلمة مكانتها الحقيقية بين الأمم قاطبة .
وقد تزامن ذلك مع إصدار قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى في العالم بيانا حذرت فيه من ارتفاع أسعار الوقود والغذاء واتفقت على خفض انبعاثات الغازات إلى النصف بحلول 2050 . وعبر قادة الدول الثماني الصناعية الاستعمارية عن قلقهم البالغ تجاه الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء والنفط التي قالوا إنها تمثل مخاطر بالنسبة للاقتصاد العالمي الذي يواجه بالفعل ضغوطا شديدة في قطاع المال . وعلى صعيد الدول الثماني الكبرى الصناعية الأجنبية الغربية ، فقد اتفق قادتها ( بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وروسيا والولايات المتحدة ) على جمع كبار منتجي النفط ومستهلكيه في منتدى عالمي جديد لبحث الطاقة ، ومناقشة الإنتاج والأسعار . وتلقي أسعار الغذاء والنفط التي سجلت معدلا قياسيا ببلوغها 145.85 دولار للبرميل الأسبوع الماضي - بثقلها السلبي الكبير على فقراء جميع قارات العالم .
ولتقليل وتهدئة الضغوط الاقتصادية على الدول الفقيرة والنامية قال مسئولون بالدول المجتمعة في اليابان : إن مجموعة الثماني الصناعية الكبرى ستكشف عن سلسلة من الإجراءات لمساعدة إفريقيا خاصة مزارعيها ، وستؤكد التزامها بمضاعفة المساعدات إلى 50 مليار دولار بحلول عام 2010 مع تخصيص نصف المبلغ إلى أفقر قارات العالم وذلك بدلا من المعونات التي كانت مقررة سابقا في الاجتماع الأخير بألمانيا بمقدار 25 مليار دولار لم يدفع سوى ثلثها حتى الآن . وأصدرت الدول الثماني الصناعية بيانا سابقا اتفقت فيه على تقليل وخفض الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري عالميا والتي نتج عنها تغييرا ملحوظا في المناخ بواقع النصف بحلول عام 2050 . وتطرق إعلان القمة حول التغير المناخي أن مجموعة الثماني ترغب : ( في أن تقر خلال المفاوضات تحت إشراف الأمم المتحدة خفض الانبعاثات العالمية من الغازات الدفيئة بحلول العام 2050 بمعدل النصف ) ، على أن تحدد كل دولة لاحقا أهدافا على المدى المتوسط . وفي موازاة ذلك ، انتقدت جماعات بيئية هذا الاتفاق على أن خفض الانبعاثات الغازية بواقع 50 % ليست كافية ، وطالبوا بوضع أهداف طموحة للحد من تلك الغازات بحلول عام 2020 . واتهمت جماعة الصندوق العالمي لحماية الطبيعة ( دبليو . دبليو . أف ) زعماء الدول المجتمعة باليابان بالتملص من مسئولياتهم التاريخية العالمية ، وقالت : ( إن مجموعة الثماني مسئولة عن 62 % من ثاني أكسيد الكربون المتراكم في الغلاف الجوي للأرض ، وهو ما يجعلها المتهم الرئيسي في التغيرات المناخية والجزء الأكبر من المشكلة . وكانت مجموعة الثماني الصناعية قررت العام الفائت ( الدراسة بجدية ) تحديد هدف بخفض الانبعاثات إلى النصف بمنتصف القرن الحادي والعشرين الحالي . ولكن الرئيس الأمريكي جورج بوش أصر على أن واشنطن لا يمكنها الموافقة على أهداف ملزمة إلا إذا قام كبار الملوثين مثل الصين والهند بكبح إنبعاثاتهم أيضا .
وفي السياق ذاته ، وعلى هامش مؤتمر الدول الثماني الكبرى باليابان عقد قادة دول خمس نامية ، وهي : البرازيل والمكسيك والصين والهند وجنوب إفريقيا ، اجتماعا في فندق بمدينة سابورو اليابانية يوم الثلاثاء 8 تموز 2008 قبل اجتماعهم مع زعماء مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى . وبحثوا عدة مسائل عالمية هامة منها : ارتفاع أسعار الغذاء وأسعار الوقود إلى الفقر في إفريقيا وارتفاع حرارة الأرض . وأشار فيليب كالديرون رئيس المكسيك في مؤتمر صحفي إلى أن : ( قمة الشمال والجنوب والتعاون بين شعوبنا وبين الأغنياء تجعل آليات مجموعة الدول الخمس أمر مهم للغاية ، نأمل أن نصل إلى حلول لمشاكلنا بطريقة تمكنا من تقديم إصلاح دولي يحسن قدرات بلادنا لمواجهة المخاطر المتزايدة .. اتفقنا على أنه من الأهمية بمكان عدم إلقاء اللوم في هذه المشكلات على اقتصاديات الدول النامية ، انتهينا إلى أن المساهمة الكبيرة في المجتمع الدولي والمنظمات المالية الدولية القائمة سيساعدنا على التحليل وتقديم الحلول ) .
وأخيرا لا بد من القول ، إنه لا بد من تضافر جميع الجهود الدولية لتوفير الغذاء المناسب والطاقة الملائمة لجميع سكان الكرة الأرضية ، وعدم لعب الدول الكبرى الصناعية الاستعمارية بمصير الفقراء والمحتاجين والمعوزين في العالم ، وهذا لا يتأتى إلا عبر تضافر وتعاون الجهود العالمية في الدول الصناعية الكبرى وأبناء الأمة الإسلامية والأمتين الصينية والهندية وبقية أمم العالم وشعوبه ليعيش الجميع في رخاء ووئام لا خصام ، بعيدا عن الحروب والنزاعات والاستعمار المعاصر لشعوب عربية وإسلامية .
فيا قادة الدول الثماني الكبرى التي اجتمعت في اليابان ويا قادة الدول الثماني الصغرى التي اجتمعت في ماليزيا ، ويا أيتها الأمة الإسلامية ، ويا أيتها الأمة الصينية ، ويا أيتها الأمة الهندية وسواها من الأمم ، لا تنسوا تقوى الله العظيم الحليم ، ولا تنغروا بالرقم ثمانية الآن ، سواء في اليابان أو ماليزيا ، ولا تنسوا الرقم الإسلامي ثمانية يوم الدين ، يوم يحمل عرش رب العالمين ثمانية ، ويأتي يوم الحساب العظيم ، فاتقوا الله الحي القيوم ، في أنفسكم وفي شعوبكم وأممكم ، ولا تظلموا الناس ولا تعسروا عليهم حياتهم ، بل يسروا وبشروا ولا تنفروا ، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا . ويا أمم وشعوب العالم تعاونوا واتحدوا من أجل توفير الأمن والأمان والاستقرار والطمأنينة للجميع في جميع المجالات والميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، الفردية والجماعية . واهتموا واسعوا للدخول من أبواب الجنة الثمانية ، كما جاء في صحيح مسلم - (ج 1 / ص 128) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ ) . وكما جاء في مسند أحمد - (ج 47 / ص 57) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ : الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ ) . ويا أيها المسلمون في كل مكان وزمان ، تذكروا القول النبوي الخالد ، كما ورد في صحيح مسلم - (ج 10 / ص 1) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ ) . نترككم في أمان الله ورعايته . والله ولي التوفيق .
سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الثلاثاء، 8 يوليو 2008

كُونُوا رَبَّانِيِّينَ .. مؤتمر الأديان بمدريد 2008

كُونُوا رَبَّانِيِّينَ .. مؤتمر الأديان بمدريد 2008

الإسلام والنصرانية واليهودية
الهندوسية والبوذية والشنتوية والكونفوشوسية

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ

د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)}( القرآن الحكيم ، آل عمران ) . ويقول الله الخبير العليم جل شأنه : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)}( القرآن المبين ، آل عمران ) .
تنظم رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة وتحت رعاية خادم الحرمين الشريفين العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز تستضيف العاصمة الاسبانية مدريد ( المؤتمر العالمي للحوار ) في الفترة الواقعة ما بين 16 – 18 تموز 2000 . ويشارك في هذا المؤتمر الديني الثلاثي الأبعاد بين الإسلام العظيم والنصرانية ( المسيحية ) واليهودية والأديان الآسيوية في الهند والصين واليابان وجنوب شرق قارة آسيا ، عشرات الشخصيات من أتباع الديانات السماوية الثلاث وذلك بغية العمل على تقارب وجهات النظر الدينية ومناقشة الهموم والتطلعات المشتركة في العالم .
مداولات المؤتمر الديني
من المقرر أن يناقش المؤتمر العالمي لحوار الأديان أربعة محاور أساسية تتمثل في التالي :
1. الحوار وأصوله الدينية والحضارية ، ويشتمل على نقاشات مستفيضة بشأن الحوار في كل من الإسلام والنصرانية واليهودية ، وفي المذاهب والمعتقدات في جنوب شرق قارة آسيا وهي : الهندوسية والبوذية والشنتوية والكونفوشوسية .
2. الحوار وأهميته في المجتمع الإنساني : يناقش مسائل الحوار وتواصل الحضارات والثقافات ، والحوار وأثره في التعايش السلمي ، و الحوار وأثره في العلاقات الدولية ، والحوار في مواجهة دعوات الصراع ونهاية التاريخ .
3. المشترك الإنساني في مجالات الحوار ، والواقع الأخلاقي في المجتمع الإنساني المعاصر ، وأهمية الدين والقيم في مكافحة الجرائم والمخدرات والفساد ، والدين والأسرة وعلاقتهما في استقرار المجتمع ، وحماية البيئة واجب إنساني مشترك .
4. الحوار الإسلامي المسيحي واليهودي ومستقبله وآفاقه ، والحوار مع المعتقدات الشرقية ومستقبله وآفاقه ، وجهود الدول والمنظمات العالمية في تعزيز الحوار ومواجهة معوقاته ، والإعلام وأثره في إشاعة ثقافة الحوار والتعايش .
ويمثل الإسلام في هذا المؤتمر الحواري الثلاثي الأبعاد الدينية من المسلمين السنة كلا من : شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي ، والدكتور محمد سليم العوا الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، والداعية السعودي الدكتور سلمان العودة ، بالإضافة إلى الشيوخ : صالح بن عبد الرحمن الحصين الرئيس العام لشئون المسجد الحرام والمسجد النبوي ، والدكتور صالح بن عبد الله بن حميد رئيس مجلس الشورى السعودي ، والدكتور عبد الله بن عمر نصيف الأمين العام للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة ، والدكتور خالد عبد الله السليمان ، والدكتور صالح بن سليمان الوهيبي الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي . وفي الآن ذاته ، من المقرر أن يشارك من الإسلام جناح الشيعة رموز شيعية بارزة من أهمها : الشيخ محمد علي التسخيري الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في إيران ، والشيخ حسن بن موسى الصفار المرجع الشيعي السعودي المعروف ، والدكتور جواد محمد مهدي الخالصي رئيس الجامعة الخالصية بالعراق .
وعن الجانب النصراني من المتوقع أن يحضر المؤتمر ليشارك به كلا من : الكاردينال جان لويس توران رئيس المجلس البابوي لحوار الأديان والثقافات من الفاتيكان يرافقه وفد يضم ستة قساوسة ، وفرانكلين جراهام ، وهو ابن بيلي جراهام الزعيم الديني الإنجيلي المعروف ، وأسقف كانتربري، روان ويليامز ، والأسقف الجنوب إفريقي ديزموند توتو . وضمت القائمة بطريرك الكرازة المرقصية ، والكنيسة القبطية في مصر شنودة الثالث والقس أبون باولوس رئيس المجلس العالمي للكنائس ، والكاهن ديفيد كوفي رئيس التحالف المعمداني العالمي ، والكاردينال تيودور إي . مك كاريك الرئيس الفخري لأساقفة واشنطن ، والبطريرك ألكسي الثاني بطريرك موسكو وسائر روسيا ، بالإضافة إلى نائب الرئيس الأمريكي السابق آل جور ، والدكتور جون إسبوسيتو مدير مركز التفاهم الإسلامي المسيحي للسلام في أمريكا ، والدكتور فرانسيس فوكوياما مدير برنامج التنمية الدولية في جامعة هوبكنز .
وأبرز الحاخامات اليهود المشاركين في مؤتمر حوار الأديان كلا من : دافيد ويس رئيس حركة ناتوري كارتا في أمريكا ، وجوزيف أهرنكانز مدير مركز التفاهم المسيحي بأمريكا ، ودانيال برينر مدير المركز التعليمي لتعدد الأديان بأمريكا ، وميكائيل بالي مدير مركز الوثائق اليهودية في الاتحاد اليهودي الأمريكي في نيويورك ، وميكائيل لرنر محرر مجلة تيكون اليهودية . وكذلك يشتمل الوفد الحاخامي اليهودي الشخصيات الآتية : كلاوديو إيلمان الأمين العام للمؤتمر اليهودي في أمريكا اللاتينية والكاريبي في الأرجنتين ، والبروفيسور جوناثان ساكس الحاخام الأكبر لبريطانيا ، والأبرشيات العبرية المتحدة لدول الكومنولث ( بريطانيا ) ، ورينيه جوتمان عضو مجلس الحاخامات في الاتحاد الأوروبي ( فرنسا ) ، وجيل بيرنهيم الحاخام الأكبر في فرنسا ، والبروفيسور رينيه صامويل سيرت الحاخام الأكبر الفخري في فرنسا ، إذ يشارك أكبر عدد من حاخامات اليهود في هذا المؤتمر الديني مؤلف من 15 شخصية .
وسيأتي المشاركون في المؤتمر من أتباع الديانات الثلاثة ، من الولايات المتحدة حيث يأتي منها وفد مؤلف من 38 شخصا ، ثم تليها بريطانيا 23 شخصا ، ثم تأتي بعدها العربية السعودية 16 شخصا ، فمصر 13 شخصا ، ثم فرنسا 9 أشخاص ، والهند 7 أشخاص .
ويأتي مؤتمر مدريد في إطار مبادرة لحوار الأديان أطلقها العاهل السعودي ، الملك عبد الله بن عبد العزيز في 24 آذار 2008 أي بعد أقل من 5 أشهر من زيارته التاريخية لدولة الفاتيكان ، يتم في إطارها عقد سلسلة مؤتمرات لعلماء مسلمين في جميع أنحاء العالم حول المبادرة ، قبل أن يبدأ الحوار مع الأديان الأخرى ويشرف على شؤون تنظيم هذا المؤتمر رابطة العالم الإسلامي . وفي السياق ذاته ، كانت رابطة العالم الإسلامي رعت ونظمت أول المؤتمرات التمهيدية لتنفيذ مبادرة العاهل السعودي بمكة المكرمة في الفترة من 4 - 6 يونيو 2008، وكان بين علماء مسلمين من السنة والشيعة .
على أي حال ، يشارك في هذا المؤتمر مجموعة من العلماء المسلمين الموالين للأنظمة فكل واحد يمثل نظام الحكم في بلاده ، أو جماعته ولا يوجد من يمثل الحركات والأحزاب الإسلامية أو النصرانية أو اليهودية ، ويبقى هذا الحوار حوار أنظمة تمثل الأديان السماوية والأرضية التي يعتقد بها معظم سكان الكرة الأرضية بغض النظر عن طبيعتها . وهناك الإسلام الذين يدين به نحو 3 ر 1 مليار نسمة ، منهم ممثلي السنة وهو السواد الأعظم ، وممثلي الشيعة الذين يبلغ تعدادهم نحو 150 مليون نسمة في العالم .
وهناك النصرانية التي تشكل نحو 5 ر2 مليار نسمة على اختلاف أجنحتها الأرثوذوكسية والبروتستانتية والمارونية والأرمنية والانجليكانية وسواها في الشمال والجنوب ، والطوائف الشرقية والغربية . وهناك من يمثل اليهودية المؤيدة للصهيونية العالمية والمعارضة لها مثل جماعة ناطوري كارتا التي تعارض قيام الكيان اليهودي – الصهيوني في ارض فلسطين الآن .
في حين يمثل اليهودية في هذا المؤتمر 15 شخصية يهودية من مختلف بقاع العالم ، وأفادت مصادر سعودية أن اليهود المشاركين في المؤتمر هم ممن لا يحملون الجنسية الإسرائيلية . ونقول إن كل يهودي في الكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة يحمل أكثر من جنسيتين وهي الجنسية الإسرائيلية إضافة إلى جنسية أمريكية أو أوروبية أخرى أو أكثر ، وأعضاء الجاليات اليهودية في فلسطين أتوا من 102 دولة من دول مختلف قارات العالم وهذه حقيقة لا لبس فيها ، فيمكن أن يختفوا وراء جنسيات أخرى وهذا سهل عليهم ولا يمكن تمييزهم عن بعضهم البعض بأي حال من الأحوال ويمكن أن تبرز لنا الصدفة أحداثا مثيرة في المؤتمر وفت عقده وفعالياته اليومية في تموز الجاري من العام 2008 . فانتظروا إنا منتظرون ، وإن غدا لناظره قريب .
وهذا المؤتمر الذي يضم مختلف أجنحة الأديان السماوية والأرضية ، هو بالأساس عبارة عن استعراض وتجمع ديني وسياسي وإعلامي ونفسي يحاول إيجاد منافذ ومخارج للتوافق بين أتباع الديانات المركزية في العالم قاطبة ، ومحاولة وضع النقاط على الحروف وتبني أطار عام يوحد بين الجميع في ظل كينونة عالمية بعيدة عن الصراعات الدينية والمذهبية والسياسية ، ولكن مثل هذه الدعوات والمؤتمرات والحوارات ما هي إلا ذر الرماد في العيون إذ تخفي خلف كواليسها أشياء كثيرة جدا لا يعلمها إلا الله ثم العالمون بالأمر .
وإسلاميا ، يحترم الإسلام العظيم أهل الذمة ويكفل لهم الحق في أن يعيشوا في أرض الإسلام بحرية في الدين والمعتقد فلا إكراه في الدين . يقول الله الحميد المجيد جل جلاله : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)}( القرآن المجيد ، البقرة ) . ويقول الله الحي القيوم عز وجل : { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)}( القرآن المجيد ، الكهف ) .
ويشترط الإسلام العظيم على أهل الذمة وهم أهل الكتاب ( النصارى واليهود ) مقابل السماح لهم بحرية الدين والمعتقد ، عدم الاعتداء على المسلمين أولا ثم دفع الجزية وهي نوع من أنواع المال لحمايتهم وتوفير الأمن والأمان والاستقرار لهم في ظل الإسلام العظيم ، يقول الله ذو الجلال والإكرام : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)}( القرآن الكريم ، التوبة ) .
وغني عن القول ، إن النصرانية تعترف باليهودية وبأهل التوراة الحقيقية ، من أتباع موسى وهارون عليهما السلام ، والكتاب المقدس يضم بين دفتيه العهد القديم ( لليهود ) ، والعهد الجديد ( للنصارى – المسيحيين ) في تلازم ديني منذ غابر الأزمان للتواصل المذهبي والتاريخي بين اليهودية ثم النصرانية . ولكن اليهودية لا تعترف بالنصرانية بصفتهم أهل الإنجيل ، وهو الكتاب السماوي الذي أنزله الله العزيز الحميد على المسيح عيسى بن مريم عليه السلام .
وعلى الجانب الآخر ، فإن الإسلام العظيم يعترف باليهودية كرسالة سماوية إلهية والتوراة التي أنزلها الله جل جلاله على موسى عليه السلام ، وكذلك يعترف بالنصرانية كرسالة سماوية أنزلها الله المحيي المميت وكتاب الإنجيل الحقيقي على المسيح عيسى بن مريم عليه السلام . وفي السياق المضاد ، فإن اليهودية والنصرانية لا تعترفان بالإسلام العظيم ويعتبرانه هرطقة ، وكفر وخروج عن تلك الديانتين ، ويسمون المسلمين زورا وبهتانا ، ويدعوان أتباعهما لإبادة المشركين ) في إشارة ظالمة وغير أخلاقية وبعيدة عن الحق والصواب لأبناء الأمة الإسلامية الحنيفية علما بأن عيسى بن مريم عليه السلام ، نبي النصرانية الحقيقية ، بشر بقدوم رسول الله محمد ( أحمد ) صلى الله عليه وسلم كما جاء بسورة الصف ، يقول الله عز من قائل في الذكر الحكيم : { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)}( القرآن المجيد ، الصف ) .
والحقيقة هي أن الإسلام يجب ما قبله ، وهو الدين الخالد لجميع الأنبياء والمرسلين إبتداء من آدم عليه السلام مرورا بموسى عليه السلام والمسيح عيسى بن مريم عليه السلام حتى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين . وبناء عليه ، نقول إن هؤلاء الحاخامات والقساوسة منهم من يمثل ومنهم من لا يمثل إمبراطورياتهم ويجلدون أبناء الأمة الإسلامية ، وفق سياسة صليبية وصهيونية غير سوية ، كما نرى في سياسة الدجال الكبير جورج بوش الصغير إمبراطور الولايات المتحدة الشريرة في شن الحروب على المسلمين في كل مكان ، ونرى في سياسة الحاخامات اليهود في ارض فلسطين الكبرى المحتلة ، وقادة الكيان الصهيوني في فلسطين ، على اختلاف ميولهم ومشاربهم السياسية الدينية والعلمانية واليسارية ، كل سواء الذين يمنعون المسلمين من أبناء الأرض المقدسة من الوصول للصلاة في المسجد الأقصى المبارك وحتى يمنعون النصارى ايضا من تأدية طقوسهم الدينية ، وهذا الأمر يشكل اعتداء صارخا وسافرا على الحرية الدينية ، فهل في ظل هذه المعطيات نبقى نحاور هؤلاء الحاخامات والقساوسة ونطبع معهم ونأخذ معهم صورا تذكارية ليس إلا ، فهم لن يرضوا عن المسلمين ولا حتى عن النصارى في فلسطين كذلك لأسباب استعمارية عنصرية وعرقية مقيتة . يقول الله تبارك وتعالى : { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)} ( القرآن العظيم ، البقرة ) .
وبالتالي فإن الحوار المزمع عقده ، لا يفيد ولا يغير من الواقع شيئا ، ولو يسيرا جدا . وما هذا المؤتمر ، مع احترامنا لمن دعا له وعقده ونظمه واستضافه ، إلا وسيلة للتطبيع الإعلامي الديني ، أمام الجميع ، في ظل اختلال موازين القوى بين النصارى واليهود من جهة والمسلمين من جهة أخرى لصالح الطرف الأول بجناحيه الاستعماريين . فهل سنبلغ النصارى واليهود أن الإسلام هو الحل ؟ وهم يعرفون ذلك أكثر من غيرهم ولكنهم يكابرون بصورة فجة ؟!! . ولهذا فإن هذا المؤتمر لا يقدم ولا يعطي للمسلمين شيئا طالما هناك مواقف مسبقة من الإسلام والمسلمين وهي نظرة عنصرية قائمة على الكراهية والاستعمار والإذلال فنرى بابا الفاتيكان في روما ، القائد الديني الأرثوذوكسي للطائفة الأرثوذوكسية النصرانية العالمية ، الذي يمثل نحو مليار أرثوذوكسي في العالم ، يهاجم الإسلام من روما وسط العاصمة الإيطالية ويصف الإسلام بأنه دين عنف وإرهاب استخدم القوة لنشر تعاليمه وأصوله ، وهي مجافاة للحقيقة والواقع فالإسلام انتشر بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن وكان المسلمون الفاتحون يخيرون الناس بين إعلان الإسلام أو دفع الجزية مع بقاء حريتهم الدينية أو الحرب . وكذلك فإنه في الذكرى الستين لاحتلال فلسطين في 15 أيار 2008 ، قال البابا في روما إنه مسرور لعودة بني إسرائيل لأرض آبائهم القديمة ؟؟ ويقصد طبعا فلسطين المحتلة التي تعاني من الاحتلال الصهيوني ؟؟ وفي ظل هذه الآراء والمعتقدات القاتمة السواد ، كيف لنا كمسلمين أن نتحاور مع هؤلاء الناس ؟ من حاخامات وبطاركة وقساوسة ، فهل الحوار سيغير من الأمر شيئا ؟؟ لا وألف لا ، برأينا ، هذا مؤتمر فاشل قبل عقده وقبل أوانه ، وهو مؤتمر صيفي يفتقد إلى فاكهة الصيف السمحة الندية الطيبة المذاق والطعم والرائحة ، ورائحة هذا المؤتمر سوف تتمخض عن عنصرية صليبية ويهودية صهيونية نتنة مقيتة ، فهؤلاء الحاخامات والبطاركة والقساوسة لا يحملون المسك بل يحملون الكير ، لإيذاء المسلمين ولا يجدي نفعا ، اللهم فقط زيارات لمدريد وتصافح بالأيدي دون تصافح بين القلوب والأفئدة والعقول . ثم هناك سؤال آخر يطرح نفسه بنفسه ، لماذا عقد هذا المؤتمر بمدريد أيضا ؟ هل نسينا أن مدريد هي بقعة من بقاع الأندلس الإسلامية ؟ وهل نسينا محاكم التفتيش الأوروبية الصليبية ضد المسلمين ، وتهجير وقتل المسلمين في الأندلس وتهجيرهم إلى شمال أفريقيا في المغرب العربي الإسلامي الكبير ؟؟؟
وأخيرا لا نملك إلا أن نقول كما يقول ربنا الله العلي القدير ، رب العالمين جميعا : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)}( القرآن العظيم ، آل عمران ) .
والحوار المزمع عقده في مدريد ، العاصمة الإسبانية ، هو مؤتمر لا جدال فيه ، فهو حوار تطبيع ديني ، لا يسمن ولا يغني من جوع للحرية الدينية الحقة والحقيقية ، وهو كحوار الطرشان ، لا ولن يفهموا على بعضهم البعض ، ولا نتائج منه على أرض الواقع ، وسيبقى حبرا على ورق ، لا تنفيذ لقراراته ، هذا إن كانت هناك قرارات أصلا . نحن مع الحوار طالما يجدي ويعطي ثمارا ناضجة ، لا فجة ، ويمكن أن نؤمن بقرارات هذا المؤتمر في حال تم تغيير النظرة غير السوية التي يمارسها اليهود والصليبيين الفرنجة ، لأبناء فلسطين والعرب والمسلمين بأنهم بشر يستحقون الحياة بعيدا عن الاستعمار الأجنبي الغربي النصراني الصليبي واليهودي الصهيوني الماسوني المتطرف ، وسحب وصمة وصفة الإرهاب عن أبناء الأمة الإسلامية ، وهي خير أمة أخرجت للناس في الأولين والآخرين .
والله ولي التوفيق ، فهو ولي المتقين المؤمنين .
سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الاثنين، 7 يوليو 2008

قمة الثماني الكبرى في اليابان 2008 .. وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ

قمة الثماني الكبرى 2008
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ

د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة




يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22) }( القرآن المجيد ، الجاثية ) .
تنعقد قمة الدول الثماني الكبار في جزيرة هوكايدو اليابانية على مدار ثلاثة أيام اعتبارا من صباح الاثنين 7 – 9 تموز 2008 ، بمشاركة الصين والهند واستراليا وغيرها وسبع دول أفريقية . ويناقش المؤتمر قضايا سياسية واقتصادية وبيئية حساسة على المستوي العالمي والإقليمي والأفريقي ويحرس هذه الاجتماعات في الجزيرة اليابانية التي يلتئم بها الاجتماع 21 ألف شرطي ياباني عدا عن الحراسات المرافقة للوفود المشاركة في هذا المؤتمر بتكلفة قدرها 30 مليار ين ياباني بما يعدل 280 مليون دولار بارتفاع مائة مليون دولار عن الاجتماع السابق للدول الصناعية الثماني . من جهة أخرى ، اشتبكت الشرطة اليابانية مع متظاهرين يابانيين ضد العولمة في مدينة سابورو التي ستستضيف قمة مجموعة الثماني في هذه القمة للدول الغنية الثماني ، وفي هذه الأثناء تباينت التوقعات بشأن المواضيع التي سيبحثها زعماء الدول الغنية وما إن كان سيتم التوصل إلى تسويات علاجية حقيقية فاعلة بشأن الأزمات الاقتصادية العالمية ، وارتفاع أسعار النفط والحديد والمواد الغذائية الأساسية .
ويشارك بهذه القمة الاقتصادية الكبرى في منتجع فخم بجزيرة هوكايدو شمالي اليابان كل من الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وروسيا وكندا .
كراسي طاولة قمة الدول الثماني الكبرى - تموز 2008 - اليابان
وستتم مناقشة الوضع الكوري الشمالي والمفاعل النووي فيها ، وكذلك مناقشة الأوضاع السياسية في زيمبابوي وإدانة استيلاء روبرت موغابي على سدة الحكم بالانتخابات الأخيرة للمرة السادسة على التوالي حيث يتهمه الغرب بأنه نظم حملة تزييف وتزوير في تلك الانتخابات الأخيرة بقارة أفريقيا .
وأوضحت مصادر سياسية وإعلامية أمريكية أن الولايات المتحدة ستبذل خلال القمة الحالية قصارى جهودها لإنجاز التقدم المناسب في مسالة مكافحة الاحتباس الحراري وتشجيع التبادل الاقتصادي الحر ، وتقديم المعونة المالية للمساعدة على مكافحة الإيدز بأفريقيا . وفي الوقت ذاته سوف تزيد الضغوطات الاقتصادية والسياسية على السودان بدعاوى أزمة دارفور .
وستتم مناقشة قضية الملف النووي الإيراني ومجموعة الحوافز الغربية لإيران لثنيها عن استكمال تخصيب اليورانيوم والاعتماد على الطاقة النووية في إيران . وتقول الولايات المتحدة إنها تركز على الضغوط الدبلوماسية على طهران للحد من أنشطة إيران النووية ، لكنها لم تستبعد اللجوء إلى العمل العسكري إذا فشلت الدبلوماسية . ويهدد قادة الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة بشن ضربة قوية على المفاعلات النووي الإيرانية في حين ردت إيران بأنها سترد بقوة في حال تعرضها لاعتداء أمريكي أو غربي أو صهيوني عسكري . ويذكر أن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد استبق بيان مجموعة الدول الثماني بقوله مؤخرا إن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لن يوقفا أنشطة إيران النووية . وقال نجاد بخطاب له في مدينة كرمنشاه غربي إيران إن : الأعداء لن ينجحوا في إيقاف أمتنا ولن ينجحوا أبدا في إيقاف برنامجنا . وتعهد بمواصلة الخطى على المسار النووي : وإذا نجحوا في إغلاق جميع الأبواب في وجه إيران ، فسيزيد ذلك من عزم الأمة الإيرانية على مواصلة المسار النووي .
وفي سياق آخر ، تريد اليابان التي تترأس هذه السنة نادي الدول الكبرى في مناقشة ملف الاحتباس الحراري والتنمية في أفريقيا بشكل جديد ووضع الحلول الناجعة لها أثناء القمة التي دعي إليها 14 بلدا غير عضو في المجموعة ، منها سبع دول أفريقية وخمس منظمات دولية . ويبدو أن قضايا الاقتصاد العالمي المتدهور ستفرض ذاتها بقوة كبيرة في القمة التي ستعقد على مدار ثلاثة أيام بعيدا عن الأضواء في فندق فخم بتوياكو في اليابان الالكترونية العالمية الأولى .
وحسب الصحافة اليابانية ستشكل مجموعة الثماني ( ألمانيا وكندا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا واليابان وروسيا ) إضافة إلى المفوضية الأوروبية ، فريق عمل لمعالجة أزمة الغذاء العالمية المستفحلة خلال أل 12 شهرا الماضية . ومن الممكن رفع القيود عن الصادرات التي تمنع الدول الغنية من بيع فائض مخزونها الغذائي للدول الفقيرة .
ومن المقرر أن يناقش في قمة الدول الغنية الثماني بجلسة الاثنين مع مجموعة الدول الأفريقية المدعوة للقمة وهي جنوب أفريقيا والجزائر وإثيوبيا وغانا ونيجيريا والسنغال وتنزانيا ، إضافة إلى الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والبنك الدولي قضايا التنمية والأوضاع السياسية في أفريقيا بينما ستعقد جلسة العمل الفعلية للقمة يوم الثلاثاء المقبل .
وتختتم القمة أعمالها في اليوم الثالث الأربعاء ، وقبل الختام ستبحث ملفات البيئة في اجتماع للقمة مع دول البرازيل وكوريا الجنوبية والصين والهند والمكسيك وجنوب أفريقيا ، وينتهي الاجتماع بجلسة عمل لأكبر 16 اقتصادا في العالم التي تشمل جميع الجهات المذكورة إضافة إلى أستراليا وإندونيسيا والأمم المتحدة والبنك الدولي والوكالة الدولية للطاقة .
ويشار إلى أن الدول الثرية الصناعية الثماني كانت أعلنت في ختام قمتها عام 2007 في منتجع هايلغندام بألمانيا ، أن الاقتصاد العالمي في وضع جيد . لكن بعد سنة فقط تصاعدت وتضاعف أسعار برميل النفط وتزايدت نسبة التضخم العالمي وواجه النظام المالي العالمي أسوأ أزمة اقتصادية وغذائية في التاريخ الأمر الذي أجبر مجموعة الثماني لمراجعة أجندتها الاقتصادية والسياسية والمناخية .
وبهذا نرى أن الدول الثماني الكبار الصناعية العالمية ستركز على ما يهمها من قضايا عالمية وإقليمية ساخنة وحساسة ، لابتزاز الدول النامية والفقيرة وتلك الدول التي سلكت مسلكا نوويا سلميا أو عسكريا وممارسة الضغوط عليها ، وفي الوقت ذاته تسعى الولايات المتحدة لإنقاذ قيمة ( الدولار ) وهو وحدة العملة الأمريكية المتدهورة بشكل حاد أمام العملات الأخرى العالمية والمحلية المتداولة في الأسواق العالمية ، ووضع حد لارتفاع أسعار برميل النفط المتصاعدة في العالم الأمر الذي يضر ضررا بالغا بالاقتصاد الأمريكي والاقتصاديات العالمية الأخرى . وأما المواضيع الأخرى التي ستتم مناقشتها في ميادين الغذاء والبيئة فهي مواضيع هامشية كون هذه الدول وخاصة الولايات المتحدة ومن لف لفها تتحكم في أسعار المواد الغذائية الأساسية كالقمح والذرة والأرز .
ومما يذكر في هذا المجال أيضا خوف المجتمعين من المعارضة العالمية وفي مقدمتها المعارضة اليابانية التي استبقت اجتماع القمة العالمية الكبرى بمظاهرات صاخبة الأمر الذي استدعى المجتمعين الكبار لتشديد الحراسة المستمرة على الجزيرة اليابانية التي يعقد فيها الاجتماع المذكور بزيادة مائة مليون دولار عن الاجتماع الأخير في ألمانيا ، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على إحساس المجتمعين بمدى الظلم والطغيان الذي يمارسونه على غيرهم في قارات العالم وبالتالي حاجتهم لحراسات كبيرة مشددة تحميهم مما قد يخطط له أعدائهم المغلوبين على أمرهم للانتقام منعهم أو إرباك قمتهم الاستعمارية التآمرية على الأمم الأخرى .
وفي سياق آخر مخالف لقمة الدول الثماني الكبرى ، فعلى الصعيد العربي والإسلامي ، إن تعداد الأمة المسلمة يبلغ نحو 3 ر 1 مليار نسمة ، منهم 350 مليون عربي في 22 دولة مجزأة مفتتين إلى دويلات ومحميات طوائف مجزأة ودويلات أحزاب وهمية ما أنزل الله بها من سلطان ؟؟ والاجتماعات تلو الاجتماعات تعقد والعرب والمسلمون غائبون عنها لأنهم مشغولين وفق سياسة كل حزب بما لديهم فرحون !! فمتى يكون للعرب والمسلمين دولة واحدة كبرى تدافع عن حقوقهم ومصالحهم ؟ فالعرب يمتلكون أكثر من ثلثي الإنتاج والاحتياطي النفطي العالمي ، ولكن من يضع السياسات النفطية يتم تقريره في مؤتمر الدول الثماني الكبرى ؟؟ وفي حقيقة الأمر الدول الكبرى ليسوا بدول كبار بل هم دولا استعمارية من قارتي أمريكيا الشمالية وأوروبا يتفقون مع بعضهم البعض للتحكم في الشؤون السياسية والاقتصادية العالمية دون وجه حق ، بينما يمتلك العرب الثروات الطبيعية العالمية الأساسية ولكنهم مغيبون ومشغولين في تفاهات الأمور الحزبية الضيقة ، والصراعات المذهبية والقبلية السياسية والتناحرات الشخصية القائمة على أسس الأنانية المفرطة المقيتة البغيضة ومعظم القيادات العربية والإسلامية تكيد لإبناء شعبها وأمتها بحجة كونهم معارضين لها ؟؟ لماذا لا تكون هناك موالاة ومعارضة ضمن السياسة السلمية باحترام الرأي والرأي الآخر ؟؟ ولماذا الدكتاتورية القمعية والأحرى أن يهتم العرب أجمعين بالتطوير والتغيير والإصلاح والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية الشاملة والتسامى على الجراح ، وعدم التركيز على الأوضاع الداخلية فقط التي تأخذ جل همهم وشجونهم ويبقون يراوحون مكانهم وفق سياسة : مكانك سر ؟ أو مكانك قف ؟ كما يخطط ويبرمج لهم الأعداء ممن يسمون بالدول الكبار . أما آن للعرب أن يكبروا ويتوحدوا في دولة عربية واحدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي لمواجهة التحديات المصيرية وأن تكون لهم كلمة فصل في الأمم بكافة المجالات والميادين على اختلاف أسمائها ومسمياتهم ؟ أم سنبقى نجتر الماضي الأليم ونفتخر بالأمجاد التليدة ؟ أيها العرب أليس منكم رجل رشيد يقود الأمة العربية المسلمة لتأخذ دورها الحضاري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي وتساهم في رسم السياسات المحلية والإقليمية والعالمية ؟ إلى متى سنبقى مشتتين لا قائد أو أمير واحد لنا ؟ يجب أن نستقرئ التاريخ ونأخذ العبر والعظات ، وان نسلم أمورنا لقائد واحد منتخب أو خليفة تتوافق عليه الأمة من محيطها لخليجها لتكون نواة دولة المسلمين أجمعين ، دولة المليار وثلاثمائة مليون نسمة في العالم ، أمير عام أو خليفة واحد يوحد الأمة ويصلح حالها ويأخذ بيدها نحو النهوض العربي الإسلامي العام القويم ، لا أن نبقى نتلقى القرارات عبر السفير الأمريكي أو البريطاني او الفرنسي هنا وهناك في هذه العاصمة أو تلك ؟ أفيقوا يا عرب !! افيقوا يا مسلمين !! لا تنسوا أنكم خير أمة أخرجت للناس ؟؟ ولا ولن يكون لنا دولة عربية مسلمة واحدة طالما بقينا مبتعدين عن الإسلام العظيم وكلام الله المقدس المتمثل بالقرآن المجيد ؟ أيها العرب اعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ؟ ولا تدعوا غيركم يخطط لكم ويبرمج سياساتكم وقراراتكم كما يحلوا له من البيت الأبيض أو الأسود أو البيت المتعدد النجوم في امريكا أو اوروبا ، أو من قمة اليابان ؟ كونوا هلالا عربيا إسلاميا واحدا ودولة واحدة وهما واحدة وسياسة واحدة ، ولا تنسوا إسلامكم الذي يوحدكم ، وترفعوا عن أنانيتكم الهزلية الساخرة ، وكونوا يدا واحدة ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ؟؟؟ يقول الله الحي القيوم جل وعلا : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) }( القرآن الحكيم ، آل عمران ) .
وسؤال نطرحه على جميع العرب والمسلمين : هل أهل بوذا والشنتو أقوى وافضل من الأمة العربية المسلمة ، خير أمة أخرجت للناس ؟؟!! . الجواب : بالتأكيد لا وألف لا ، إذا لماذا لا يكون لنا وجود عظيم وتأثير أعظم بين الأمم قاطبة في الكرة الأرضية التي دحاها الله رب العالمين ، أسألوا أنفسكم جميعا ؟ والله ولي التوفيق . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
---------------------
أعزاءنا القراء الكرام ، وفيما يلي لمحة مختصرة عن اليابان التي تستضيف قمة الدول الصناعية الثماني الكبار وسوف تترأس النادي العالمي إثر هذا الاجتماع الأمريكي - الأوروبي الضخم لعام 2008 .
اليابان (باليابانية ) : وتنطق: نِيپّـُونْ \ نِيهُونْ ومعناها : منبع الشمس أو مَشْرِق الشمس ، من: نِي أي الشمس، هُونْ أي المنبع أو الأصل ، بلد في شرق آسيا ، يقع بين المحيط الهادئ وبحر اليابان ، وشرقي شبه الجزيرة الكوريّة . أطلق الصينيون على البلاد اسم أرض مشرق (منبع) الشمس ، و هذا لوقوعها في أقصى شرقي العالم المأهول آنذاك . وتتكون اليابان من جزر عديدة (حولي ثلاثة آلاف) ، أربع من هذه الجزر تعد الأهم والأكبر على الإطلاق، وهي على التوالي ( من الجنوب إلى الشّمال ) : كيوشو ، شيكوكو ، هونشو ، وأكبرها هوكايدو .
تمثال بوذا أو دائي – بوتسو في نارا باليابان

جزر اليابان
تتألف اليابان من 47 محافظة جغرافية وسياسية وإدارية ، مقسمة على خلفيات جغرافية وتاريخية إلى تسع مناطق وهي: هوكايدو، وتوهوكو، وكانتو، وتشوبو،وكينكي، وتشوغوكو، وشيكوكو، وكيوشو، وأوكيناوا.
ولكل محافظة يابانية لهجة وعادات اجتماعية وفنون تمثيلية وطبيعة المأكولات والشربة واللباس وتراث خاص يميزها عن غيرها من المحافظات المنضمة تحت لواء اليابان الكبرى .
يبلغ عدد سكان الجزر اليابانية كافة 127 مليون نسمة مشكلين الدولة التاسعة من ناحية عدد السكان في العالم بكثافة سكانية مرتفعة جداً تقدر ب 342 نسمة / كم2 ، بينما تبلغ الكثافة السكانية في الولايات المتحدة 29 نسمة / كم2 ، وفي فرنسا 107 نسمة / كم2 ، وفي بلجيكا 333 نسمة / كم2 . وأكثر من اليابان مناطق جبلة حيث تشكل الأراضي الجبلية 70 % ، بينما تتواجد المدن الكبرى في السهول التي تؤلف 30 % من مساحة البلاد .
المساحة: 377,835 كم² (بما في ذلك 3,091 كم² من المياه الإقليميّة)
كبرى الجزر: هونشو ، هوكايدو ، كيوشو ، شيكوكو . امتداد السواحل: 29.751 كم ، وأعلى قمة: جبل فوجي: 3,776 م وأخفض نقطة هاشيرو-غاتا -4 م .
واليابان دولة ملكية أو إمبراطورية في نظامها السياسي الغالب . وتعتبر ديانة ( الشنتو ) الديانة اليابانية التقليدية المعروفة في البلاد . واللغة اليابانية هي لغة لغة آينية ويتألف السواد الأعظم من سكان اليابان من وحدة عرقية و لغوية ، مع وجود أقليات عرقية و لغوية أخري أمثال الكوريين (حوالي 1 مليون) ، سكان أوكيناوا (1.5 مليون)، الصينيون و التايوانيون (0.5 مليون)، الفليبنيون (0.5 مليون)، برازيليون (250،000)، إلى جانب الأهالي (السكان الأصليين) ممثلين في شعب الآينو و الذين يتركزون في الشمال في هوكايدو. يتكلم 99 % من الشعب اللغة اليابانية، ولا يزال يتكلم حوالي 200 فردا من شعب الآينو الآينية . ويعتبر المجتمع الياباني من بين أكثر المجتمعات العالمية شيخوخة . تناقص معدل الإخصاب بشكل كبير بعد الحرب العالمية الثانية ، ثم مرة أخرى في منتصف السبعينات 1970 عند رفضت النسوة ترك أماكن العمل و العودة إلى المنزل . يمثل معدل الحياة في اليابان الأعلى في العالم . مع حلول سنة 2007 م و عندما يتوقف سكان اليابان عن الإزدياد ، ستكون نسبة 20 % من السكان فوق سن الـ 62 سنة . تقوم الحكومة في اليابان بعقد مناقاشات مكثفة لإيجاد الحلول المناسبة لهذه الأزمة . وفي سياق آخر ، أعلنت أكثرية اليابانيين أنها لا تتبع أي ديانة معينة . وتنادي الفئات الشبابية باستبعاد الديانات و المعتقدات عن الأساطير والإيحاءات التاريخية ، ويعد ذلك السبب للدور الحذر الذي شكلته ديانة ال ( شنتو ) التقليدية اليابانية في تجنيد أبناء الشعب إبان الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945 . ورغم ذلك فتبقى تعاليم ديانتي الشنتو و البوذية ، ظاهرة للعيان بجميع نواحي الحياة اليابانية اليومية .
هذا جدول بأهم المناسبات والأعياد التي تقام في اليابان سنويا . تشمل التاريخ والاسم والتسمية المحلية كالآتي :
1 يناير رأس السنة ( غانجيتسو)
15 يناير يوم الدخول في مرحلة الرشد ( سيئيجن نو هي )
11 فبراير عيد تأسيس الدولة ( كنكوكو كينن نو هي )
21 مارس يوم الاعتدال الربيعي ( شونبون نو هي )
29 أبريل اليوم الأخضر ( ميدوري نو هي )
3 مايو تخليد ذكرى الدستور كمبو كيننبي
4 مايو يوم الراحة الوطني ( كوكومن نو كيوجتسو )
5 مايو يوم الطفل ( كودومو نو هي )
20 يوليو يوم البحر ( أومي نو هي )
15 سبتمبر يوم المسنين ( كيئيرو نو هي )
23 سبتمبر يوم الاعتدال الصيفي ( شوبون نو هي )
14 أكتوبر يوم التربية البدنية ( تائيئيكو نو هي )
3 نوفمبر يوم الثقافة ( بونكا نو هي )
23 نوفمبر عيد العمل ( كينرو كانشا نو هي )
23 ديسمبر عيد الامبراطور ( تينو تانجوبي )

تمثال بوذا في اليابان

الجمعة، 4 يوليو 2008

تجربتي بإذاعة صوت فلسطين ( 4 ) الأخيرة

تجربتي بإذاعة صوت فلسطين
( 4 ) الأخيرة
د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73)}( القرآن المجيد ، الأحزاب ) . وجاء بصحيح مسلم - (ج 1 / ص 167) كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ) .
البرامج الإذاعية
التي أعددتها وقدمتها في صوت فلسطين
أولا : العمل في دائرة الأخبار

بدأت عملي المهني في إذاعة صوت فلسطين في مطلع تموز 1994 ، في عملية إعداد الأخبار والتقارير والملفات المحلية والفلسطينية السياسية والأخبار العربية والدولية . وقد أذعت بصوتي على الهواء مباشرة بعض المواد الإعلامية ، من استوديوهات الإذاعة في أريحا ، ولم تكن لدي الرغبة في أن أكون مذيع أخبار ، بل كانت رغبتي في أن أعد وأقدم برامج متعددة في صوت فلسطين ، بالإضافة إلى إعداد وتقديم تقارير ميدانية وهاتفية مسجلة لبثها في الإذاعة ، وذلك لتحاشي الالتزام والإلزام للبقاء بأوقات محددة في مبنى الإذاعة فقد تعودت على العمل الميداني في التدريب ، وسابقا عندما كنت كاتبا ومراسلا صحفيا في صحيفة الفجر المقدسية لمدة عامين ، ورفضت العمل الإداري كذلك لإيماني بأن خدمة شعبي تكون بتقديم مواد إعلامية جديدة وجادة وليس متابعة شؤون إدارية داخلية للموظفين ، فأنا أصلا خريج علوم سياسية وصحافة وليس إدارة . وقد اشتريت مسجلا صغيرا ممتازا حساسا من ماركة ( باناسونيك ) اليابانية الأصلية ، واشتريت هاتفا نقالا لتسهيل مهماتي الإذاعية العادية والطارئة ، وساعدني امتلاكي سيارة صغيرة أتنقل بها وقتما أشاء لأي مكان دون حاجة لبيروقراطية الإذاعة في التنقل ذهابا وإيابا في المهنة الإذاعية . وأعددت نفسي إعدادا ممتازا لتولي مهمة العمل المهني الإذاعي عن طيب خاطر ، فهذه مهنة وهواية في الآن ذاته ، ولي رصيدي المهني المناسب ، وأحب المطالعة والقراءة المستمرة والاطلاع على كل ما هو جديد . وقد سئمت العمل الإذاعي في دائرة الأخبار عندما طلب مني الدوام مناوبا في الفترة المسائية في أيام محددة من الأسبوع تبدأ عند الساعة الرابعة مساء وتنتهي حتى ساعات منتصف الليل ، وبعد ذلك كنت استقل سيارتي قاطعا المسافة بين أريحا إلى مدينة نابلس فقريتي عزموط ، مع ما يمكن أن يعترضني من خطر داهم عبر الحواجز الصهيونية الليلية ومن قطعان المستوطنين اليهود على الطريق ، وذلك للوصول لبيتي والنوم مع أسرتي الصغيرة ، مما أرهقني ، وأرهق أسرتي عبر الدوام المسائي . وكذلك إن التحول من دائرة الأخبار ذات الدوام المنتظم إلى دائرة البرامج يمكنني من العمل الميداني والقيام بزيارات ميدانية للوزارات والمؤسسات والاتحادات في المدن الفلسطينية وبالتالي الدوام الحر المفتوح وليس البقاء في مبنى الإذاعة الممل بدرجة الحرارة العالية في عز الصيف ، وفقدان التكييف المناسب . وكذلك هناك نقطة مهمة وهي وجود الحواجز العسكرية الصهيونية على مدخلي أريحا الشمالي باتجاه نابلس والجنوبي باتجاه رام الله ، التي كانت تمنع دخول أو خروج المواطنين ذهابا وإيابا ، كلما حدثت مناوشات أو قتل يهودي هنا أو هناك في إحدى المدن الفلسطينية أو المستعمرات اليهودية ، فتبقى السيارة التي تقلنا واقفة في طوابير طويلة قد تمتد لمئات الأمتار ، لعدة ساعات فيذهب الوقت هدرا وهباء منثورا كل ذلك ساعدني في طلب الانتقال من دائرة الأخبار إلى دائرة البرامج الإذاعية . وهذا ما كان ، خططت ونفذت بالتعاون والتنسيق الكامل مع إدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية ، وتحديدا مع مدير عام الإذاعة الذي تفهم طلباتي المهنية ووافق عليها مشكورا .
وفي سياق آخر ، كنا ذات مرة جالسين في هيئة تحرير الأخبار في الطابق الثاني ، لمبنى صوت فلسطين ، وكانت تلك الحادثة في فترة البث التجريبي للإذاعة التي استمرت ثلاثة شهور ( 1 تموز – 1 تشرين الأول 1994 ) وإذا بفتاة متبرجة تدخل أستوديو البث الإذاعي المباشر القريب من صالة التحرير ، مع بعض إداريي الإذاعة ، وتبدأ بإذاعة نشرة أخبار قصيرة ، صعقت للموقف ذلك ، لقد كنت أعرف صوتها كمذيعة في دار الإذاعة الإسرائيلية ( صوت إسرائيل ) لنشرات الأخبار المسمومة التي تبثها تلك الإذاعة المعادية لطموحات وأماني وآمال شعبنا الفلسطيني الذي يتوق للحرية والتحرير والاستقلال الوطني والخلاص من المحتل الأجنبي . لقد جاءت تلك الفتاة زائرة وضيفة على الإذاعة وطلبت أن تجرب صوتها في صوت فلسطين ، وسمح لها بتجريب صوتها ، فخرجت وخرج من حولي مذعورا عندما أوضحت لهم أن هذا الصوت هو صوت إسرائيلي وتساءلت : هل تم احتلال مبنى إذاعة صوت فلسطين من الاحتلال بهذه السرعة ؟ ونحن كنا موجودين نعد ونجهز الأخبار والبرامج المتعددة في صالة التحرير ، لقد كان موقفا غير موفق ، بل يدل على سطحية غير مقبولة من إدارة الإذاعة في ذلك اليوم ، وامتعضنا جميعا وسخرنا وعلقنا بتعليقات ساخرة وتركنا العمل في الأخبار وناقشنا هذه الزيارة المفاجئة التي غزتنا في عقر دارنا ، فلا للتطبيع الإعلامي مع الأعداء !! ولن نسمح لمثل هذه التصرفات بأن تعاد ولو فصلنا من عملنا ، فهذا عمل غير مهني وغير أخلاقي وغير مسئول بتاتا . وبعدما سمعت المذيعة الإسرائيلية الزائرة الكلام الصارخ هنا وهناك عادت أدراجها وانسحبت بهدوء وغادرت مبنى الإذاعة بسرعة فائقة ، لقد علمت أنها غير مرغوب فيها ، وأن هذا المكان ليس لها إطلاقا . وقد استهجنا هذا التصرف المفاجئ علما بأن إدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية كانت أبلغتنا أن لا نتحدث مع وسائل الإعلام الإسرائيلية عن أي شيء يتعلق بهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية خوفا من تحويرها وتحويرها لأشياء مغايرة تماما لما نرنو ونطمح له حاليا ومستقبليا . فكان الاستغراب والاستهجان الجماعي من تلك الزيارة الغريبة المستغربة والمستهجنة في الآن ذاته على جميع الصعد والمستويات الإذاعية الإخبارية والبرامجية والإدارية .

ثانيا : العمل في دائرة البرامج الإذاعية

لقد عملت خلال فترة وجودي في إذاعة صوت فلسطين على إعداد وتقديم عديد البرامج القطاعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الموجهة لأبناء شعبي عامة ولقطاعات شعبية اجتماعية خاصة ، وكان الطابع الغالب على برامجي كافة هو الطابع الإسلامي الحقيقي ، وكان جزءا من الحوارات واللقاءات التي أجريها للبرامج اقتطع المناسب منها لنشرات الأخبار مع تقديم لها وتعقيب عليها من قبلي ، حيث كانت تذاع في نشرات الأخبار الرئيسية والمحلية حسب طبيعة المادة المسجلة . وكنا ندقق البرامج لغويا ، لإذاعتها باللغة العربية الفصيحة ، عبر الأخ الزميل عبد السلام العابد خريج اللغة العربية من جامعة النجاح الوطنية . وهذه البرامج كانت على النحو الآتي :
1. البرامج الإسلامية
( حديث الروح ، تاريخ الصيام ،
مع الأنبياء ، آفاق إيمانية )

كانت البرامج الإسلامية هي البرامج المحببة لي في الإذاعة ، فقد كنت أوليها الاهتمام اللائق ، وأطبع موادها على حاسوبي الخاص في البيت أثناء إعداد المادة الإعلامية ، حتى ساعات متأخرة من الليل ، مستعينا بمكتبتي البيتية الخاصة المتواضعة المليئة بالكتب الإسلامية والكتب العامة والمتخصصة ، فلدي مكتبة خاصة يناهز عدد كتبها أكثر من 1300 كتاب ، عدا عن اهتمامي بالدوريات الفلسطينية والعربية من صحف ومجلات أولا بأول إذ اشتريها من مالي الخاص وأطالعها في البيت . وكذلك كنت مطالعا من الدرجة الأولى لما ينشر ويكتب يوميا في الصحف الفلسطينية مثل صحف : القدس والأيام والحياة الجديدة وكل العرب والرسالة ، والسياسة الدولية ومنبر الإسلام ومجلة الإسراء ومجلة الميلاد وكنت أحصل على نسخ مجانية من مجلات الوزارات والجامعات والبلديات الفلسطينية المتعددة ، وكانت بعض مراكز البحث العلمي الفلسطينية ترسل لي نسخا مجانية من مطبوعاتها لنشر موجز عنها في الإذاعة وهذا ما كان يحصل عادة . لقد كنت أقوم يوميا بورشة عمل إعلامية حقيقية ، عدا عن استماعي للعديد من المحطات الإذاعية والتلفزيونية والفضائية منذ ساعات الفجر الباكر ، واطلاعي المباشر على شبكة المعلومات العنكبوتية العالمية ( الانتر نت ) .
وكانت مدة البرامج الإسلامية الزمنية المذاعة تختلف من برنامج لآخر ، فمثلا كانت مدة برنامج ( حديث الروح ) 30 دقيقة أسبوعية ، ومدة برنامج تاريخ الصيام 30 دقيقة أسبوعيا ، ومدة برنامج مع الأنبياء 15 دقيقة ثلاث مرات أسبوعيا ، ومدة برنامج آفاق إيمانية تتراوح ما بين 45 – 50 دقيقة أسبوعيا . وكان موعد بث معظم هذه البرامج بعد صلاة العصر .
وفي البرامج الإسلامية كنت استضيف وزير الأوقاف والشئون الدينية والمدراء العامين في الوزارة وخطباء المساجد ، وأساتذة الشريعة وعمداء كليات الشريعة وأصول الدين بالجامعات الفلسطينية وأعضاء مجلس الفتوى الأعلى في فلسطين ، إذا كان الشيخ عكرمة صبري مفتي القدس والديار الفلسطينية ضيفا دائما في برامجي الإسلامية ، والشيخ تيسير التميمي قاضي القضاة الشرعيين في فلسطين بالإضافة إلى قضاة المحاكم الشرعية الفلسطينية ، وإلى المتدينين الآخرين من الحركات الإسلامية . وقد تطرقت البرامج الإسلامية لجميع المواضيع من رسالة التوحيد الإسلامية والصلاة والزكاة والصيام والحج ، والعقيدة الإسلامية والمعاملات الإسلامية كافة في الزواج والطلاق والمصارف الإسلامية والحلال والحرام في الإسلام بالإضافة إلى البرامج الإسلامية الخاصة بمناسبات الأعياد الإسلامية كعيد الفطر السعيد وعيد الأضحى المبارك ، ورأس السنة الهجرية ، وذكرى الإسراء والمعراج ، وذكرى المولد النبوي الشريف وغيرها . وكان يغلف هذه البرامج مسألة الاستشهاد بالآيات القرآنية المجيدة والأحاديث النبوية الشريفة والأحاديث القدسية وأقوال الأولياء والصالحين . وكنت أتطرق لحياة الأنبياء والصالحين والأولياء والأماكن الإسلامية المقدسة في فلسطين والعالم . وكان كل برنامج يتألف من : الكلمة الإسلامية الأولى ، والأخبار والفعاليات والنشاطات الإسلامية ، وملف العدد أو البرنامج ، والحوارات واللقاءات مع أصحاب الشأن والعلاقة في المواضيع الإسلامية والكلمة الختامية للبرنامج . وفي عام 1999 م – 1420 هـ ذهبت للحج لمكة المكرمة ضمن وفد إعلامي من الإذاعة بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية . وكانت رحلة إيمانية ممتازة لا زلت أذكرها وأتمنى أن أحج مرات ومرات ، وكنت أمير البعثة الإعلامية للإذاعة لما كانت لدي خبرة في شؤون ومناسك العمرة والحج حيث كنت أديت مناسك العمرة في رمضان عام 1996 على حسابي الخاص .
وكانت رحلة الحج والعمرة المقرونة مع بعضها البعض رحلة إيمانية ممتعة جدا ، حيث توجهت مع زميلي الأستاذ الصحفي عبد السلام العابد ، والمهندس جواد المبسلط في الطائرة لأداء مناسك الحج ، ومن المعروف أن الحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة . فقد ذهبنا معا في الطائرة عبر مطار عمان الدولي ونزلنا في مطار مدينة جدة بالعربية السعودية وطبعا معظم تكاليف الحج العامة كوفد إعلامي فلسطيني كانت على حساب وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية ، فقد كنا نعمل هناك كإعلاميين ومرشدين للحجاج في الآن ذاته وكان لنا سكن خاص في نفس بناية بعثة الحج الفلسطينية . وقد أحرمت شخصيا من مطار عمان ، وأديت العمرة في مكة المكرمة والمسجد الحرام عند بداية دخولي للديار الحجازية المقدسة ، ثم لحقت بزميلي في أحد فنادق التي استأجرتها بعثة الحج الفلسطينية لعام 1999 م ، وأديت الحج والعمرة معا ثم أديت العمرة للمرة الثالثة في نفس تلك الفترة عن والدتي رحمها الله في نفس العام ونفس الرحلة الإيمانية . وقد مكثنا في الديار الحجازية أكثر من 3 أسابيع ، كنت أبعث مواد إعلامية لبرنامج آفاق إيمانية عبر الهاتف لاستوديوهات الإذاعة في رام الله من مكة المكرمة والمدينة المنورة ، بالإضافة إلى تنظيم لقاءات مع رئيس وأعضاء بعثة الحج الفلسطينية ، وتسجيل رسائل لحجاج بيت الله الحرام من أهل فلسطين مع زميلي عبد السلام العابد والمهندس جواد مبسلط ، حيث كان عدد الحجاج الفلسطينيين للديار الحجازية في ذلك العام نحو 10 آلاف حاج وحاجة .

2. برنامج الحكم المحلي
( شؤون بلدية وقروية )

اهتم هذا البرنامج بكافة شئون الحكم المحلي في فلسطين والوطن العربي والعالم إلى حد ما ، فكنت أعد الحوارات الميدانية والهاتفية والمباشرة في الأستوديو وتسجيلها وتجهيزها للبث مرة واحدة في الأسبوع بواقع 30 دقيقة زمنية ، تبث في ساعات ما بعد العصر أو المساء ، فهو برنامج يهتم بوزارة الحكم المحلي ، ويعالج مسائل قطاع الهيئات المحلية البلديات والمجالس القروية في البلاد . وكنت على تماس وتواصل مستمر مع وزير الحكم المحلي د. صائب عريقات عندما كان وزيرا للحكم المحلي لفترة طويلة . زد على ذلك ، متابعة شؤون مديريات الحكم المحلي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وقد حاولت تسليط الأضواء على السلطات المحلية العربية في فلسطين المحتلة عام 1948 ، إلا أنهم كانوا يرفضون ذلك ويخافون من الحديث معي كوني أمثل صوت فلسطين التابع للحكومة الفلسطينية ، وهم تابعين لوزارة الداخلية الإسرائيلية ، ولكنني كنت أغطي بعض فعالياتهم بطريقة غير مباشرة سعيا مني لربط تطلعات وأماني وهموم كل أهل فلسطين ببعضها البعض . فمثلا كنت أذيع فعاليات اللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية في الجليل والمثلث والنقب والساحل الفلسطيني ( فلسطين المحتلة عام 1948 ) ، وواصلت إذاعة نشاطات بلدية الناصرة العربية ، وبلدية أم الفحم ، وكفر قاسم ، وبلدية شفا عمرو ، وبلدية سخنين وسواها من البلديات والسلطات المحلية العربية . وكنت أشارك في ورش العمل والحلقات الدراسية المخصصة لمناقشة قانون الحكم المحلي والهيئات المحلية والانتخابات المحلية وما إليها . وأنظم حوارات شاملة وجامعة عن هيئات الحكم المحلي في مختلف المدن الفلسطينية ذات البلديات الكبرى مثل غزة ونابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية ورام الله والخليل وبيت لحم ورفح وخانيونس ودير البلح هذا بالإضافة إلى الهيئات المحلية للبلديات المتوسطة مثل سلفيت ويعبد وعرابة وبيت ساحور ومجالس قروية صغيرة في مختلف محافظات الوطن الفلسطيني . وكذلك سلطت الأضواء كثيرا على الاتحاد الفلسطيني للهيئات المحلية في فلسطين ، الذي يترأسه رئيس بلدية كبرى من البلديات الفلسطينية وتم تسليط الأضواء أيضا على مجلس الإسكان الفلسطيني والمجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والاعمار ( بكدار ) . لقد كان صلب هذا البرنامج يلامس هموم ومشكلات وتطلعات المواطنين والهيئات المحلية على السواء ، من مشاريع وخدمات وشبكات مياه وشبكات طرق وشبكات صرف صحي ومواصلات وتراخيص أبنية ، واهتمام ودور مجلس التنظيم الأعلى التابع لوزارة الحكم المحلي ، وآلية تشكيل الهيئات المحلية الفلسطينية . وباختصار كان هذا البرنامج يهتم بقضايا الحكومات المحلية الفلسطينية باعتبارها السلطة التنفيذية الثانية بعد الحكومة المركزية الفلسطينية في البلاد .
3. برنامج التعليم العالي
( في رحاب الجامعة ، جامعاتنا ، قضايا تعليمية وشبابية )

وهي برامج تهتم بشؤون التعليم العالي والتربية والتعليم والشباب ، في غالب الأحيان كان البرنامج فرديا للتعليم العالي ( في رحاب الجامعة أو جامعاتنا ) وأحيانا مضاعفا بشكل ثلاثي للتربية والتعليم ، والتعليم العالي ، والشباب . ويتألف البرنامج الذي كانت مدته الأسبوعية 45 دقيقة ، من العنوان والكلمة الأولى والأخبار والفعاليات التعليمية والشبابية ، وملف العدد ، وحوارات ولقاءات ميدانية وهاتفية واستضافة في الأستوديو لمن يستطيع الحضور من المعنيين بالأمر وخاتمة البرنامج ، إضافة للموسيقى الملتزمة التي تفصل الفقرات المذاعة عن بعضها البعض . وقد اكتسبت خبرة طويلة وكثيفة في شؤون التعليم العام والتعليم العالي والشباب عبر الإشراف على هذه المواضيع عدة سنوات متواصلة . وكانت هذه البرامج منوعة بصورة كبيرة مهنيا وحزبيا وطلابيا ورسميا وشعبيا . وكانت هذه البرامج تعتمد على المهنية الأكاديمية والتعددية السياسية والنقابية الجامعية ، فكنت أجري مقابلات وحوارات حسب الحاجة والفعاليات الجامعية مع رؤساء الحركات والكتل الطلابية الوطنية والإسلامية التي تضم : حركة الشبيبة الطلابية ، والكتلة الإسلامية ، والجماعة الإسلامية ، وجبهة العمل الطلابي وكتلة الوحدة الطلابية وغيرها . والتركيز كان منصبا على النشاطات والفعاليات للكتل الثلاث الأولى ( حركة الشبيبة والكتلة الإسلامية والجماعة الإسلامية ) كونها هي الأكثر جماهيرية التي تقود المسيرة الطلابية في مؤسسات التعليم العالي بحق وحقيق . وكانت هناك فقرة ثابتة عن المؤلفات الجامعية ورسائل الماجستير والدكتوراه ، ولقاءات طلابية متنوعة ومتعددة . وكنت أنقل وأذيع فعاليات ونشاطات الوزارات الثلاث المعنية بالأمر وهي : التربية والتعليم والتعليم العالي والشباب والرياضة ، مع التركيز على وزارة التعليم العالي كون البرنامج في غالب الأحيان كان برنامجا جامعيا . وكذلك كان البرنامج يتضمن مشاركات وفعاليات رؤساء الجامعات الفلسطينية كافة من الجامعات الحكومية والعامة والخاصة وكليات المجتمع جميعها تقريبا ، وحوارات ونشاطات نقابات العاملين في الجامعات الفلسطينية .

4. برنامج شئون عمالية

وهو برنامج أسبوعي ، من أوائل البرامج الإذاعية التي قدمتها عبر أثير صوت فلسطين ، يعالج البرنامج شؤون وزارة العمل الفلسطينية ، أخبارها ونشاطاتها وفعالياتها وقانون العمل الفلسطيني ، ومسائل العمل في الإسلام ، وقضايا ومطالب وهموم الحركة العمالية الفلسطينية في الماضي والحاضر والمستقبل ، وعلاقات الحركة العمالية والنقابات والاتحادات العمالية الفلسطينية مع منظمة العمل العربية ومنظمة العمل الدولية ، والاتحادات العمالية العالمية ، وعلاقات الاتحادات العمالية الفلسطينية مع نقابة العمال اليهودية ( الهستدروت ) . ويستضيف البرنامج الذي مدته 30 دقيقة أسبوعيا كلا من وزير العمل وبعض طاقم الوزارة والنقابيين وأصحاب العمل . وكثيرا ما كنت أعد حلقة ثلاثية الأبعاد : وزير العمل ، د. سمير غوشه ، أو رفيق النتشه ، وممثل عن الاتحاد العام لعمال فلسطين ، أو الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين ، وممثل عن أصحاب العمل . وكانت الحوارات واللقاءات النقابية تشمل رؤساء وأعضاء حركة الشبيبة العمالية ، مثل حيدر إبراهيم من جنين وشاهر سعد من نابلس ، أو راسم البياري من غزة وأعضاء اللجنة التنفيذية للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وكنت أستضيف كذلك رئيس النقابة الإسلامية العامة النقابي حسين أبو كويك ، وهي نقابة تابعة لحركة حماس . وكان للمرأة العاملة والنقابة حصة لا بأس بها في هذا المجال حيث كنت أستضيف النقابيات في دائرة شؤون المرأة بالاتحاد العام لنقابات العمال في فلسطين من مختلف الاتجاهات والمشارب النقابية السياسية حسب طبيعة الحدث والفعاليات .

5. برنامج محطات عمالية

هذا البرنامج كان برنامجا مميزا فهو برنامج يومي مدته تتراوح ما بين 7 – 10 دقائق ، يبث يوميا قبل الساعة السابعة صباحا ، كنت أعده وأقدمه وأخرجه وحدي ، ويقوم المهندس المشرف بتسجيله بعدة حلقات كأن تكون ثلاث حلقات أو خمس حلقات حسب وقت الأستوديو ومواعيد الحجز اليومي لتبث تباعا حسب مواعيد بثها الزمنية اليومية ، بمادة إعلامية موجهة للحركة العمالية في القطاعين العام والخاص ، في شتى المواضيع العمالية المهنية والنقابية .
وكنت أركز فيه على المواضيع العمالية من وجهة النظر الإسلامية ، حسب القرآن المجيد والسنة النبوية المطهرة . فقال لي بعض المسئولين الكبار والصحافيين في الإذاعة وخارجها إنك حطمت ماركس ولينين والنظرة الشيوعية والاشتراكية للعمل عامة وخاصة ، وحولتها لمنهج إسلامي عريض . قلت لهم نعم إن الإسلام العظيم دين البشرية جمعاء وهو شامل وجامع وكامل متكامل أعطى الجميع حقه من العامل وصاحب العمل والنقابي ، والمسئولين جميعا وفق منهجية ورؤية إسلامية إبداعية خلاقة . وقد أرهقني هذا البرنامج الذي بث لعدة دورات برامجية ، فكنت أسجل له عدة حلقات يومية مستقبلية لتحاشي النقص أو التعرض لمنع دخول مبنى الإذاعة من حواجز الاحتلال اليهودي في فلسطين ، وسبب لي بعض المتاعب مع المسئولين في الإذاعة والوزارات الفلسطينية حيث كنت ناقدا بصورة بناءة للأخطاء بصورة مباشرة وتلميحا وتصريحا دون ذكر الأسماء طبعا واللبيب بالإشارة يفهم . واذكر بعض الحوادث التي نتج عنها بعض المشكلات ، ففي ذات مرة أعددت حلقة عن وزارة المالية وديوان الموظفين العام وانتقتهم انتقادا لاذعا لتأخرهم في صرف مستحقات الموظفين من الحكومة الفلسطينية عموما وفي هيئة الإذاعة والتلفزيون خصوصا ، وتتمثل تلك المستحقات المالية لشهور عديدة للموظفين ، وعدم احتساب بدل مواصلات كليا أو بصورة جزئية حقيقية ، وضياع ملفات موظفين هنا وهناك فأصبح بعض الموظفين التي تاهت ملفاتهم طريقها في وضع يرثى له ، فهاتفت وزارة المالية وطلبت منها حل مشكلات هؤلاء فقالوا إنها ليست لدينا ، فقلت لهم سأطرح الموضوع بقوة على منبر إذاعة صوت فلسطين الحكومية وتتحملون المسؤولية فقال وكيل وزارة المالية ممتعضا من الوضع الظالم لهؤلاء الموظفين الغلابى مشجعا لي : إذا لم تخرب فلن تعمر ؟ فهمت الرسالة أن وزارة المالية غاضبة وممتعضة من ديوان الموظفين الذي كان يماطل في حل المسائل الإدارية والمالية العالقة للعاملين في القطاع الحكومي وخاصة هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية . ثم هاتفت ديوان الموظفين العام ، فتنصل رئيس ومدراء الديوان من الأمر ، ورفضوا الحديث معي كممثل لصوت فلسطين ومشرف على برنامجي العمل للعاملين في القطاعين العام والخاص . فأعددت المادة الإعلامية المطلوبة بصورة علمية ومهنية دقيقة لائقة ومدروسة فعليا ، وسجلتها لتبث في صباح يوم لاحق ، فكانت هجوما لاذعا مباشرا وغير مباشر في الوقت ذاته على وزارة المالية وديوان الموظفين العام . وبثت المادة التي مدتها 10 دقائق في صباح يوم من الأيام وسمعها الكثير من المسئولين والموظفين ، في الهيئة وخارجها ومن بينهم مدير عام البرامج في الإذاعة يوسف القزاز رحمه الله ، فاستشاط غضبا وأخذ يسب ويزمجر علي وأنا لم أكن في الإذاعة أصلا ، بل كنت في البيت فالساعة مبكرة ، وما لبث أحد المهندسين المشرفين على بث النوبة الصباحية في الإذاعة أن اتصل بي مهاتفة صباحية على جوالي النقال ، وقال لي القصة بكاملها ، وأوصاني دير بالك ؟ قلت له الله هو الستار ولا تخف فنحن لم نعمل شيئا خطئا بل هو عين الصواب !! ولا نبالي بغضب هذا وزعل ذلك فليحلوا مشكلة الموظفين العالقين بين وزارة المالية والديوان . وقد طلب منه مدير البرامج مادتي المذاعة فقال له المهندس أنه أتلفها كليا بعد بثها وسجل عليها مادة أخرى تضامنا معي وإنقاذا لي من موقف رسمي مضاد قد يؤذيني ، لأنني أنتقدت الحكومة الفلسطينية من إذاعة صوت فلسطين الحكومية وهو برأي مدير البرامج بالإذاعة خطا أحمرا لا يجوز تجاوزه ولكنني تجاوزته بعد ضياع حقوق الكثير من العاملين ولم أخف في الله لومة لائم مهما كان موقعه وصلاحياته . وعندما حضرت لأستوديو الإذاعة ناولني المهندس مادتي الإعلامية التي خبأها لي . لقد كان المهندس المشرف على تلك الفترة الإذاعية الصباحية صديقا حميما لي ، ومن مؤيدي طرق الموضوع بقوة أمام وزارة المالية وديوان الموظفين ويعرف أن لا ناقة ولا جمل لي في تلك المسالة وجل همي هو تحقيق حقوق العاملين المظلومين والمغلوبين على أمرهم . وعندما وصلت لمبنى الإذاعة في رام الله ، وكنت على علم مسبق بصياح وغضب مدير البرامج في الإذاعة ، فبادرت بالسؤال أين مدير البرامج الإذاعية الذي يسب ويشتم دون وجه حق ؟ تلاقينا أنا وهو على درج الإذاعة في الطابق الثالث ، وقلت لها مالك غضبان ومستفز ؟ والمادة التي تصيح عليها هاهي معي ، وإذا رغبت فسأعطيها لك غدا وليس اليوم ، وافعل ما تريد ؟ فأنا أدافع عن مظلومين ، وطرقت أبواب المعنيين فلم يجيبوا على أسئلتي ولدي برنامجين عماليين معتمدين من دائرة البرامج بالإذاعة بصورة رسمية لمتابعة شئون الموظفين والعاملين في القطاعين العام والخاص . هدأ روعه ، عندما قلت له إن المادة لدي وسأطلعك عليها ، وفتر غضبه وهدأ وقال لي لقد استعجلت الأمور ، ولن أفعل شيئا ضدك فأنت على حق ، ولكن لا يجوز انتقاد الحكومة انتقادا لاذعا بهذه الطريقة المباشرة ؟ قلت له هذا ما كان وأنا مصر على موقفي ، ولن يغير موقفك المعارض لي من موقفي الثابت شيئا . تركني وذهب في حال سبيله ، واخذ يتمتم ، ويقول لمن حوله : من يدعم كمال علاونه هذا في السلطة ، حتى أنه يجادل ولا يخاف أحدا ؟؟ سمعته وقلت له إن من يدعمني هو ربي الله سبحانه وتعالى ، ولست بحاجة لدعمك ولا دعم أحد غير الله العزيز الحكيم جل جلاله ؟ ذهب مدير البرامج ، وأصبحت قصة وحدث اليوم في الإذاعة قصتي ، ولم يتخذ أي عقاب ضدي نبل على العكس من ذلك ، تم حل مشكلة جميع الموظفين الذين أعطيت أسماءهم وأرقام وظيفتهم لرئيس ديوان الموظفين العام في غزة ، بناء على اتصاله الهاتفي ، ووعدني بحل كل القضايا التي أعطيته إياها على الهاتف عندما طلبني بمبادرة هاتفية منه ، وحل كل المشاكل العالقة لعشرة موظفين في الإذاعة خلال ثلاثة أيام فقط ، من رواتب ومعاشات شهرية متأخرة لنحو سنة لبعض الموظفين ، وبدل مواصلات لمن لم يتقاضاها ، وبدل مواصلات حقيقي لمن يفتقد ذلك ، وكان أن شكرني زميلين لي في الإذاعة على تصرفي ذلك الذي تسبب في تعجيل زواجها حيث كانا خاطبين بعضهما البعض وكانت لهما مبالغ مالية كبيرة على وزارة المالية الفلسطينية فقبضا مستحقاتهما إثر ذلك وتزوجا .

6. برنامج مؤسساتنا

هذا البرنامج الإذاعي في صوت فلسطين أعددته كحوارات أو لقاءات هاتفية أو ميدانية في شتى المجالات والميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولإعلامية ، وكانت مدته 15 دقيقة ويذاع ثلاث مرات أسبوعيا ، ثم تحول لمرتين أسبوعيا . وهو برنامج إذاعي مختص بشؤون الوزارات والدوائر والهيئات والمؤسسات الحكومية والهيئات العامة والخاصة على السواء . فقد سلط الضوء على وزارات كثيرة ، ومراكز أبحاث عديدة ، ونقابات واتحادات مهنية وعمالية متعددة ، ولاقى رواجا كثيرا إلا أنه كان متعبا لي ، كونه يبث عدة مرات في الأسبوع . فقد نالت العديد من المؤسسات نصيبها من التفعيل الإذاعي الإعلامي المبرمج ، وبعض هذه المؤسسات أخذت حلقتين على مدار أسبوع واحد متواصل . وكان الكثير من المسئولين الفلسطينيين يعتب علي في التأخر عليه في طرق باب الوزارة أو الدائرة أو المؤسسة ، فمدة البرنامج محدودة ، ومادته زخمة كنت ألاقي في تهيئتها صعوبة بالغة فيجب علي أن أعرف خفايا الوزارة أو النوادي الاجتماعية أو المؤسسة لتوجيه الأسئلة الصحيحة ، وبعض الأسئلة كان ينبثق من بعض أجوبة المستجوب في الحلقة الإذاعية .
ويمكنني القول ، إن برنامج مؤسساتنا ساهم في ترابط الكثير من المؤسسات بصوت فلسطين ، عبر الحوارات واللقاء التي نظمتها مع عشرات المؤسسات والهيئات الحكومية منها نواد اجتماعية شبابية ، ومراكز بحثية علمية ، وجمعيات خيرية ، ومؤسسات واتحادات شعبية طلابية ونسائية . وكنت أعاني كثيرا من مماطلة بعض المسئولين وعدم التزامهم بالمدة الزمنية المحددة سلفا لهم ، فمثلا أجريت مرة لقاء مع عبد العزيز شاهين وزير التموين ، عبر الهاتف ، أنا من أستوديو الإذاعة برام الله وهو من غزة ، وقلت له إن مدة البرنامج 15 دقيقة والمطلوب منك الحديث والإجابة على الأسئلة بما لا يتجاوز 13 دقيقة فقط ، فأخذ يتحدث ويتحدث ولا أوقفه بتاتا وبلغ طول الحوار 29 دقيقة ، فاضطررت أن اقسم الحديث الإذاعي على حلقتين ، مما تسبب في أخذ وزارته نصيب غيرها من الوزارات والمؤسسات في حلقة ثانية . وهذا كان يسبب لي إشكالا كبيرا في عدم امتثال المتحدثين بوقت البرنامج المعين سلفا ، وكان يتعبني ويتعب المهندس المشرف على التسجيل في الإنتاج والتجهيز ، خاصة وأنه لم يكن البرنامج الوحيد الذي أعده وأقدمه بل كانت هناك برامج أخرى متعددة ومتنوعة الأهواء والمشارب . وكل شخص يقول إن مؤسسته فعالة وكبيرة تستحق أكثر من حلقة واحدة . وفي حلقة إذاعية أعددتها عن الجهاز المركزي للإحصاء ، عاتبني وزعل رئيس الجهاز آنذاك وهو د. حسن أبو لبده بسب تأخري على تسليط الضوء على الجهاز للحلقة الخامسة عشر وقد أضطررت لاحقا أن لا أعيده في دورات برامجية أخرى لأسباب فنية ومهنية وأنانية بعض المسئولين الراغبين في الحديث بكثرة عدة مرات في البرنامج ، وكذلك عدم التزام البعض الآخر بالمواعيد المحددة والزمن المحدد لهذا البرنامج الحيوي الهام إعلاميا ، فلمست بدلا من أسلط الضوء على هذه المؤسسة أو تلك ، سأتخاصم مع بعضهم ، الأمر الذي كنت أرفضه رفضا باتا .

7. برنامج نافذة على الوطن العربي

اهتم هذا البرنامج بشؤون الوطن العربي الكبير من المحيط الأطلسي حتى الخليج العربي ، وكانت مدته 30 دقيقة أسبوعية ، ويبث مساء بعد ساعات صلاة المغرب ، وهو برنامج شامل جامع سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وحضاري ، وقد أعددته وقدمته وأخرجته وحدي وكنت أسجله في أستوديو الإذاعة في رام الله ، عندما كنت موظفا في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية وطالبا لدرجة الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة في جامعة بير زيت في الوقت ذاته حيث كنت متفوقا في تلك الدراسة وحصلت على تقدير عام جيدا جدا ( 85 % ) من الجامعة . وكانت مادة البرنامج تتمثل في الكلمة العربية الأولى ، تتناول موضوعا معينا ، وأتولى إعداد أخبار عربية من هنا وهناك ، من وكالات الأنباء والصحف والإذاعات ومحطات التلفزة ، وكنت أسجل بعض الحوارات مع رؤساء دول عربية أو نوابهم أو قيادات عربية شعبية وحزبية مرموقة من إذاعة مونت كارلو وغيرها مما يهم برنامجي العربي المتخصص . وقد سعدت بهذا البرنامج كوني كنت ممارسا ودارسا للسياسة العربية المتعددة الأشكال والوجوه . فتارة أخصص البرنامج ، عن فلسطين ، وتارة عن العراق وتارة عن تونس أو المغرب أو لبنان أو سوريا أو السعودية والأماكن المقدسة أو الإمارات العربية المتحدة أو قطر أو غير ذلك . وكنت أهتم بإدارج وقائع المؤتمرات العربية في برنامج ( نافذة على الوطن العربي ) فكانت نافذة واسعة وفسيحة . ولكن سياسة الإذاعة يبدو أنها لم يرق لها ذلك ، فقد كنت أنا ارسم سياسة برامجي ، وخاصة هذا البرنامج الحساس في الإذاعة كونه يتناول كل ما هو عربي ، دون قيد أو شرط ، فتوقف في الدورة اللاحقة .

8. برامج خاصة

تشتمل البرامج الخاصة على ذكرى مناسبات وطنية وإسلامية متعددة طوال العام ، وهذه البرامج كانت موسمية ليوم واحد مثل يوم إنطلاقة الثورة الفلسطينية في 1 / 1 / 1965 ، وإنطلاقة البث الإذاعي الفلسطيني من أريحا في 1 / 7 / 1994 ، ويوم الشهيد الفلسطيني في 7 / 1 سنويا ، ويوم الشجرة أو التخضير الفلسطيني في 14 / 1 سنويا ، ويوم المرأة العاملة العالمي في 8 آذار ، ويوم الأم في 20 آذار ، ويوم الأرض في 30 آذار سنويا ، ويوم الأسير الفلسطيني 17 نيسان ، ويوم العمال العالمي في 1 / 5 سنويا ، ويوم الطفل العالمي ، ويوم الصحافة العالمي ، ويوم الاستقلال الفلسطيني في 15 / 11 سنويا ، وذكرى تقسيم فلسطين الظالم في 29 تشرين الثاني سنويا ، ويوم المعلم الفلسطيني في 14 كانون الأول سنويا وغيرها من المناسبات الثابتة والطارئة . هذا بالإضافة إلى البرامج الخاصة بالمناسبات الإسلامية التي سبق ذكرها في البرامج الإسلامية .
وكانت تتم معالجة هذه البرامج باستضافة شخصيات معنية ، وإعداد مادة إعلامية خاصة عن تلك المناسبة أو الحدث ، لتعريف المستمعين بها ، وتذكير الناس بها أولا بأول .

علاقة إذاعة صوت فلسطين في أرض الوطن
وصوت فلسطين في المنفى

بدأ صوت فلسطين صادحا في أريحا في 1 تموز 1994 ، بينما بدأ بث صوت فلسطين – صوت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1965 ، ثم بعد إنشاء الثورة الفلسطينية المقاتلة عامة وإنطلاقة حركة فتح تم إنشاء صوت فلسطين ( صوت العاصفة ) ثم تطور ليصبح صوت فلسطين – صوت الثورة الفلسطينية حيث بدأ بثه من القاهرة بتعاون مصري - فلسطيني عام 1968 . وكان عدد العاملين بصوت فلسطين في القاهرة أربعة أشخاص بينما بلغ عدد العاملين في صوت فلسطين في أريحا في ارض الوطن الفلسطيني 15 صحافيا ومهندسا بالإضافة إلى 7 إداريين في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطيني .
وما أن بدأ صوت فلسطين في أريحا حتى بدأت الوفود الإعلامية الفلسطينية من المنفى تعود مع العائدين من أبناء الثورة الفلسطينية من المنفى بعد توقيع اتفاقية القاهرة في 4 أيار 1994 بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني . وكان أول الغيث قطرة فقد التحق أحد الذين كانوا بصوت الثورة الفلسطينية في بغداد وهو ( أبو نيسان ) من نابلس حيث جاء لصوت فلسطين وبدأ يعد النشرات الإخبارية مع الصحفيين الفلسطينيين الأوائل ويذيع بعض النشرات الإخبارية ، إلا أنه سرعان ما ترك العمل الإذاعي لأسباب اقتصادية وإدارية إذ لم تجري عملية اعتماده في الهيئة ليكون موظفا جديدا وتأخر اعتماده وأصبح كغيره ينفق على نفسه ذهابا وإيابا من نابلس إلى أريحا لعدة أسابيع وهذا أمر لمن يكن يطاق لدى البعض ولديه أيضا ، فترك الإذاعة وذهب في حال سبيله كما كان البعض الآخر ممن جاء والتحق بالإذاعة حيث أراد العودة لبيته فلم يكن هناك اعتماد مالي لجميع الموظفين إلا لاحقا وهذا خلل فني وإداري في الوقت ذاته ، وتأجيل من ديوان الموظفين في غزة الذي كان يماطل اليوم تلو الآخر والأسبوع تلو الأسبوع مما أرهق الموظفين الجدد المفترضين في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية .
ثم توالت أسراب القادمين العائدين من الصحافيين إلى فلسطين فجاء أكثر من عشرة مذيعين ممن كان يعمل في صوت فلسطين وفي مجلة فلسطين الثورة ووكالة الأنباء الفلسطينية ( وفا ) في المنفى . تعرفت على جميعهم بلا استثناء ، وهناك منهم من أراد أن يساهم في دفة قيادة سفينة هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية فنجح ومنهم من ترك وعاد أدراجه إلى عمله السابق ، بسبب الشح المالي وعدم تنظيم الوضع الداخلي في الهيئة لفترة ليست بالبسيطة امتدت نحو ستة شهور . وقد عين لاحقا بعضهم في مناصب إدارية مهنية مثل مدير دائرة البرامج ، فقد طلب مني ذلك المذيع القديم الجديد في صوت فلسطين في الداخل والخارج أن لا أقول في افتتاحية البرامج ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) يقول لي قل : أسعد الله أوقاتكم ، وصباح الخير ومساء الخير ، وكنت لا ألتزم بكلامه وتوجيهاته الهزلية هذه وناقشته مرة فقلت له لماذا تتصرف هكذا نحن مسلمين ؟ سأقول للمستمعين ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، واسعد الله أوقاتك ، أو اسعد الله صباحكم ، أو اسعد الله مساءكم ، وطبتم وطابت أوقاتكم فهذه تحيات إسلامية ، ولن أنفذ والتزم بما تقوله لي ، صباح الخير ومساء الخير قل ذلك أنت وحدك فغضب وتمتم في نفسه وعقله تمتمات لم أفهمها ولكنني فهمت المعنى والمغزى العلماني له واستوعبت الرسالة بصورة ممتازة ، بأن لا أنفذ له أي طلب له من هذا القبيل ، فنحن بلاد إسلامية مباركة قدسها الله جل جلاله ، وخاطبته قائلا : حتى مذيعي الإذاعة الإسرائيلية يقولون السلام عليكم ورحمة الله فما بالنا نحن المسلمين الفلسطينيين لا نقول لمستمعينا تحية الإسلام العظيم ، تركني وشأني بعدما زهق مني ، ولم أنفذ طلباته . وعلى الجانب الآخر كنت أحرض زملائي المذيعين ومعدي ومقدمي البرامج على إلقاء تحية الإسلام على المستمعين لصوت فلسطين ، وهذا أقل شيء نقوله لمستمعينا الأعزاء الكرام .
وفي إحدى المرات ، ذهبت لإجراء لقاء إذاعي ، مع الدكتور منذر صلاح رئيس جامعة النجاح الوطنية في نابلس ، وهو أول لقاء لبرنامج في رحاب الجامعة بعد انتهاء فترة البث التجريبي وبداية البث الرسمي للإذاعة ، وكنت أكن لجامعة النجاح الوطنية كل تقدير واحترام فهي الجامعة التي تخرجت فيها في نيسان عام 1986 من قسم العلوم السياسية والصحافة ، وتخرجت منها زوجتي كذلك من نفس التخصص والقسم بعدي لاحقا ، فأردت أن أسلط الضوء عليها ، أجريت اللقاء الإذاعي المعد والمنسق له سلفا مع إدارة جامعة النجاح الوطنية ، وأردت أن أبدا بالبرنامج بداية مهنية قوية ، وكان لقاء لمدة نحو 12 دقيقة حول نشأة الجامعة والواقع الراهن وخططها وبرامجها ومشاريعها المستقبلية وما إلى ذلك ، وأصر د. منذر أن يضيفني شيئا ، فقال هل تشرب شاي أو قهوة أو عصير ؟ فقلت له لا لن أشرب شيئا وأرجوك أن تعفيني ؟ كان ذلك يوم ثلاثاء ، فأبيت الضيافة ، لا لشيء سوى أنني كنت صائما في ذلك اليوم ، فطلب لي فنجان من القهوة ، فقلت له لا احتسي القهوة ، ونادى على المراسل وقال له أحضر كوبا من الشاي ، فرفضت أيضا ، وقال لي مالك يا أخ كمال لماذا لا تريد أن تشرب ضيافتنا ، اعتذرت ثانية ، وأصر على معرفة السبب ، قلت له أنا صائم في هذا اليوم ، استغرب وقال ، على أي مذهب أنت صائم اليوم ، فاليوم ليس برمضان ، وما قصتك ؟ ترددت في الإجابة ولكنه أراد أن يأخذ إجابة شافية ووافية ، فقلت له هل تعرف الأيام الثلاثة البيض القمرية ، تذكر وقال نعم ، قلت له أنا أصوم الأيام الثلاثة البيض شهريا من الشهر العربي القمري ؟ يبدو أنه فوجئ بردي المفاجئ ولم يختر على باله من هذه الناحية ، فالسواد الأعظم من الناس يعرفون أن العاملين بالإذاعة والتلفزيون غير متدينين ، فقال تقبل الله صيامك ، لا بأس . لقد كان حديثا شيقا مع رئيس جامعة النجاح الوطنية وديا ومهنيا وأكاديميا في الآن ذاته وقد أذعته عدة مرات في البرنامج الجامعي وفي أوقات أخرى . وبعد أن أنهيت اللقاء مع الدكتور منذر صلاح قال لي هل تعرف الحاج خالد مسمار ؟ فهو كان مذيعا في صوت فلسطين في الخارج ، قلت له أنا لا أعرفه حتى الآن ، ولكنني أسمع عنه كثيرا ، فسوف التقيه لاحقا إن شاء الله تبارك وتعالى . وعندما انتقل عمل هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية إلى رام الله ، جاءت شخصية إذاعية مرموقة لمبنى الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية ، لقد كان العميد الحاج خالد مسمار ، مسئول التوجيه السياسي والوطني والمعنوي في الأمن الفلسطيني في الضفة الغربية ، تعرفت عليه ورحبت به بحرارة ودعوته للمشاركة في برنامج كنت أعده بعنوان ( قضايا تعليمية وشبابية ) فلبى الدعوة ، وشارك عن طبيعة مهام ودور التوجيه السياسي والوطني والمعنوي في فلسطين ، وكان لقاء عقد في أستوديو الإذاعة في صوت فلسطين برام الله . ثم دعوته في مرات لاحقه ، للحديث عن صوت فلسطين في المنفى ، كونه كان أحد أفراد الفوج الإذاعي الأول المؤسس لصوت فلسطين صوت الثورة الفلسطينية في القاهرة ، وتحدث أيضا في نفس البرنامج صخر حبش عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ، عن إذاعة زمزم 105 في عمان في الأردن في فترة العقد السابع من القرن العشرين الماضي . لقد كان الحاج خالد إذاعيا مميزا وقورا طيب الأخلاق متواضعا ، ومتدينا وهذا ما أعجبني فيه وقريب إليه كثيرا فأصبحنا زملاء وأخوة وكأننا نعرف بعضنا بعضا منذ سنوات طويلة ، إنها لقاءات بسيطة حتى دخل هذا الحاج أبو عبد الله قلبي وأرتحت له ، وكان أبني البكر هلال تعرف عليه ولاعبه واحترمه ، فبقي اسم الحاج خالد في ذهن ابني هلال . وفي إحدى المرات نظمت هيئة التوجيه السياسي والوطني معسكرات صيفية في مختلف مدن الضفة الغربية ومنها مدينة نابلس ، وكان هلال الخطيب والمتحدث باسم أشبال فلسطين في الاحتفال المركزي بمدينة نابلس ، وقد خطب وجاهيا ارتجاليا وحيا فيها الحاج خالد مسمار الذي بقي اسمه راسخا في ذاكرته في ذلك اللقاء السابق ، وقد سر الحاج خالد لهذه اللفتة الكريمة والتحدث عنه أمام احتفال رسمي نظم في مقر الأمن الوطني في سجن الجنيد سابقا أيام الاحتلال الصهيوني من شبل فلسطيني عرفه وألتقاه مرة واحدة ، لقد غرس الحاج خالد حبه في قلب ولدي .

انتقالي من صوت فلسطين
لهيئة التوجيه السياسي والمعنوي الفلسطيني
وتحول النقل والترقية فجأة لوزارة التعليم العالي

بعد مكوثي نحو سبع سنوات صحافيا في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية ، حيث كنت أعد وأقدم العديد من البرامج الفلسطينية الموجهة لقطاعات هامة خاصة وعامة معينة من شعبي الفلسطيني ، وكنت بارا ومخلصا في عملي المهني ، إلا أن الوضع المالي والإداري لم أعد أحتمله ، فقد أنهيت درجة الماجستير في جامعة بيرزيت في الدراسات العربية المعاصرة ، في حزيران 1998 بتقدير جيد جدا ( 85 % ) وسجلت لبرنامج الدكتوراه في جامعة النيلين في العاصمة السودانية الخرطوم بعد إعادتي وإرجاعي مرتين من الأمن المصري عند معبر رفح بقطاع غزة عندما كنت ذاهبا للتسجيل لدرجة الدكتوراه في جامعة الأزهر بالقاهرة ، ضمن وفد رسمي . لقد كانت درجتي الإدارية الوظيفية نائب مدير ، بعد توقيعي قرارا من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يقضي بحصولي على رتبة مدير ( أ ) وتلكؤ إدارة الإذاعة والتلفزيون في تنفيذ هذا القرار إداريا وماليا لعدة سنوات منذ عام 1996 – 2000 . فقد كنت مخلصا في عملي المهني ولكنني كنت أحس بالظلم الإداري والمالي الذي ينتابني ، فقد حصل أشخاص صغار في السن وخريج جديد من إحدى الجامعات ، لا يبلغ عمره 26 سنة على درجة مدير ( أ ) بينما كان عمري في ذلك الوقت 39 سنة ولم أحصل على تلك الدرجة رغم أنني كنت من الفوج الإذاعي الأول المؤسس . وفي ذات يوم من أيام السبت ، تأخرت على الدوام حيث قدمت من نابلس لرام الله وكانت أزمة مواصلات شديدة ، إذا دخلت لوسط رام الله بسيارتي ولم أتمكن من الخروج جراء الأزمة الكبيرة في السير ، فيوم السبت هو أحد أيام الأسبوع الحيوية والغالبية جاء بسيارته للدوام في وزارات ومؤسسات وأجهزة الحكومة الفلسطينية المدنية والعسكرية ، تأخرت نحو 25 دقيقة بعد الساعة الثامنة صباحا ، وفوجئت في نفس اليوم الذي كنت أجد واجتهد فيه لإعداد مادة إعلامية لأحد برامجي ، وإذا بقرار صادر عن مدير عام الإذاعة بخصم ذلك اليوم كاملا ، ومعاقبة كل من تأخر بما فيهم أنا ، وبأن يبقى كل موظف على رأس عمله في الآن ذاته ، تسلمت القرار ونظرت فيه ولم أعلق شيئا ، فأنا دائما أتاخر بعد الدوام دون احتساب زمني أو مالي لي ، وذلك لإعداد وتقديم البرامج الإذاعية وأخسر زمنيا وماليا من حسابي الخاص ، ولا احد يحسب لي ساعات عمل إضافية ، وبمجرد تأخري رغما عني يتم خصم راتب يوم كامل ، وإصدار أمر بالبقاء داخل مبنى الإذاعة ، قبلت أخذ القرار الظالم بحقي وقلت للموجودين سأغادر المبنى حالا ، طالما خصم يوم كامل ، ولماذا أبقى موجودا قلت ذلك بسخرية ضاحكة ، فاستشطت غضبا من تلك الحادثة ، ومن تزايد الواسطات والمحسوبيات داخل الهيئة وعدم إنصاف الموظفين المظلومين الذين بنوا على أكتافهم هيئة الإذاعة والتلفزيون ، وأردت الانتقال من ذلك المكان الذي أعمل فيه لهيئة التوجيه السياسي والمعنوي ، فنسقت الأمر مع مدير عام الإذاعة فرفض في بادئ الأمر ، وقال لي لن نستغني عنك ، وأبقى معنا في الإذاعة ، فنحن بحاجة لك ، وإذا كنت تضايقت من خصم يوم العمل سنرجعه لك ، فقلت له لقد تحملت التعب والمشاق والظلم سنوات كثيرة ولن أبقى موظفا رسميا ، وإذا أردتم سأبقى متطوعا في الإذاعة فقط وليس كموظف ، تردد في البداية وقال لي إذا أردت أن تخرج من الهيئة فلن نوافق على خروجك باعتمادك المالي فامتعضت وقلت له هذا حق من حقوقي البسيطة ، وأقنعته بالانتقال من صوت فلسطين باعتمادي المالي ، فأنا أتابع مسيرة التعليم العالي والحصول على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية وبحاجة لوظيفة ، والوظيفة في هيئة التوجيه السياسي بسبب طبيعتها أكثر ملائمة لي من العمل الإذاعي المرهق ، والذي تكثر به المزاجية من بعض المسئولين ، وعدم إنصاف الموظفين ومتابعة أمورهم من الشؤون الإدارية . وقال لي طيب سأوافق لك بناء على طلبك ، ولكن إذهب وأت بموافقة من الهيئة أو المكان الذي ترغب بالذهاب إليه لاستيعابك في مؤسسات الحكومة الفلسطينية ، ذهبت ونسقت مع الحاج العميد خالد مسمار ، فنصحني بالبقاء في الإذاعة وعندما أصررت على تركها كموظف ، وافق بناء على طلبي ذلك ، ولكنه لم يكن يخفى تذمره من تعامل إدارة الإذاعة والتلفزيون مع الموظفين بهذه الصورة والطريقة الفجة . صدر قرار من مدير عام الإذاعة بالموافقة على انتقالي بناء على طلبي الشخصي ، وعندما صدر القرار بالتوصية الأولى تمهيدا للتوصية النهائية من رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية للموافقة على مغادرتي العمل الوظيفي في هيئة الإذاعة والتلفزيون استدعاني رئيس الهيئة السيد رضوان أبو عياش ، وقال لي ما بك يا كمال ؟ لقد بدأنا العمل في الهيئة سويا ، قبل نحو سبع سنوات ولماذا ستتركنا ، ونحن بحاجة إليك ؟ قلت له نعم ولكنكم تخليتم عني ماليا وإداريا ! قال لي ما طلبك ؟ قلت له مغادرة الهيئة ، قال لا ولكن ما سبب ذلك ، قلت له الظلم الواقع علي ، وأشخاص من جيل صغير حصلوا على درجة مدير ( أ ) وليس لديهم خبرة في العمل المهني الإذاعي ، وأنا وقع لي الرئيس أبو عمار منذ ست سنوات قرارا بترقيتي لمدير ( أ ) ولم تنفذ ماليا وإداريا ، فقال إبق معنا سننفذها لك ، رفضت طلبه بأدب وقلت له أرجوك أن توافق على نقلي باعتمادي المالي ، رفض ذلك وتحدث مع إدارة الإذاعة لماذا يريد كمال الانتقال فأخبروه بخصم اليوم عني ، وتذمري من بقاء ملفي مجمدا لدى ديوان الموظفين العام دون ترقيه حقيقية مناسبة ، وقال لي سنعيد لك راتب اليوم ، وداوم في الهيئة وقتما تريد وأذهب لبيتك وقتما تشاء دون أن يحاسبك أحد ، ولكن خليك هنا في الهيئة ، فقلت له هذا كان أحد الأسباب بدلا أن ترقوني وتكافئوني تعاقبوني فلن أبقى معكم كليا ؟ عندما لاحظ إصرار ي قال مازحا لن أوافق على نقلك بتاتا ولو طلع في رأسك شجرة وبقرة ؟ ضحكنا جميعا ، وقلت له بل سأنتقل إن شاء الله تعالى ، برضاكم أو بعدم رضاكم ؟ قلت ذلك مازحا وجادا في الوقت ذاته . وهذا ما كان لاحقا . ثم بعد ذلك صدرت الموافقة على نقلي من هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية لهيئة التوجيه السياسي والمعنوي في الأمن الفلسطيني وذهب ملفي لديوان الموظفين العام ، وهناك تم إخفاء الملف للحيلولة دون نقلي وبقائي في الإذاعة . وتابعت الأمر مع ديوان الموظفين فقالوا إن ملفك ضائع وغير موجود فقد علمت من بعض الموظفين في ديوان الموظفين أن ملفي تم إخفائه عن عمد وسبق الإصرار لمنعي من الانتقال رسميا للتوجيه السياسي والمعنوي . على أي حال ، ذهبت بعد مراجعتي لديوان الموظفين العام في رام الله ، إلى مقر وزارة التعليم العالي لإجراء لقاء وحوار إذاعي مع الأستاذ الدكتور منذر صلاح وزير التعليم العالي آنذاك بناء على ترتيب موعد مسبق . أبلغت سكرتيرة الوزير بقدومي فقال لها دعيه يتفضل ويدخل . دخلت وسلمت وصافحت الوزير بحرارة ، وبادلني نفس الشعور . ويبدو أنه كان لديه علم بقضيتي الجديدة وهي الانتقال الرسمي من الإذاعة إلى هيئة التوجيه السياسي والمعنوي ، فوقف قائلا : أترك الحوار واللقاء الإذاعي جانبا الآن ، وأريدك أن تكون معي في الوزارة مديرا للعلاقات العامة ؟ فوجئت صراحة من هذا الطلب المفاجئ الذي لم أكن أتوقعه ؟؟ تماسكت وقلت للوزير ولكن صدر قرار جديد لي وهو في ديوان الموظفين للتنفيذ يقضي بانتقالي لهيئة التوجيه السياسي والمعنوي ، فقال لا عليك ، سأتدبر الموضوع ودعه علي ، ولكن أريد موافقتك على العمل في الوزارة ؟ قلت له أنه يشرفني أن أعمل مع كفاءة علمية وسياسية عالية ورفيعة مثلك ؟ ولكنني أنا مسجل في درجة الدكتوراه في العلوم السياسية بجامعة النيلين بالخرطوم السودانية ويمكن أن يؤخرني ذلك عبر عملي كمدير للعلاقات العامة ، فقال لي لا تخف ، كل الأمور سيتم تدبرها ، ولكن أعطني موافقتك فقط ؟ فقلت له لدي قرار من الرئيس أبو عمار بترقيتي لدرجة مدير ( أ ) فقال سننفذها لك إن شاء الله بعد موافقتك ؟ فقلت له موافق على العمل معك . ويسرني أن أعمل مع رئيس جامعتي السابق التي تخرجت فيها سابقا وهي جامعة النجاح الوطنية . وما هي إلا أيام حتى صدر قرار واحد مزدوج في 18 حزيران عام 2000 يقضي بنقلي وترقيتي بناء على قرار رئاسي سابق لمنصب مدير العلاقات العامة في وزارة التعليم العالي ، وترقيتي لدرجة مدير ( أ ) بناء على توصية وتنسيب رسمي من وزير التعليم العالي أكرمه الله العزيز الحكيم ، وذلك بعدما توقف قرار التنفيذ مدة ست سنوات متواصلة دون وجه حق في ديوان الموظفين العام . وبدأت العمل مديرا للعلاقات العامة في وزارة التعليم العالي اعتبارا من 4 تموز 2000 ، مع بقائي مذيعا وصحفيا متطوعا في صوت فلسطين بناء على طلب الوزير للاهتمام بالركب الجامعي الذي تشرف عليه الوزارة في فلسطين ، واعتبار العمل الإذاعي للتعليم العالي جزءا من صلب العلاقات العامة ، ولتوجيه البرنامج الأكاديمي مني كوني إداري ومهني في الوزارة ، وكذلك بناء على طلب مسبق أيضا من مدير عام الإذاعة لتجنب حدوث فراغ مهني في برنامج هام في الإذاعة يعنى بشؤون التعليم العالي والجامعات والطلبة الفلسطينيين . وقد فوجئ جميع العامين في الإذاعة من هذا القرار المزدوج الجديد الصادر عن الرئيس الفلسطيني بنقلي وترقيتي وبارك لي الجميع بهذا الوضع الجديد .

وصايا لهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية

هناك عديد الوصايا التي أرتأيت أنها ضرورية لتفعيل وتطوير فعاليات هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية ، من الإدارة والصحافيين والمهنيين والمهندسين وجميع العاملين فيها ، فعدد العاملين بالهيئة يناهز 1200 موظف وموظفة في شتى الأقسام الإدارية والمالية والفنية والمهنية والهندسية منهم نحو 150 في الإذاعة . وينبغي التذكر دائما أن الهيئة في الصف الأمامي للجهاد الإعلامي ضد الأعداء وتعبئة الشعب الفلسطيني تعبئة عربية إسلامية حقيقية ، للذود عن حمى الوطن وعدم الاتجاه نحو قضايا إعلامية هامشية ، فالصراع الأول والأخير مع الاحتلال الصهيوني ، ومن أهم هذه الوصايا :
1. توظيف المختصين والإعلاميين الفلسطينيين المدربين ، من حملة الشهادات الجامعية المختصة من خريجي الجامعات الفلسطينية من صغار السن لتجديد الدم في عروق وشرايين الهيئة . وكذلك الإبقاء على الكوادر الإعلامية المبدعة وعدم المحاباة وإتباع سياسة المصداقية والشفافية ، وإنصاف جميع العاملين وتلبية احتياجاتهم .
2. الإكثار من البرامج الإسلامية والعربية والفلسطينية الموجهة لكسب الرأي العام الفلسطيني ، وعدم التقوقع في برامج ومسلسلات غنائية هابطة تضر بسمعة الهيئة . بل الإكثار من البرامج الإبداعية . واستمرار التواصل مع الرأي العام عبر إجراء استطلاعات للرأي العام حول الأولويات الإذاعية والتلفزيونية ، والتصرف حسب احتياجات الجمهور في البرامج السياسية والإسلامية والثقافية والفنية والاجتماعية والاقتصادية وسواها .
3. التركيز على الإعلاميين الخبراء في مجالاتهم والابتعاد عن السطحية والعفوية ، والتركيز على المتدينين في إعداد وتقديم البرامج والنشرات الإخبارية ، لزيادة كسب الرأي العام الذي يتلقى ويعتمد في الأخبار والبرامج على الهيئة وكسب مصداقية أكبر ، فوضع المنافسة الإعلامية الحالية بين الإذاعات المحلية والتلفزيونات المحلية وهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية الحكومية كبيرة جدا .
4. إنشاء موقع الكتروني للهيئة ينقل الأخبار أولا بأول ، وينشر ما يتم إذاعته على الهواء وتسجيلا في جناحي الهيئة من إذاعة وتلفزيون . وهذا الأمر يساهم في إيصال البث الإذاعي والتلفزيوني لأكبر مساحة فلسطينية وعربية وعالمية ممكنة بسهولة ويسر .
5. تنويع البرامج والنشرات الإخبارية المتعددة المشارب والآراء وعدم البقاء في بوتقة صغيرة محدودة ، وبناء علاقات طيبة دائمة مع الوزارات والمؤسسات الحكومية والأهلية والعامة والخاصة .
6. عدم الدخول في مهاترات إعلامية وتنابز بالألقاب مع هيئات ومؤسسات إعلامية حزبية فالهيئة هيئة حكومية تمثل جميع أبناء شعب فلسطين في الداخل والخارج ويجب بالتالي أن تتسامى على الجراح ولا تدخل في مساجلات وجدال إعلامي مع غيرها بأي حال من الأحوال .
7. فتح المجال أمام دورات التدريب الإذاعي والتلفزيوني لطلبة الجامعات الفلسطينية التي تخرج أجيال جدد من الصحفيين لانتقاء الأفضل والأكثر خبرة وكفاءة لرفد الهيئة بجيل إعلامي مميز ومتميز بصورة منتظمة . لتكون الهيئة أم جميع الإعلاميين في البلاد .
8. بناء مبنى خاص بهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية يكون مناسبا وملائما لوضع الهيئة . وتطوير استوديوهات البث الإذاعي والتلفزيوني باستيراد الآلات والمعدات الالكترونية الضرورية وتوفير قطع الغيار الاحتياطي منها لوقت الحاجة . وضبط الأوضاع الإدارية والمهنية بصورة أفضل وأكثر تماسكا وودية ومحبة وأخوية .
9. رصد ميزانية سنوية مناسبة وملائمة لفعاليات الهيئة وتمكينها من القيام بدورها على أكمل وجه . وتكون هذه الميزانية متوفرة سيولة لا رصيدا نظريا فقط .
10. الإبقاء على مسيرة التواصل الإذاعي الفلسطيني بين القديم والحديث وتبادل الخبرات العملية والعلمية وعدم البدء من الصفر بل البدء من حيث انتهى الآخرون .
وأخيرا نوصي الجميع بوصايا الله العزيز الحكيم : { وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)}( القرآن المجيد ، العصر ) .
والله ولي التوفيق .
سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
انتهى .