الجمعة، 30 مايو 2008

حوار د. كمال علاونه مع وكالة قدس للأنباء


حوار د. كمال علاونه
مع وكالة قدس نت للأنباء
علاونة لـقدس نت: تهرب إسرائيل من الهدنة يهدف لعدم استقرار الفلسطينيين ورغبتها في استمرار الحصار والقمع التاريخ: 1429-5-20 هـ الموافق: 2008-05-24 20:48:11
أوضاع صعبة يعيشها المواطنون جراء الحصار


غزة- وكالة قدس نت للأنباء

قال الدكتور كمال علاونه أستاذ العلوم السياسية في فلسطين ، إن السياسة الإسرائيلية تتمثل في عملية إبقاء قطاع غزة تحت الحصار العسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والإغلاق الشامل.

و أوضح علاونة في حوار مع وكالة قدس نت للأنباء ، أن هدف رئيس وزراء الإحتلال أيهود اولمرت من طرح قضايا الحدود والمعابر وتبادل الأراضي مؤخرا هو إشعال لهيب الجبهة الداخلية الفلسطينية ، عن مساحة الدولة الفلسطينية وكيفية السيطرة والتحكم بالمعابر ، وتبادل الأرضي ، أين وكيف وبأي وسيلة.

نص الحوار:-

** كيف تنظرون إلى رفض شمل معبر رفح ضمن التهدئة؟

معبر رفح هو البوابة الجنوبية الغربية لفلسطين مع الشقيقة الكبرى مصر فهو المتنفس الجنوبي لأهل فلسطين الأصليين ، حيث يتحكم بمصير نحو مليون ونصف مليون فلسطيني في قطاع غزة هاشم الصامد المرابط في فلسطين المباركة ، فالحدود الفلسطينية – المصرية هي الشريان الرئيس للتواصل مع الوطن العربي والعالم الخارجي في كل شؤون الفلسطينيين القاطنين في هذه البقعة الجغرافية من بقاع فلسطين ، وهذا المعبر هو توأم معبر أريحا على الحدود الفلسطينية الأردنية للمواطنين الفلسطينيين من الضفة الغربية.

وقوات الاحتلال الصهيوني ترفض شمل معبر رفح في التهدئة لعدة أسباب لعل من أهمها : التحكم بمصير الداخلين والخارجين من وإلى قطاع غزة من الفلسطينيين والتحجج بحجج أمنية صهيونية بدعاوى أن المعبر يمكن أن ينقل عبره أشياء تضر بما يسمى بالأمن اليهودي في ارض فلسطين الكبرى و استمرار إذلال الفلسطينيين وإهاناتهم بصورة مباشرة ، فالمعبر يجب أن يكون معبرا حرا مستقلا عن التدخل الاحتلالي . والتملص من التهدئة وذر الرماد في العيون وعدم تمكين أبناء الشعب الفلسطيني من الإحساس بالاستقرار والطمأنينة والأمن والأمان . وكذلك رغبة حكومة الاحتلال في استمرار الحصار والقمع بشكل متواصل عبر استبعاد المعبر من التهدئة . وأصلا لا يوجد تهدئة أو هدنه وكل ما يتواتر عبر وسائل الإعلام هذه عبارة عن أوراق عمل أو مقترحات لم ولن ترى النور إطلاقا كما خبرنا في السنوات العجاف الماضية . وحتى الهدن أو التهدئة السابقة كانت من طرف واحد وهو الطرف الفلسطيني ولم تلقي لها الحكومة الإسرائيلية بالا لا من قريب ولا من بعيد .

** هذا الفشل للتهدئة ماذا يمكن أن نتوقع بعده؟

برأيي السياسة الصهيونية تتمثل في عملية إبقاء قطاع غزة تحت الحصار العسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والإغلاق الشامل المبرمج لخدمة حرب نفسية شعواء تصب جأم غضبها الظالم على أهل فلسطين الأصليين وعدم إتاحة المجال أمامهم لالتقاط الأنفاس ومواصلة الصمود والدفاع عن النفس حيال الإرهاب الصهيوني برا وبحرا وجوا . وقد جرب شعب فلسطين الهدن المؤقتة والتهدئة الجزئية أو الكلية ولكن قوات الاحتلال هي من تخترق في كل مرة هذا الإتفاق أو ذاك ، فهم يتمتعون بصفة أصيلة فيهم وهي النفاق وعدم الصدق والإخلال بالمواعيد والمسائل المتفق عليها فلا مواعيد ولا اتفاقيات مقدسة لديهم ( أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) . والتوقعات القادمة هي الطوفان العسكري والنزال الحربي البري والبحري والجوي ، في عدوان جديد متجدد على محافظات غزة وأهلها ، تتمثل في خطة اجتياح قطاع غزة بالكامل المبرمجة والمعدة منذ زمن ليس بالقصير في الأدراج الإسرائيلية المعدة للتنفيذ حينما تسنح الفرصة الداخلية الإسرائيلية لها . فسياسة الاحتلال هي عدم تمكين الشعب الفلسطيني من الاستراحة وتجديد الدم المقاوم وبناء الذات ، وبهذا فإن التهدئة إذا ما طبقت وأنا أشك في تطبيقها من جانب الاحتلال فلن تستمر طويلا بل لفترة قصيرة لأن هناك خطة إسرائيلية لاجتياح محافظات غزة بالكامل والضوء الأخضر الأمريكي اتضح في مشاركة الرئيس الأمريكي بالذكرى الستين لاقتلاع وتهجير شعب فلسطين خارج وطنه على شكل لاجئين وداخل وطنه على شكل نازحين . لن تكون هناك تهدئة أو هدنة ، وكل من يتوقع غير ذلك فهو واهم أصلا . فالتهدئة حسمبا تفسرها الدوائر الأمنية والعسكرية والسياسية الإسرائيلية ليست لصالحها وخلط الأوراق وجلب الفوضى والدمار والقتل تعني عدم السماح باستقرار الفلسطينيين أينما كانوا وحيثما حلوا .

** التصعيد الإسرائيلي المستمر هل من شانه أن يعيد خلط الأوراق للأسوأ ؟

التصعيد اليهودي – الصهيوني - الإسرائيلي متواصل يوما بعد يوم ، فهذه هي السياسة الإسرائيلية الدائمة الهادفة إلى إعادة خلط الأوراق السياسية والاقتصادية والعسكرية في المنطقة لإبقاء العرب في حالة توتر دائم ، وإلهاء الإسرائيليين في جميع أرجاء فلسطين المحتلة عن مشاكلهم الداخلية ، فخلط الأوراق تجني منه الحكومة الإسرائيلية منافع شتى على الصعيد الداخلي وعلى الصعيد الفلسطيني في الآن ذاته . . والأوضاع المكهربة المتأزمة في الشأن الإسرائيلي تحتم عليهم افتعال صراع مستمر مع الفلسطينيين وخاصة قضايا الفشل في حرب صيف 2006 والفساد المالي والأخلاقي التي تلاحق حكام تل أبيب من قيادات حزب كاديما والمتحالفين معه .

** اولمرت طلب مؤخرا أن يبحث قضايا الحدود والمعابر وتبادل الأراضي ما هي قرأتك لذلك ؟

أيهود أولمرت زعيم حزب كاديما ، ورئيس الوزراء الإسرائيلي يريد إلهاء منافسته تسيفي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية ورئيسة الوفد الإسرائيلي المفاوض مع الفلسطينيين أولا ، ثم إبقاء الفلسطينيين يفكرون بالحل والابتعاد عن الانتفاضة الفلسطينية الثالثة التي تلوح في الأفق ثانيا ، حيث وافق أولمرت على بحث قضايا الحدود والمعابر وتبادل الأراضي لتفجير وتأجيج الصراع الداخلي الفلسطيني فيما بينهم عبر بث الفقاعات الإعلامية المتناثرة عبثا وعبئا والنتيجة لا شيء ستعطيه الحكومة الإسرائيلية للفلسطينيين ، فهي مجرد إعادة بحث ويمكن البحث والتفاوض يستمر ردحا طويلا من الزمن . الهدف من طرح أولمرت هو إشعال لهيب الجبهة الداخلية الفلسطينية ، عن مساحة الدولة الفلسطينية وكيفية السيطرة والتحكم بالمعابر ، وتبادل الأرضي ، أين وكيف وبأي وسيلة ؟؟ فهذه غايات يهودية تتملص من الواقع ، وتحاول الهروب تارة للأمام وتارة للخلف لتصعيد الحملة على الفلسطينيين والتسويق الإعلامي أن حكومة الاحتلال وافقت على مناقشة القضايا المطروحة ولكن من يرفض هو الفلسطينيين والحقيقة هي عكس ذلك.

** مؤتمر فلسطين للإستثمار هل يمكن أن يعود بالفائدة على الاقتصاد الفلسطيني أم يندرج في التطبيع الاقتصادي ؟

كل المؤتمرات الاقتصادية والسياسية التي تعقد في فلسطين هي مؤتمرات نتائجها حبر على ورق ، ولا يتم تنفيذ توصياتها ، والأمثلة كثيرة في هذا المجال ، هذا المؤتمر الاقتصادي للاستثمار في فلسطين لا يمتلك مصاريف عقده ، فما بالكم هل يستطيع أن يوفر فرص عمل لنحو 50 ألف وظيفة جديدة أو فرصة عمل جديدة ، كما يطرحون فيه مستقبلا أنا أشك في كل هذه المؤتمرات ، والهدف منها هو التسويق الإعلامي والسياسي لا أكثر . فأين تطبيق نتائج المؤتمرات السابقة ؟ وأين دعم الدول المانحة وهي بالأساس دولا مانعة وليست مانحة . نحن في فلسطين نتمنى أن نرى قرارات وتوصيات مؤتمر الاستثمار الفلسطيني المعقود في هذه الأيام تنفذ على أرض الواقع الفعلي . هذا المؤتمر كالمؤتمر الإقليمي الذي سبقه في شرم الشيخ في مصر هذا الأسبوع ( المنتدى الاقتصادي العالمي ) هو مجرد بوابة كبيرة للتطبيع الاقتصادي مع الإسرائيليين ، فالإسرائيليون يأخذون دوما ولا يريدون أن يعطوا أصحاب الحق وأصحاب البلاد جزءا من حقوقهم وليس كلها .

** بعد مرور 60 عاما على النكبة واستمرار الانقسام الحاصل كيف يمكن أن نعيد اللحمة الداخلية الفلسطينية من أجل مواجهة التحديات التي تواجهه القضية الفلسطينية ؟

الذكرى الستون للاقتلاع والتهجير لنحو مليون فلسطيني ما زالت تلقي بظلالها الكئيبة على فلسطين : الوطن والشعب ، ذكرى أليمة بسبب العدوان الصهيوني المستمر وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية والطبيعية ، فلم نستطع رد الظالم لأصحابها ولم نستطع التحرير حتى الآن ومما زاد الطين بلة هو التناحر والانقسام والاقتتال والخصام الداخلي والفتن ما ظهر منها وما بطن بين الحركات الكبرى والصغرى في البلاد . ويجب العودة لتطبيق الوحدة الوطنية الفلسطينية وبناء الذات الوطنية لتعزيز الصمود ونبذ الخلافات والانقسامات والتشرذم ، والاستمساك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والتمسك والاعتصام بحبل الله المتين ، ويجب تحريم سفك الدم الفلسطيني من أبناء الوطن الواحد والدم الواحد والشعب الواحد واللغة الواحدة والمصير الواحد والعقيدة الواحدة . لا بد من إتباع سياسة الوئام بدلا من الخصام والابتعاد عن التنابذ والتنابذ ولنكن يدا واحدة لتهييج النصر والفتح المبين على الأعداء المحتلين ، وفق سياسة توزيع الأدوار الشاملة بين الحركات والأحزاب الوطنية والإسلامية على السواء وليس عيبا أن نستفيد من تجربة الأعداء الذي يحرمون الاقتتال العسكري فيما بينهم في حين أنهم على طرفي نقيض سياسي وحزبي . ينبغي علينا الابتعاد عن الفتن الداخلية والحرب الأهلية لنتمكن من صد الهجمات والعدوان المتكرر الإسرائيلي علينا على مدار العام . فالاختلاف الفكري والسياسي والتنظيمي لا باس به ولكن يجب تحريم اللجوء للحرب الأهلية لأن الحرب الداخلية تؤدي بالشعب الفلسطيني إلى مهالك الردى وتأكل الأخضر واليابس وهي الحالقة . فنحن أقوياء بوحدتنا الوطنية الفلسطينية .

** حلم الدولة الفلسطينية عام 2008 يدور الحديث عن فشل لماذا هذا برأيك ؟

دولة فلسطين يسعى لها كل فلسطيني مخلص ، وقد طرح موضوعها لأول مرة في الكتاب الأبيض البريطاني لأهل فلسطين عام 1939 ، ثم أعيد طرحها في قرار تقسيم فلسطين الظالم عام 1947 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي قسم فلسطين لشطرين غير متساويين نحو 5 ر 56 % منها لليهود من الجاليات الأوروبية الغربية الطارئة ، وأبقى لشعب فلسطين الأصلي في هذه البلاد نحو 5 ر43 % من مساحة فلسطين التاريخية الكبرى البالغة 27 ألف كم2 . ثم أعادت خطة خريطة الطريق عام 2002 طرح دولة فلسطينية مؤقتة خلال ثلاث سنوات ( 2002 – 2005 ) وفق ثلاث مراحل ، وقد ذهبت أدراج الرياح بسبب التآمر الأمريكي الصهيوني على أهل فلسطين الأصليين ولم تطبق حتى الآن . وفي كل مرة تتذرع السياسية الأمريكية والإسرائيلية أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة يهدد الوجود الصهيوني في البلاد . فلسطين تمتلك مقومات إقامة دولة فلسطينية مستقلة في فلسطين الصغرى والكبرى على السواء ، فهناك أكثر من 4 ملايين فلسطيني في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 ، أو ما يعرف بمحافظات الضفة الغربية وقطاع غزة ، وهناك ارض فلسطينية في الضفة والقطاع تصل إلى ستة آلاف كم2 ، وهناك وحدة ترابط لغوي وديني وتاريخي ومصيري ومستقبل واحد ، وهناك نواة دولة فلسطين وهي السلطة الوطنية الفلسطينية التي تمتلك ثلاث سلطات : تنفيذية وتشريعية وقضائية ، وهذا يؤكد وجود مقومات دولة فلسطين العتيدة إلا أن الاحتلال البغيض يرفض منح شعب فلسطين حقوقه السياسية وفي مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على تراب وطنه ، ويرفضون عودة اللاجئين والنازحين الفلسطينيين إلى مواطنهم الأصلية في الجليل والمثلث والنقب والساحل فلسطيني في المدن والقرى المحتلة عام 1948 .

باختصار حكومة الاحتلال الإسرائيلي ترفض الانصياع للقرارات الدولية وترفض تسجيل إقامة دولة فلسطينية في تاريخ السيطرة اليهودية الصهيونية على ارض فلسطين حيث يعتبرون في أدبياتهم وكتبهم أن فلسطين هي ارض الميعاد ولا يجوز التنازل عنها للفلسطينيين ، بل ومن السخرية بمكان أن يتم اعتبار شعب فلسطين هو شعب يحتل ( أرض إسرائيل ) ويجب طرده منها ، هذه هي الإستراتيجية الصهيونية في الصراع الدائر في فلسطين الكبرى . لا أريد أن القي ظلالا قاتمة على الوضع الحالي ولكن هذه هي الحقيقة التي ينطلق منها زورا وبهتانا وتزييفا بني صهيون . وكل هذه المحادثات والمفاوضات التي بدأت سرا وعلنا منذ عام 1974 وحتى الآن ما هي ألا مضيعة للوقت ، ودجل وكذب أمريكي وصهيوني على العرب ليبقوا يراوحون مكانهم مكانك قف وليس مكانك سر فقط .

وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ

وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ

نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ

وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ

إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ

بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ

ابنتي أمل الزهراء ... ورزقها الأول

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) }( القرآن الحكيم ، الأنعام ) . ويقول الله السميع البصير تبارك وتعالى : { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31)}( القرآن المجيد ، الإسراء ) . ويقول الله اللطيف الخبير : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)}( القرآن الكريم ، الذاريات ) . ويقول الله الرزاق ذو القوة المتين : { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)} ( القرآن المجيد ، الذاريات ) .
الله العزيز الحكيم هو مقدر أرزاق العباد ، وهناك الملك ميكال ( ميكائيل ) هو المكلف بمتابعة إنزال أرزاق الناس جميعا من السماء إلى الأرض وتسهيل وصولها لأصحابها مهما كانت صفاتهم وسماتهم ، ، الذكر والأنثى ، الصغير والكبير ، المؤمن والكافر ، المقيم والمسافر وغيرهم . والدنيا هي دار الامتحان للدخول الأبدي في الحياة الآخرة التي هي خير وأبقى ، فالرزق يأتي لتمكين الإنسان من مواصلة الحياة الطبيعية ، ويشمل المال والغذاء والدواء واللباس والعقارات والأموال المنقولة والسائلة ، وكذلك أرزاق الكائنات الحية الأخرى من الأشجار والحيوانات والطيور والحشرات وسواها . والإيمان بمحدودية الرزق للكائنات الحية لا يجب أن يتواكل عليها وإنما يسعى في طلبها حثيثا لجنيها والاستفادة منها قدر الإمكان . وهناك من لا يؤمن بأن الرزق مكفول من رب العباد خالق الخلق أجمعين ، لجميع الكائنات الحية ، ويرجع ذلك للجهد الذي يبذله ، ويلجأ إليه ، وهو بهذا ينكر فضل الله عليه وعلى الجميع بصورة عمدية أو عن حسن نية ، وكلاهما يصب في مصب نكران الجميل والابتعاد عن شكر الله الشكور ، فالله يحب الشاكرين ويحب المحسنين . ولنسأل أنفسنا عن كيفية رزق الحيوانات والطيور الداجنة والبرية والحشرات وغيرها من الكائنات الحية ، حيث تروح خماصا وتعود بطانا أي مليئة المعدة بالطعام الذي رزقها الله إياه ، سبحانه وتعالى عما يصفون .
ولا بد من القول ، إن الرزق معين ومقدر للكائن الحي ، ومن بين الكائنات الحية ، الإنسان من صلب آدم وحواء ، ولكن طريقة الحصول على الرزق متروكة لإنتقاء واختيار الكائن الحي هل يأخذ رزقه بالحلال أم بالحرام ؟ والحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ، فالإنسان السوي هو الذي يبحث عن رزقه ورزق عياله وأطفاله ومن تجب نفقتهم عليه عن طريق السبل الحلال التي لا غبار عليها ويجتنب سلوك الطريق الحرام الذي يوبق صاحبه ويجعله يتطفل على الآخرين دون وجه حق أو مبرر أخلاقي او ديني أو ضميري أو إنساني .
وطرق الحصول على الرزق لها عدة أشكال نذكر من أهمها :
أولا : العمل اليدوي . وبموجبه يقوم الإنسان باستعمال جوارحه كاليدين والرجلين والرأس وغيرهما من أجزاء الجسم .
ثانيا : العملي العقلي الفكري . يعني استخدام العقل والفكر باللجوء إلى العقل والمخ واللسان عبر التخطيط والتنفيذ فيتحصل على رزقه من خلال هذه الأجزاء من الجسم .
ثالثا : العمل اليدوي والعقلي في الآن ذاته . وهو يشمل كلتا الطريقتين السابقتين وفق تناسق وتناغم توافقي تحدده طبيعة العمل المنوي تنفيذه . يقول الله جل وعلا يحض على السعي في طل بالرزق الحلال : { فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)}( القرآن المجيد ، الملك ) .
رابعا : التقوى والصلاح : فيأتي الرزق بلا تعب أو سعي ، والأمثلة كثيرة في هذا المجال ، فبعضنا يلهث ويلهث خلف الرزق ، فلا يجده بينما يأتيه رزقه رغدا من حيث لا يحتسب وهو جالس في بيته . يقول الله الغني المغني ، الأحد الصمد : { إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) }( القرآن المبين ، آل عمران ) .
خامسا : رزق الشهداء الأحياء عند ربهم يرزقون : يقول الله عالم الغيب والشهادة : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)}( القرآن الحكيم ، آل عمران ) .
وفيما يتعلق بكيفية الحصول على الرزق ، فهناك طرق حميدة قويمة يستطيع الإنسان فيها تحصيل رزقه المحتوم له عبر استخدام جوارحه وأعضاء جسده في الأعمال الحلال البعيدة عن الهيمنة والتسلط على الآخرين . وتتمثل الطرق المستقيمة في تحصيل الرزق وإخراجه من خبايا الأرض في العمل اليدوي والعقلي واللساني .
وهناك طرقا يلجأ إليها من ذوي النفوس المريضة يستخدمون فيها أساليب الضلال والتضليل والسرقات والفساد وهي أعمال الكسب غير المشروع إسلاميا ، المنهي عنها من ناحية أولية ، فهي تؤدي إلى جمع الأموال من الناس بطرق اللف والدوران والسيطرة العنيفة غير العفيفة والاحتيال والنصب وغيرها من الصفات الذميمة . ويحاول هؤلاء الضالون من اللصوص والحرامية استغلال الوقت القصير للحصول على أكبر كمية من الأموال النقدية والعينية وتجميعها وكنزها في البيوت والبنوك والعقارات والأراضي . وهناك تأكيد إسلامي على حتمية الرزق ، ولكن يختار الإنسان بين الحلال والحرام ، فعلينا أن نختار الحلال .
وقد جاء بصحيح البخاري - (ج 10 / ص 485) حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ : إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ .
وتجدر الإشارة إلى أننا جميعا فقراء إلى الله ، فهو الغني المغني الحميد المجيد مالك الملك ذو الجلال والإكرام ، والكائن أو الإنسان الفقير هو فقير العقل والصحة وليس فقط هو فقير الحال المادي . والإملاق هو الرزق المتواصل الذي يصب نفسه صبا صبا ليتناوله الإنسان حسب ما يطلبه وقدره له الخالق سبحانه وتعالى ، عبر اللجوء للسبل لحصده وتحصيله .
وغني عن القول ، إن الطرق الحلال هي أفضل الطرق لتحصيل الرزق لكي يتمكن الإنسان أو الكائن الحي من البقاء يمارس الحياة ، يستهلك الأيام وتستهلكه الأيام عبر السنين التي يعيشها الإنسان في دار الفناء للمرور منها إلى حياة البرزخ ثم حياة البقاء وهي الخير والأفضل . والرزق الحلال ينقسم بدوره إلى قسمين هما القسم الأول : الرزق بالسعي والمشي الشخصي في مناكب الأرض . وهذا القسم هو أفضل وأتقى أنواع الرزق . والقسم الثاني : هو أخذ مال الصدقات والزكاوات والهبات والتبرعات من الغير . وفي هذا القسم يكون الإنسان عالة على غيره ، سواء بشكل عمدي أو عفوي ، عمدي يكون بالانتظار صدقات وأعطيات الآخرين ، وعفوي بان يكون الإنسان غير قادر على العمل لأسباب خلقية تكوينية أو كسول ينتظر صدقات الآخرين .
يقول الله الغني الحميد مالك الملك ذو الجلال والإكرام : { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)}( القرآن المجيد ، آل عمران ) . فسبحان الله رب العالمين ورازقهم بغير حساب ، بغير حساب ، بغير حساب ، لا إله إلا هو العزيز الوهاب ، الذي يهب لمن يشاء ذكورا ويهب لمن يشاء إناثا ويبقي آخرين بلا إنجاب .

أبنتي الصغرى أمل الزهراء .. والرزق الأول

أبنة انتفاضة الأقصى المجيدة

يقول الله الغني الوهاب : { فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)}( القرآن المبين ، الشورى ) .
وكمثال على استجلاب الرزق للأطفال الجدد ، لي تجربة شخصية ، في كيفية تحصيل أرزاق الأطفال الصغار بمجرد خروجهم من بطون أمهاتهم ، وكيفية رزق الله الرزاق ذو القوة المتين للأحياء الصغار وهم لا يقدرون على شيء ، ولا يتكلمون ولا يميزون ، ولا يعرفون ولا يفهمون من شؤون الحياة الدنيا أي شيء . فقد طلبت من ربي مرة عندما ولدت ابنتي الصغرى أمل الزهراء في مستشفى رفيديا الحكومي بنابلس في فلسطين في 24 كانون الثاني 2004 ، طلبت منه أن يريني كيف يرزق الطفل قبل ميلاده أو اثناءه أو بعده ، ولساني حالي يقول : رب أرني كيف ترزق الأطفال بغير حساب ؟ كنت أعمل أستاذا للعلوم السياسية على ملاك وزارة التعليم العالي بجامعة فلسطين التقنية في طولكرم وسط فلسطين ، وأنا وأسرتي من سكان قرية عزموط على بعد 5 كم شمال شرق نابلس ، وهي قرية صغيرة يبلغ عدد سكانها 4 آلاف نسمة ، وضعت زوجتي الطفلة المباركة أمل الزهراء ، في ساعة متأخرة من يوم 24 كانون الثاني في فصل الشتاء عام 2004 ، إبان انتفاضة الأقصى المجيدة الساخنة . وإيماني الكبير بأن كل طفل يولد وله رزق معلوم غير محروم رزق الله مسبوق أو ملاصق أو متبوع . ذهبت لجامعة النجاح الوطنية في نابلس ، على بعد 2 كم عن المستشفى لتمضية وقت ما حتى يأتي طبيب المستشفى المشرف على الولادات ويأذن بخروج الأم والطفلة ( زوجتي الغالية عطاف وأبنتي أمل الزهراء ) حيث كنت أعطي محاضرات كأستاذ غير متفرغ في تدريس مادة الدراسات الفلسطينية وهي مساق إجباري لجميع طلبة البكالوريوس ، ولم أكن متوقعا أن يقدم لي قسم العلوم السياسية التابع لكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية بالجامعة أي مساق لتدريسه في ذلك الفصل الدراسي من العام الأكاديمي 2003 – 2004 ، ولكن طلب مني عميد الكلية مشكورا وهو من الناس الطيبين الأجلاء ، ان أوافيه بأوقات الفراغ لدي ، وهو يعرف أنني أستاذ جامعي كموظف حكومي يقدم المحاضرات في جامعة ثانية تبعد عن جامعة النجاح الوطنية 35
كم غربا ، وافيت العميد بأوقات فراغي فما كان منه إلا أن أمر رئيس قسم العلوم السياسية بتخصيص شعبتين للدراسات الفلسطينية لأقوم بتدريسهما أسوة بزملائي أساتذة العلوم السياسية علما بأنني أصغرهم ، ومنهم من كان أستاذي عندما كنت طالبا في تلك الجامعة قبل 24 عاما تخرجت من قسم العلوم السياسية والصحافة بالجامعة التي أحبها حبا جما . قلت في نفسي هذه رزق الله الكريم لأمل الزهراء قبل أن أصطحبها لأول مرة في سيارتنا والعودة للبيت في قريتنا عزموط . كانت تلك رزقة صغيرتي أمل الزهراء ، من خلالي ، وتوفير فرصة عمل إضافية جديدة غير تلك التي كنت أعمل بها في الجامعة التي أداوم بها دواما رسميا . مقدار رزق أمل كان عبارة عن نحو ألفي دولار ( 2000 دولار ) بواقع ألف دولار لكل شعبة ، يتم صرفها بالعملة الأردنية بواقع 720 دينارا لكل شعبة تدريسية ، أقوم ببذل جهدي وتعبي في التدريس الجامعي والتعبئة الفلسطينية العربية الإسلامية القويمة لأبناء شعبي في الآن ذاته ، ويكون إجمالي رزق أمل هو 1440 دينار ، خلال أربعة أشهر هي فترة الفصل الأكاديمي للعام الدراسي المذكور ، سبحان الله الرزاق ذو القوة المتين هذا ما رددته في نفسي ولزوجتي وأهلي ، لقد سبق الرزق دخول الفتاة الصغيرة التي كنا ننتظرها بفارغ الصبر والجلد ، فقد كنا نعرف أنا والأم والأخوة والأخوات عبر التقنية الالكترونية أنه ستأتي أنثى صغيرة لتملء حياتنا أملا وتفاؤلا ومرحا وسرورا ، وكنا متفقين على تسميتها ( أمل ) ويعني ذلك أمل في الحرية والاستقلال لحصد نتيجة انتفاضة الأقصى لشعبنا العظيم المجاهد المرابط والمدافع عن الحمى ، وأمل بالفتح المبين والنصر والفوز العظيم في الدنيا والآخرة ، والأمل الكبير في الحياة الطبيعية لنا ولشعبنا الفلسطيني المرابط فوق ثرى الوطن الغالي خاصة في ظل انتفاضة الأقصى المجيدة في فلسطين . جاء رزق أمل بعد أن أذنت في أذنها اليمنى ، الأذان للصلاة المكتوبة ، كما هو حال المسلم الذي يولد له ولد أو بنت ، وأقمت نداء الإقامة في أذنها اليسرى لتكون صالحة وداعية لله تبارك وتعالى . ما أجمل أمل في حياتنا ، فرحنا جميعا ، أمها أم هلال ، وأخويها هلال وحازم ، وأختها الكبرى آية التي كانت تطلب مني ومن والدتها أن ننجب لها أختا تلعب معها وتؤنسها ، فكان لها ما طلبت ، واستجاب لنا الله جميعا ، وكنت أسأل ربي الله العظيم الكريم ذو الجلال والإكرام أن يختار لنا الأفضل والأحسن فكانت ولادة أمل الزهراء التي نحبها جميعا حبا جما ، ونتسابق على حملها وملاعبتها ومداعبتها ، وهي الآن التحقت بالروضة ( روضة السنابل ) في نابلس لتنضم لقافلة المسلمين الذين يقرأون القرآن ويتعلمون القراءة والكتابة والرسم وغيرها من المعلومات اللازمة للحياة الدنيا والآخرة على السواء .
لقد جاء رزق أمل من حيث لا نحتسب ولا تحتسب هي أيضا ، يا الله العظيم الكريم ، يا من ترزق الأحياء الصغار والكبار دون تعب أو وصب ، ولكنك جعلت لكل شيء سببا ، سبب رزق أمل هو أمها أولا عبر تهيئة الرضاعة والعناية لها ، ثم أنا والدها ، فمن خلالي يأتيها رزقها رغدا وهي صغيرة لا تميز شيئا من الحياة سوى أنها تبكي لطلب الرضاعة لاستجلاب البقاء عبر الرضاعة الطبيعية . كم سعدنا بأمل واستغربنا من كيفية رزقها من حيث لا نعلم ولا نعمل ، هذه هي الحياة الدنيا وهذه هي الأرزاق التي تنزل من السماء على اسم صاحبها أو صاحبتها دون عناء أو مشقة ، ولكن يجب الأخذ بأسبابها كي تكون دولة بين الناس يتداولونها عبر أساليب وأسباب شتى . يقول الله الكبير المتعال : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)}( القرآن العظيم ، الطلاق ) .
وبناء عليه ، نقول بالفم الملآن ، لا تخافوا أرزاق أولادكم ، ذكورا أو إناثا ، صغارا أو كبارا ، فكل ميسر لما قسمه الله له ، ولكن بالتوكل على الله وليس بالتواكل او بندب الحظ ، أو بإسوداد الوجه عندما يبشر الأب بالأنثى فهو كظيم ، كما يفعل الجهلة والطغاة والظالمين الذي لا يحبون إنجاب البنات ، ويفضلون الذكور عليها . يقول الله عز وجل عن الظالمين والكافرين الذين لا يحبون إنجاب الإناث : { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60)}( القرآن المبين ، النحل ) . ويقول الله تبارك وتعالى في سورة أخرى : { وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20)}( القرآن الكريم ، الزخرف ) .
فالبنات طيبات كريمات يجب العناية بهن ، فهن كائنات حية ، يجب احترامها والوقوف بجانبها والسعي لتنشئتها التنشئة الإسلامية السلمية لتكون سراجا منير مليء بالهداية والإحسان في ظل حياة كريمة طبيعية ، فلا فرق بين ذكر وأنثى ، في الرزق وفي المعاملة وفي الإنفاق ، ولكن طريق استجلاب الرزق أو تهييجه هي طريقة مختلفة من شخص لآخر ، ومن مكان لآخر ومن زمان لآخر أيضا في معادلة ربانية لا يعلمها إلا هو جل جلاله . فصدق الله العظيم الحليم حين يقول في محكم التنزيل : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) }( القرآن الحكيم ، الأنعام ) . ففي هذه الآية الأولى الداعية لعدم قتل الأطفال سر رباني عظيم ، طلب إلهي من الآباء والأمهات بعدم قتل أولادهم وهم الأبناء خوفا من الفقر والفاقة ، والعوز والحاجة ، حيث يحتاج الأطفال للإنفاق والصرف عليهم لتلبية احتياجاتهم من المأكل والملبس والمشرب والمأوى . فجاءت الآية لترد على الجهلة والأغبياء الذين كانوا وما زالوا يقتلون ابناءهم أو يتخلون عنهم بدعاوى أنهم يجلبون لهم الهم والغم والتعب والنصب في تحصيل قوتهم ، وهذا الرد مباشرا بأن الله هو الكفيل برزق الآباء والأمهات وكذلك الأبناء جميعا . وأكدت ذلك آية رزق أخرى في قول الله الكريم الحليم : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31)}( القرآن المجيد ، الإسراء ) . وهي أيضا نداء إلهي عظيم للآباء والأمهات بعدم قتل الأبناء ، سواء أكانوا ذكورا أو إناثا ، بحجة الخشية أو الخوف من الفقر والعوز لأن الله هو الرزاق العليم ، فهو الذي يرزقهم من خلالكم وعبركم ، فما أعظم هذا البيان الإلهي لتمكين الأرزاق والإنفاق للبشر أو اتفاق أو وفاق مسبق أو تالي .
وإسلاميا ، كان الخليفة المسلم يقدم مساهمات مالية وعينية للمسلمين الذين يتكاثرون ، فيخصص مبلغا معلوما من المال النقدي او العيني للأمهات الوالدات والمرضعات والأطفال والطفلات على السواء تشجيعا على التكاثر الطبيعي لتكثير سواد المسلمين . وهي سياسة قويمة مستقيمة عين الصواب للأخذ بيد المواليد الجدد والأمهات والآباء وترسيخ مبدأ العيش الكريم لأبناء المسلمين . ولكننا في هذا العصر نلاحظ عدم الاهتمام بالمواليد الجدد لدى أبناء الأمة الإسلامية ونرى أن الجاليات اليهودية في فلسطين تشجع التكاثر والولادة بين اليهود لزيادة عددهم وتخصص مبالغ مالية لاعانتهم وتمكينهم من توفير الحياة الكريمة منذ ولادة الطفل ، فحري بنا نحن العرب والمسلمين أن نطبق ما طبقه الإسلام العظيم في صدره الأول .
وهناك وصية فاضلة باقية ليوم القيامة ، تتمثل في السعي لتحصيل رزق الحياة الآخرة الباقية لأنها خير وأبقى ، وعدم إيثار الحياة الدنيا عليها ، يقول الله الرحمن الرحيم كما نطقت بذلك آيات أخرى : { يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)}( القرآن المجيد ، غافر ) .
وأخيرا نقول ، اللهم أحينا سعداء لا أشقياء ، وأحينا وأمتنا شهداء ، وأبعدنا عن الجهل والجهلاء ، وقونا على الحق وجنبنا السفهاء ، وأنأى بنا عن الغباء والأغبياء ، ولا تقربنا من البخل والبخلاء ، وأجعلنا من أهل الكرم والكرماء و ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) .
سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . لا نقول وداعا ولكن إلى لقاء آخر إن شاء الله .

أوضاع العمال الفلسطينيين العاملين في المنشآت الاقتصادية اليهودية

أوضاع العمال الفلسطينيين
العاملين في المنشآت الاقتصادية اليهودية
الماضي – الحاضر – المستقبل

د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة

إستغلال واضطهاد سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي
الحكومات الإسرائيلية والهستدروت
شاركت في سرقة وإستعباد العمال الفلسطينيين

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)}( القرآن المجيد ، آل عمران ) .

قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر يوميا يتوجه عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين للعمل في المنشآت والورش والمصانع الإسرائيلية داخل الخط الأخضر وذلك للحصول على لقمة العيش وإعالة عائلاتهم من خلال تقديمهم العمل مقابل الحصول على أجرة يومية أو شهرية وهي في أغلب الأحيان زهيدة متدنية تكاد لا تكفي حد الكفاف من العيش إذا ما قورنت مع مستوى معيشة الفرد الإسرائيلي ، وهم بذهابهم للعمل في هذه المنشآت مجبرون لا مخيرون إذ لا يوجد أمامهم مجال للعمل سوى في هذا المجال .

لمحة تاريخية
بعد حرب حزيران 1967 واستيلاء قوات الاحتلال الإسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة تدهورت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وانتشرت البطالة بين كافة فئات الشعب الفلسطيني . فعملت سلطات الاحتلال على استغلال هذا الوضع السيئ للمواطنين في الأراضي الفلسطينية ورغبة منها في تشغيل الأيدي العاملة الرخيصة ومحاولة السيطرة على كافة الأوضاع وامتصاص النقمة المتزايدة على الاحتلال ، أعلنت عن وجود فرص عمل للعمال الفلسطينيين في المصانع والورش الإسرائيلية توسعت إلى توفير حافلات ( باصات ) خاصة لنقل العمال من مراكز المدن الفلسطينية إلى مواقع العمل الإسرائيلية في التجمعات والمستوطنات والكيبوتسات والموشافات . وأوعزت هذه السلطات لشركة ( إيغد ) بتولي عملية نقلا هؤلاء العمال ذهابا وإيابا بعد الانتهاء من العمل في ساعات المساء .
وكان التردد واضحا في البداية وعلى أشده في مقاطعة ( العمل العبري ) حيث لم يلتحق بهذه المنشآت الاقتصادية الإسرائيلية سوى عدد لا يتجاوز خمسة آلاف عامل فلسطيني لغاية 1969 . وكثيرا ما كانت تتعرض باصات ايغد للحرق والرجم بالحجارة أو إطلاق النار عليها من قبل المواطنين ( الفدائيين ) العرب الفلسطينيين .
وقد اتبعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عدة طرق وأساليب ملتوية وخبيثة لزيادة عدد الأيدي العاملة الفلسطينية للعمل في نسيج الاقتصادي الإسرائيلي ساعية لربط الاقتصاد الفلسطيني بالإقتصاد الإسرائيلي ، من أبرزها :
أولا : مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية لأغراض وأهداف استيطانية واقتصادية وعسكرية . ووصلت نسبة الأراضي الفلسطينية المصادرة حوالي 66 % حسب إحصاءات 1992 أعدتها جمعية الدراسات العربية بالقدس . وبذلك اضطر الفلاحون الفلسطينيون إلى التنقل من العمل في الزراعة إلى قطاع العمل الإسرائيلي ، سواء عن طيب خاطر أو قسرا وكذلك فإن سياسة المضايقة الإسرائيلية للمنتجات الزراعية الفلسطينية ودخول المنافسة غير المتكافئة بسبب الدعم الحكومي الإسرائيلي للمزارع اليهودي وغياب هذا الدعم للفلاح الفلسطيني أدى إلى تحول جزء كبير من أصحاب الأراضي لقطاع العم لكي يظلوا محافظين على وجودهم وتوفير جزء من الأمن المعيشي .
ثانيا : لجوء سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى إتباع أسلوبي الترغيب والترهيب لزيادة عدد الأيدي العاملة الفلسطينية في منشآتها الاقتصادية ، فقد فتحت أبواب العمل على مصاريعها للعمال الفلسطينيين وخاصة في أواسط السبعينات ( من القرن العشرين ) وقدمت الإغراءات من الأجور العالية مقارنة مع الأجور في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وكذلك عدمت إلى إتباع أسلوب قمعي وتعسفي ضد الطلبة كالإعتقال والملاحقة المستمرة مما أدى إلى هروب أعداد كبيرة منهم من المدارس وخاصة في المرحلتين الإعدادية والثانوية . وكان لا بد لهؤلاء الطلبة في نهاية المطاف من الإلتحاق بأي فرصة عمل متاحة ، وبما أن سوق العمل الفلسطيني لا يمكنه استيعاب المزيد من الأيدي العاملة فإن هذه الفئة وجدت نفسها مضطرة للإلتحاق بسوق العمل الإسرائيلي .

هضم حقوق العامل الفلسطيني
( سياسة الأيتام على موائد اللئام )

تزايد عدد العمال الفلسطينيين الذين عملوا في المنشآت الاقتصادية الإسرائيلية طيلة سنوات الاحتلال العجاف ( الثماني والعشرين الماضية ) فوصل عام 1987 إلى حوالي 109 آلاف عامل فلسطيني من الضفة الغربية وقطاع غزة توزعوا على النحو التالي :
قطاع البناء 3 ر 48 % ، وقطاع الصناعة 18 % ، وقطاع الزراعة 2 ر 14 % والقطاعات الأخرى 5 ر 19 % . وفي عام 1993 بلغ عدد العمال الفلسطينيين العاملين في المنشآت الإسرائيلية حوالي 130 ألف عامل . ثم أخذ العدد يتناقص فانخفض إلى حوالي 50 ألف عامل عام 1995 . ويتعرض للمد والجزر بين الفينة والأخرى تبعا للسياسة الإسرائيلية . وقد تعرض العامل الفلسطيني الذي يعمل داخل الخط الأخضر لشتى صنوف المضايقات ولأنواع عدة من المشاكل والعقبات كهضم حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية أو الانتقاص من كرامته الإنسانية فأصبح مثلهم ( كالأيتام على موائد اللئام ) يتعرضون للضرب والطرد والاستغلال والإهانة في كثير من الأحيان وأهم المشاكل والعقبات التي اعترضت وما زالت تعترض سبيل العامل الفلسطيني في المنشآت الاقتصادية اليهودية ما يلي :
أولا : سياسة الضرائب : يخصم من راتب أو أجر العامل الفلسطيني ضريبة الدخل ومقتطعات لنقابة العمال الإسرائيليين العامة ( الهستدروت ) نسبتها 1 % وهو إجباري يطلق عليه ( رسم تنظيم ) . وهناك رسوم واشتراكات إجبارية تتراوح ما بين 2 – 5 ر 3 % . وهذه الحسومات لا يستفيد منها العامل الفلسطيني وتستخدمها السلطات الإسرائيلية والهستدروت لأغراضها . وهذه المقتطعات تشكل استنزافا لأجره العامل ولجهده . هذا العامل الذي يقطع عشرات الكيلو مترات ذهابا وإيابا من مسكنه إلى موقع العمل لطلب لقمة العيش ومصدر الرزق ، ليس ذلك فحسب بل إن نسبة الخصم الإجباري العام من معاش العامل الفلسطيني الذي يعمل داخل الخط الأخضر قد تصل إلى نسبة 18 % للتأمين الصحي ورسوم التأمين ورسوم التنظيم النقابي والضرائب الأخرى . ومما يذكر أن ( مؤسسة التأمين الوطني ) الإسرائيلية تقدم 12 شكلا من أشكال الخدمات العمالية للعمال اليهود منها صندوق المرضى ( كوبات حوليم ) وعوائد الشيخوخة والأولاد والأتعاب والتعويض عن إصابات العمل وغيرها . وهذا محظور على العمال الفلسطينيين من الناحية العملية .
ثانيا : إنخفاض الأجور : وهنا تظهر المفارقة والسياسة العنصرية بشك لواضح كوضوح الشمس حيث يتقاضى العامل اليهودي أجرة تعادل الضعف أو أضعاف ما يتقاضاه العامل الفلسطيني في المهنة ذاتها وموقع العمل ذاته . وحسب دراسة أجرتها مجموعة أكاديمية اقتصادية فلسطينية بالتنسيق مع جمعية الدراسات العربية بالقدس تحت عنوان ( الأوضاع المهنية لعمال الضفة الغربية وقطاع غزة العاملين في إسرائيل ) عام 1988 تبين أن الأجور التي يحصل عليها العمال الفلسطينيون العاملون داخل الخط الأخضر هي متدنية جدا إذا ما قورنت بالأجور التي يحصل عليها العمال اليهود في قطاع العمل ذاته . وقد تراوح متوسط الأجر الشهري لعمال الأراضي الفلسطينية العاملين داخل الخط الأخضر في العشرين سنة الماضية ( 1967 – 1988 ) ما بين 33 % - 45 % من أجرة العامل اليهودي الذي يقوم بنفس العمل .
هذا مع فرق المسافة التي يقطعها العامل الفلسطيني قادما لعمله منذ ساعات الصباح الباكر عائدا ومنهيا عمله اليومي الشاق في المساء . فمثلا ، تقاضى العامل الفلسطيني الجديد في قطاع البناء أجرة يومية قدرها 30 شيكلا أي ما يعادل ستة دنانير أردنية بينما تقاضى العامل اليهودي في نفس مكان العمل والمهنة ذاتها 80 شيكلا أو ما يعادل ستة عشر دينارا أردنيا . وفي عام 1993 بلغت أجرة العامل الفلسطيني في قطاع البناء الإسرائيلي 60 شيكلا مقابل إتمامه 8 ساعات عمل وتقاضى العامل اليهودي 140 شيكلا . ومما يذكر أن الحد الأدنى للأجور للعامل العربي حتى أيار 1993 حددت ب 49 شيكلا وللعامل اليهودي 96 شيكلا من الناحية العملية . وبناء عليه نستطيع القول ، إن الحكومة الإسرائيلية ونقابة العمال الإسرائيليين العامة شاركت وتشارك في الاستعباد والاضطهاد اقتصادي للعامل الفلسطيني .
ثالثا : اختلاف العمل : فالأعمال الشاقة عادة يجبر على القيام بها العامل الفلسطيني بينما يكلف العامل اليهودي بالأعمال السهلة كالخدمات في الفنادق والمكاتب . والقسم الأكبر من العمال الفلسطينيين يعملون في أقسام التنظيفات في البلديات الإسرائيلية والعتالة في المصانع وفي قطاع البناء . ولم تظهر إحصائية توزيع العمال الفلسطينيين العاملين في المنشآت اليهودية أنهم عملوا في الإدارة والمؤسسات العامة وذلك حسب ما توصلت إليه اللجنة الأكاديمية الاقتصادية الفلسطينية في دراستها للأوضاع المهنية للعمال الفلسطينيين العاملين داخل الخط الأخضر عام 1988 ، تحت إشراف جمعية الدراسات العربية ، وأشارت تلك الدراسة إلى أن نسبة العمال الفلسطينيين العاديين العاملين داخل الخط الأخضر عام 1988 بلغت 5 ر 65 % في حين بلغن في قطاع غزة 8 ر 49 % بينما بلغت نسبة العمال الفنيين 5 ر 26 % من الضفة الغربية وما نسبته 1 ر 45 % من عمال قطاع غزة . وبلغت نسبة العمال المراقبين 8 % من عمال الضفة الغربية العاملين في المنشآت الإسرائيلية داخل الخط الأخضر وما نسبته 1 ر 5 % من عمال قطاع غزة العاملين داخل الخط الأخضر .
رابعا : إصابات العمل : حسب قانون العمل ، أي قانون عمل في العالم عندما يصاب العامل يجب أن يدفع له تعويض عما خسره أو أصابه من ضرر أو عطل خلال قيامه بممارسة عمله ، إلا أنه وفي هذه الحالة أيضا يظهر التلاعب وهضم الحقوق . ففي معظم الأحيان يطلب من العامل الفلسطيني التوقيع على أوراق كتبت باللغة العبرية والتي لا يفهمها أو لا يعرف ماهية هذه الأوراق . وفي حالة توكيل محام يهودي للمطالبة بالتعويض فإن المحامي اليهودي قد يلجأ ويتفاهم – وهذا ما حصل في مئات الحالات – مع صاحب العمل اليهودي على قيام الأخير بدفع جزء بسيط من المبلغ كتعويض بلد الإصابة ، وهذا المبلغ لا يكون تعويضا حقيقيا من المبلغ المستحق للعامل الفلسطيني .
خامسا : المضايقات والعراقيل : كإقامة حواجز التفتيش على الطرق المؤدية للمنشآت الإسرائيلية مما أدى إلى تغيب آلاف العمال بسبب هذه الإجراءات التعسفية وبالتالي يقوم صاحب العمل العبري بطرد هؤلاء العمال المتغيبين في حالة تكرار غيابهم بدون الحصول على إذن مسبق . ويكون الفصل التعسفي فرديا بالمفرق أو جماعيا بالجملة إما بوقت واحد أو بأوقات زمنية مرحلية متسلسلة ، وذلك حسب الظروف المؤاتية .
وخلال الانتفاضة الوطنية المجيدة منذ كانون الأول 1987 ولغاية نهاية العام 1992 فصل أصحاب العمل الإسرائيليين عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين الذين عملوا لديهم بحجة عدم المجيء للعمل أيام الإضرابات الشاملة أو حظر التجول أو الحصار العسكري والاقتصادي اليهودي على الأراضي الفلسطينية الذي كانت تفرضه سلطات الاحتلال الإسرائيلي ولفترات متفاوتة تراوحت بين الأسبوع والأسبوعين .
كما وتعرض العمال الفلسطينيون العاملون داخل الخط الأخضر وما زالوا لملاحقة الشرطة الإسرائيلية سواء منهم الحاصلون على تصاريح عمل أو غير الحاصلين عليها وقدم آلاف العمال الفلسطينيين لمحاكم عسكرية تحت ذرائع واهية تمثلت في عدم الحصول على أذونات عمل من خلال مكاتب العمل الإسرائيلية في منطقة العامل أو لنومهم في موقع العمل دون الحصول على إذن إسرائيلي . وكذلك زج بالآلاف من العمال الفلسطينيين في غياهب السجون والزنازين لفترات مختلفة بدواعي الأمن ، وفرضت الأتاوات أو الغرامات المالية عليهم فبدلا من أن يتقاضى مئات العمال أجورهم أجبروا على دفع غرامات واضطروا للإستدانة لدفع هذه الأتاوات الإجبارية الظالمة .
سادسا : التمييز العنصري : تعرض العامل الفلسطيني أثناء توجهه للعمل في المنشآت الإسرائيلية على التمييز العنصري بين الجنس اليهودي والجنس العربي وامتهنت كرامته الإنسانية في كثير من الأحيان . وأهم هذه الإجراءات العنصرية :
1. مراجعة مكاتب الإستخدام الإسرائيلية عدة مرات في طوابير طويلة انتظارا للحصول على تصريح عمل واستغرقت هذه العملية عدة أيام وكانت هذه السياسة متبعة قبل استلام السلطة الوطنية الفلسطينية لشؤون العمل والعمال . أما الآن فإن مكاتب الإرتباط الفلسطينية – الإسرائيلية هي المنسق عبر وزارة العمل الفلسطينية لعملية إصدار التصاريح .
2. السكن غير الصحي : اضطر آلاف العمال الفلسطينيين الذين عملوا داخل الخط الأخضر أن يسكنوا بالقرب من أماكن عملهم – وخاصة قبل الانتفاضة الفلسطينية المجيدة – لتوفير الوقت ، والعمل ساعات عمل إضافية وتوفير بدل المواصلات والعناء المستمر . وكانت هذه المساكن العمالية غالبا ما تكون غير لائقة صحيا هذا إضافة إلى المداهمات الليلية المفزعة لهذه المساكن من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية دون وجه حق .
3. الاعتقالات الرسمية وغير الرسمية : مارس هذه الإعتداءات أفراد من ما يسمى بحرس الحدود الإسرائيلي والشرطة الإسرائيلية والجمهور والعناصر المتطرفة من الحركات والأحزاب اليمينية الشوفينية . فتعرض العمال الفلسطينيون للإستجواب الميداني في الشوارع العامة ويصل الأمر في كثير من الأحيان إلى الضرب والاقتياد إلى مراكز الشرطة الصهيونية . ومن ضمن الإعتداءات الإسرائيلية الإجرامية على العمال الفلسطينيين إرتكاب المجازر بحقهم . من أبرزها مجزرة 8 كانون الأول 1987 ضد مجموعة من العمال الفلسطينيين على مدخل قطاع غزة بالقرب من حاجز بيت حانون ( إيرز ) أسفر عن استشهاد أربعة عمال فلسطينيين فورا وجرح تسعة آخرين بجروح حيث صدمت مقطورة إسرائيلية عمدا سيارة فلسطينية . وكانت هذه الحادثة الشرارة لإشعال لهيب الانتفاضة الوطنية المجيدة ضد المحتلين في 9 / 12 / 1987 . وكذلك ارتكبت مجزرة الأحد الأسود في 20 أيار 1990 في منطقة عيون قارة أو وادي حنين ( مركز مستوطنة ريشون لتصيون اليهودية ) على يد يهودي يلبس بزة عسكرية خضراء أطلق النار باتجاه العمال الفلسطينيين الجالسين في سوق العمل مما أسفر عن استشهاد ثمانية عمال وجرح آخرين .
4. إنعدام إجراءات الوقاية والسلامة المهنية العامة خلال العمل .
5. ومن ضمن الإجراءات العنصرية ضد العمال إنشاء حظائر عمالية حيث قامت بلدية مستوطنة ( بتاح تكفا ) في أيار 1989 بإنشاء حظائر عمالية خاصة لتجميع العمال الفلسطينيين لحين قدوم صاحب العمل اليهودي لنقلهم إلى مراكز عملهم .
6. شارات خاصة / كما قرر مجلس محلي مستوطنة ( أرئيل ) قرب بلدة سلفيت الفلسطينية ، بإجبار عامل فلسطيني يعمل في تلك المستوطنة بأن يحمل شارة خاصة توضع عليها صورة للعامل كتب عليها باللغة العبرية ( عامل غريب ) . وأجبر كل عامل على حمل بطاقة بيضاء بدلا من البطاقة الشخصية البرتقالية اللون أثناء عمله في المستوطنة . وطلب منه وضع بطاقته الشخصية كل صباح عند مدخل مستوطنة ( أرئيل ) وتسلم له عند انتهائه من العمل عصرا . وهذا الأمر شبيه بالأوامر النازية التي كانت تجبر العامل اليهودي على حمل ( شارة صفراء ) على شكل نجمة سداسية كتب عليها (إن ذلك العامل يهودي ) .
أسباب ودوافع استخدام العمال الفلسطينيين
في المنشآت اليهودية
إن الصراع العربي الصهيوني هو صراع حضاري ديني قومي ووطني ، لذا تستخدم السلطات اليهودية أساليب متشعبة ومتنوعة في سبيل الاحتفاظ بالأرض الفلسطينية وتشن حربا مربعة مريعة لا هوادة فيها ضد الشعب الفلسطيني خاصة والعرب عامة وتتمثل في الحرب العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية . ومن أجل امتصاص النقمة وتحاشي الإنفجار دأبت سلطات الاحتلال اليهودي على مر السنوات الماضية منذ عام 1948 على محاولة إبقاء الشعب الفلسطيني في سجن كبير داخل ( عنق الزجاجة ) إلا أنها تفتح لها متنفسا ضيقا لكي لا تنفجر هذه الزجاجة حسب القاعدة الكيميائية التي تقول ( كثرة الضغط تولد الإنفجار ) . وقد أقدمت حكومة الاحتلال على استخدام الأيدي العاملة الفلسطينية في المنشآت الاقتصادية اليهودية لعدة أسباب تسترجع أحداث التاريخ أهمها :
أولا : أسباب عسكرية : قامت سلطات الاحتلال بالعمل الحثيث لاستخدام الأيدي العاملة الفلسطينية لكي يتسنى لها تفريغ شبابها للخدمة العسكرية الإجبارية أو الاحتياطية . فمن المعروف أن الاحتلال اليهودي لفلسطين يطبق مبدأ التجنيد الإجباري على كافة شباب اليهود الذكور والإناث . وفي أحد التقارير الإعلامية اليهودية تبين أن إنتاجية العاملة الفلسطينية في دفيئات الزهور ( البيوت البلاستيكية ) يساوي إنتاجية 7 جنود يهود .
ثانيا : أسباب ودوافع اقتصادية : تسعى السلطات اليهودية وأربا العمل اليهود إلى تشغيل العمال الفلسطينيين لأسباب اقتصادية تتمثل في أربعة أغراض رئيسية هي :
1. الحصول على أيد عاملة رخيصة ، أرخص من أجور العمال اليهود الذين يعملون في نفس المهنة ونفس عدد ساعات العمل .
2. إخضاع الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد اليهودي في فلسطين .
3. إيجاد الأسواق الملائمة التي تستطيع استيعاب المنتجات اليهودية على اختلاف أشكالها وأنواعها ، فالأراضي الفلسطينية هي السوق الأربح والأقرب وبهذا فإن الاقتصاد الفلسطيني يخضع لتقلب الاقتصادي الصهيوني بشكل كبير جدا .
4. الاحتفاظ بالعملة الصعبة وخاصة الدولار في البلاد . فاستخدام العمال الفلسطينيين يؤدي إلى تقاضيهم الأجور بالشيكل الإسرائيلي ( وحدة العملة اليهودية ) وبالتالي صرف هذه الأموال للحصول على السلع والبضائع اليهودية . أما في حالة تشغيل عمال أجانب فإن هؤلاء يضطرون إلى تحويل جزء كبير من رواتبهم إلى العملة الصعبة وبالتالي فإن هذه الأموال تدور في رحى عجلة الاقتصاد اليهودي .
ثالثا : أسباب ودوافع سياسية ونفسية : تتمثل في :
1. إلهاء الفلسطينيين عن قضيتهم الوطنية وإبعادهم عن حركة التحرر بإتباع أسلوبي الترغيب والترهيب في استيعاب العمال الفلسطينيين ومحاولة سلخهم عن واقعهم السياسي وجعلهم يعيشون حالة من الإغتراب السياسي والنفسي .
2. نزع الفلاح الفلسطيني من أرضه باعتبار أن الصراع هو صراع على الأرض( فلسطين ) .
رابعا : أسباب ودوافع دينية : حيث يعتقد اليهود أن الله اختارهم وفضلهم على بقية الأمم فهم كما يزعمون ( شعب الله المختار ) ، ولهذا خلق الله الأجنبي لخدمة اليهود ، فقد جاء في التلمود اليهودي : وخلق الله الأجنبي على هيئة الإنسان ليكون لائقا لخدمة اليهود الذين خلقت الدنيا لأجلهم ، وكما ورد في كتاب الكنز المرصود ص 69 .
خامسا : أسباب ودوافع اجتماعية : تتمثل في العمل على التقارب أو الدمج الاجتماعي بين اليهود والفلسطينيين والإنسان بطبعه يؤثر ويتأثر . فقد اكتسب بل ارتكب العمال الفلسطينيين على مدار العقود الستة الماضية بعض العادات والتقاليد اليهودية وبالتالي أضحوا يعيشون حالة من الإغتراب الاجتماعي وأصبح لدى البعض منهم ازدواجية في التعامل الاجتماعي ( التحدث بلغتين عربية وعبرية ) وانتشرت وتفشت بعض العادات القبيحة . وقد رسمت هذه السياسة الاجتماعية لإيجاد نوع من ( التعايش المشترك ) بإخضاع العامل الفلسطيني للسيطرة اليهودية .

وجهة النظر الفلسطينية الرسمية والشعبية ..
حيال العمل في المنشآت اليهودية ..
ضرورة اقتصادية

لجأ ويلجأ العمال الفلسطينيون للعمل في المنشآت الاقتصادية اليهودية لأن سوق العمل الفلسطيني لا يستطيع توفير فرص العمل الكافية أولا ولأن سلطات الاحتلال عمدت إلى إخضاع الاقتصاد الفلسطيني وإلحاقه بالاقتصاد الإسرائيلي طيلة السنوات الاحتلالية العجاف السابقة ، حتى وصل الأمر إلى أن العمال الفلسطينيين العاملين في المنشآت الاقتصادية اليهودية داخل الخط الأخضر عام 1992 حوالي 130 ألف عامل ( وهو أعلى رقم في التاريخ الفلسطيني ) وهذا العدد شكل تقريبا نسبة 42 % من قوة العمل الفلسطينية ، رفد الاقتصاد الفلسطيني بملياري دولار سنويا . وفي الدراسة التي أعدتها المجموعة الأكاديمية الاقتصادية بالتنسيق مع جمعية الدراسات العربية بالقدس أواخر عام 1987 تبين أن 78 % من نسبة العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية يعملون في المنشآت اليهودية يرغبون في العودة لسوق العمل الفلسطيني في حين أن 83 % من العمال الفلسطينيين من قطاع غزة الذين يعملون في المنشآت الاقتصادية اليهودية يرغبون في الإلتحاق بالمنشآت الفلسطينية حالا حال توفرها .
من جهة أخرى ، إن عدم تمكن العمال الفلسطينيين من التوجه للعمل في الدول العربية وخاصة دول الخليج العربي وما تبعه من طرد عشرات آلاف العمال الفلسطينيين في أعقاب حرب الخليج عام 1991 أدى إلى زيادة الطلب على العمل في المنشآت الاقتصادية اليهودية .
على أي حال ، إن مسألة العمل الفلسطيني في المنشآت الاقتصادية اليهودية تبقى سلاح ذو حدين لها إيجابياته وسلبياته إلا أن سلبياته أكثر من إيجابياته . وتقف هذه المسألة ، تشغيل العمال الفلسطينيين لدى الكيان الصهيوني حجر عثرة أمام إصدار العملة الوطنية الفلسطينية حسب رأي بعض الاقتصاديين الفلسطينيين لأن العمال الفلسطينيين يتقاضون أجورهم بوحدة العملة اليهودية ( الشيكل ) وكيف سيتصرفون بها ف يحال إصدار عملة وطنية ؟ ومسألة العمل هنا أصبحت الشغل الشاغل للمواطن الفلسطيني وللمسئول الفلسطيني ، إذ أن عمليات الحصار العسكري والاقتصادي الصهيوني على فلسطين أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية من سيء إلى أسوا عبر الاغلاقات المتكررة من حين لآخر . وقد وضعت السلطة الوطنية الفلسطينية برنامج التشغيل الطارئ منذ أوائل العام 1996 بالتنسيق مع كافة المؤسسات والأجهزة والوزارات الفلسطينية ، ونفذت أربع مراحل من برنامج خلق فرص العمل الفلسطيني . وهناك مرحلتان أخريتان بانتظار التنفيذ . وجاءت هذه الخطوة الفلسطينية كنوع من الاعتماد على الذات وإنقاذ عشرات الآلاف من الأيدي العاملة الفلسطينية من غول البطالة الرهيبة .

أبرز الأساليب اليهودية
لمنع العمال الفلسطينيين من الالتحاق بسوق العمل اليهودي

اتبعت سلطات الاحتلال اليهودي العديد من الطرق والأساليب المؤقتة أو الدائمة لمنع العمال الفلسطينيين من العمل في المنشآت الاقتصادية اليهودية من أبرزها : عدم منح تصاريح العمل ، ووضع الحواجز العسكرية على مداخل الخط الأخضر وفصل جناحي فلسطين المحتلين عام 1967 ( الضفة الغربية وقطاع غزة ) وتوزيع البطاقات الخضراء في الضفة الغربية والبطاقات الممغنطة في قطاع غزة ، وخاصة أثناء الانتفاضة الفلسطينية المجيدة الأولى 1987 – 1994 ، ومنع فئات سن معينة من التوجه لعملهم لفترات زمنية محددة منها منع غير المتزوجين من العمل ، وتحديد فئات 25 سنة و30 سنة و35 سنة والتدرج ف يمنحهم التصاريح العمالية ، وكذلك منع قطاعات عمل من الدرجة الثانية والثالثة من الذهاب للعمل والسماح للعمال الذين يعملون في الزراعة لأنها موسمية وعدد العاملين فيها لا يتجاوز بضعة آلاف ، وكذلك منع توجه العمال الفلسطينيين بسياراتهم وإرجاعهم إلى باصات ، أي كما كان في سنوات السبعينات من القرن العشرين الماضي ، واعتقال مئات بل آلاف العمال الفلسطينيين والرج بهم في غياهب السجون اليهودية لفترات زمنية مختلفة وخاصة قبل قيام السلطة الوطنية الفلسطينية فوق جزء من ثرى الوطن ، حيث بلغ عدد الأسرى المعتقلين إبان انتفاضة فلسطين الكبرى الأولى ( 1987 – 1994 ) أكثر من 80 ألف مواطن ، منع العمال منهم من إعادة مزاولة العمل في المنشآت اليهودية .

العمال الفلسطينيون والبدائل

عملت السلطات اليهودية على التلويح والتلميح مرارا وتكرارا بإمكانية الاستغناء عن خدمات العمال الفلسطينيين كلهم أو جزء منهم ، فلكل حادثة حديث سواء من قبل حكومة الاحتلال المؤلفة من حزب العمل أو الليكود إلا أنها دوامة يصعب الخروج من ثناياها وخاصة في ظل الأوضاع الراهنة لعدة أسباب ومسببات .
وقد طرحت عدة بدائل للاستغناء عن العمال الفلسطينيين من بينها البديل المصري والبديل اللبناني اللذين رفضا الحلول معا محل العمال الفلسطينيين لعدة أسباب سياسية وقومية . وأما البديل اليهودي الروسي فقد حل جزئا محل الأيدي العاملة الفلسطينية حيث عملت السلطات اليهودية على استيعاب عشرات بل مئات آلاف المهاجرين الجدد اليهود وخاصة اليهود الروس بعيد هجرتهم من الاتحاد السوفياتي المنهار لتوطينهم في المستوطنات والمستعمرات من جهة للعمل على تطبيق مبدأ ( الدولة العبرية والعمل العبري الصرف ) . وقد نجحت هذه السياسة إلى حد ما إلا أن هناك قطاعات اقتصادية خاصة لا يستطيع العامل اليهودي تقبلها بعد فترة زمنية مثل قطاع البناء والعتالة والتظيفات في البلديات اليهودية وغيرها . وأثناء الإغلاقات كان أصحاب العمل اليهود يطالبون حكومتهم بالسماح لهم باستخدام العمال الفلسطينيين لمصلحة الاقتصاد الصهيوني ومواصلة الإنتاج وعدم توقفه إضافة إلى عدم التلاؤم مع العمال الأجانب من رومانيا أو الفلبين أو الصين أو غيرها حيث أنهم يحتاجون وقتا لاستيعاب العادات اليهودية ودرجة إتقانهم للعمل وإنتاجيتهم أقل .
وأخير طرح البديل الأجنبي بشكل واسع ، حيث عملت حكومة الاحتلال على استقدام عشرات آلاف من العمال الأجانب من رومانيا والبرتغال وكوريا والفلبين وغيرها ليحلوا محل العمال الفلسطينيين وذلك في عهد الحكومة اليهودية العمالية السابقة . إلا أنه وكما كان في السابق تبين للسلطات اليهودية أن هذا البديل أيضا غير مجد من النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إذ يكلف تشغيل العامل الأجنبي مبالغ باهظة أكثر مما يكلفه العامل الفلسطيني الذي يأتي للعمل صباحا ويعود مساء إلى مسكنه ، أما العامل الأجنبي فإن إنتاجيته اقل من العامل الفلسطيني ، ويسبب إشكالات اجتماعية في المجتمع اليهودي ، حيث أن تأثير حوالي 200 ألف عامل أو 300 ألف عامل أجنبي يعملون في الكيان اليهودي يلقي بظلاله السلبية على أفراد المجتمع اليهودي حاليا .
وفي نهاية المطاف ، فإن الحل الفلسطيني الأمثل هو الاعتماد على الذات والعمل الحثيث على إقامة مشاريع اقتصادية فلسطينية المنشأ والمنبت ، لاستيعاب عشرات آلاف الأيدي العاملة الفلسطينية لبناء الوطن الفلسطيني ويمكن الاستعانة أيضا بسوق العمل العربي الشقيق لحل جزء من أزمة البطالة المستعصية في المجتمع الفلسطيني لظروف خارجة عن إرادة الشعب الفلسطيني .
علاقة الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين
بالهستدروت اليهودية

بقيت العلاقات العمالية الفلسطينية – اليهودية مقطوعة حتى قيام السلطة الوطنية الفلسطينية ، حيث جرى التنسيق النقابي مع الجانب الآخر في نقابة العمال الإسرائيليين العامة ( الهستدروت ) بعيد توقيع اتفاقية باريس وورد أحد البنود التي تؤكد استمرار السماح للعمال الفلسطينيين بالعمل في المنشآت اليهودية . وفي آذار 1995 وقع الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة اتفاقية تنسيق مع الهستدروت لتنظيم أوضاع العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة العاملين في المنشآت اليهودية تم بموجبها التزام الهستدروت بدفع نصف واحد بالمائة من رسم التنظيم الإجباري النقابي المفروض على العمال الفلسطينيين . واعتبر زمن الاستحقاق من عام 1970 ولغاية 1993 ، وذلك لصالح الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين ، وبلغت قيمة المبالغ المدفوع للنقابات العمالية الفلسطينية 8 ملايين شيكل ( 2 مليون دولار ) فقط . وهذا إجحاف بحق العامل الفلسطيني ، وقد قدرت الاستحقاقات المالية للعمال الفلسطينيين بحوالي 7 مليارات دولار . ولن تستفد الحركة العمالية الفلسطينية من هذا الاتفاق كثيرا ، فالحقوق العمالية الفلسطينية في الأجور والإجازات السنوية والمرضية وحقوق نهاية الخدمة بعد الفصل لإصابات العمل ما زالت مهضومة من أصحاب العمل اليهود ، كما إن النقابات العمالية الفلسطينية لا حول لها ولا قوة في الدفاع عن الشرعية العمالية التي تعمل في قطاعات الاقتصاد اليهودي سوى توكيل بعض المحامين وتحصيل الفتات من حقوق العمال الفلسطينيين الحقيقية .

* نشر هذا الموضوع في مجلة الميلاد الفلسطينية ( دولة فلسطينية حديثة ذات مؤسسات فاعلة ) ، مجلة شهرية تصدر عن الأمانة العامة للمؤسسات الوطنية في رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية ، القدس – العدد الحادي عشر ، كانون الأول 1996 ، ص 14 – 21 .

الخميس، 29 مايو 2008

فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا
وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة
رسالة هامة لمن يهمة الأمر
==============
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ( 3 )
يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { بسم الله الرحمن الرحيم . سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6)}( القرآن المجيد ، الحديد ) . ويقول الله السميع العليم : { لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24) }( القرآن المجيد ، الحشر ) .
الأخوة والأخوات الكرام ممن يشاركونني في الماسينجر ببريدهم الإلكتروني من مدونان مكتوب أو غيرهم من المدونات والمواقع الالكترونية في الأماكن الأخرى .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد ،
فإن محاولة الاختراق التي تعرض لها بريدي الالكتروني وحاسوبي وملفاتي لم تجد نفعا من هؤلاء الأقزام الذي يعيثون فسادا وإفسادا في الأرض عامة وفي التدوين خاصة . طيلة اليومين الماضيين ، كانت هناك محاولات شرسة لغزو حاسوبي ومدوناتي على مكتوب وغيرها . وقد نجم عن هذا الاختراق الفاشل للملفات والتدوين الكتابي سحب مضادات الفيروسات الالكترونية من على حاسوبي ، والتمكن من بعث رسائل بلغات شتى غير اللغة العربية المقدسة التي أحبها حبا جما ، فقد وصلت رسائل غير مفهومة ، والصق بها عنواني البريدي في المواقع الالكترونية المختلفة أو ضمن مدونات مكتوب ( kamalalawneh ) وهي في حقيقة الأمر لم تصدر عني بتاتا ولا افهم اللغة التي تبعث بها لحضراتكم أيها الأخوة والأخوات الأعزاء . ارجو المعذرة وعدم القلق وعدم فتح أي منها لأنها غير صادرة عن الماسينجر الذي أتحدث منه لكم للتواصل العلمي والتدويني والمراسلة . وأفيدكم علما بأنني لم ابعث بأي رسالة بغير اللغة العربية منذ بداية هذا الأسبوع ولن أبعث إلا باللغة العربية ، وكل ما يصلكم هو محاولة اختراق لماسينجري وبعث رسائل لكم وكأنها صادرة عن بريدي الالكتروني ضمن مدونات مكتوب . وهذه هجمة لن يكتب لها النجاح بأي حال من الأحوال ، وأطمئن وأبشر بالبشرى الإسلامية الحقة اللص اللئيم والفيروس الجديد الذي يحاول الاختراق بأنه لن يتمكن من ذلك بإذن الله فالحاسوب محمي بأسماء الله الحسنى وبالقرآن المجيد ، عدا عن مضادات الفيروسات ، الذي هو أحدها .
أيها الفيروس لقد عدت إدراجك خائبا فاشلا أمام الآيات القرآنية المجيدة ، وأمام أسماء الله الحسنى ولن تظفر بأي جناية أو جنحة أو فرية تريدها وهذه رسالة لك بأن كل محاولاتك السابقة والحالية وايضا اللاحقة ستبوء بالفشل إن شاء الله العزيز الحكيم جل جلاله . يقول الله الحي القيوم ذا الجلال والإكرام : { فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)}( القرآن المجيد ، يوسف ) .
يا لصوص الانترنت الذين يحاولون إلحاق الضرر بالمدونات والمدونين واختراق حواسيبهم وملفاتهم المنشورة والمثبتة على الحاسوب خسئتم وستخسئون بعون الله ، وبالنسبة لي فإنني أعلمكم أنني لدي الحيطة والحذر من هذه الأساليب الشيطانية الخبيثة التي تنم عن جهل وغباء ونذالة وسوء فهم . احتياطي في جميع الملفات سواء على الشبكة العنكبوتية أو سواها فكل ما أنشره مثبت في عديد المواقع الإلكترونية الفلسطينية والعربية ، ومحفوظ لدي على اسطوانات غير الحاسوب ؟ وقبل ذلك هي محفورة في عقلي وقلبي ، فعودوا بخستكم وأدراجكم إلى غيكم غير سالمين وغير غانمين . فليخسأ الخاسئون ، ولن يفلح قوم يريدون ضرر الآخرين ، فلم نهن ولن نهن ما دمنا مسلمين ، فأرجعوا عن غيكم أيها الضالون والمغضوب عليهم والظالمون حيثما كنتم واينما حللتم . ولن يثنيني غزوكم الفاشل عن سياستي الإسلامية في التبيان والتوضيح ولن نخاف في الله لومة لائم .
يا شياطين الالكترونيات والمدونات والتدوين ، أرجعوا لا آجركم الله ، عودوا خائبين ، فاشلين مخفقين ، وعليكم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلى يوم الدين . الإسلام أعظم من أن يمس بسوء ولا نخاف إرهابكم ولا شيطنتكم يا جنود إبليس الرجيم ، سنرجمكم كما رجم ابينا إبراهيم عليه السلام شيطانكم من قبلكم ، وإنا لفاعلون وإنا لصادقون بإذن الله العليم الخبير . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
ويا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين .

إخواني وأخواتي ممن كانوا يخاطبونني عبر الماسينجر لا تقلوا ولا تفتحوا أي رسالة تصل إليكم بغير اللغة العربية في مضامينها ، لأن المهاجم يستخدم لغات أجنبية غير العربية وحتى الإنجليزية ايضا . وارجو منكم أخذ الحيطة والحذر وعدم فتح الرسائل التي تصلكم لأنها يمكن أن تكون مليئة بالفيروسات .
نستودعكم الله الحي القيوم الذي لا تضيع ودائعه .
نترككم في أمان الله ورعايته .
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
سلام قولا من رب رحيم .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أخوكم
د. كمال علاونه
فلسطين العربية المسلمة

مستقبل الحكم المحلي في فلسطين

مستقبل الحكم المحلي
في فلسطين
د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة

مقدمة
يمكن استشراف أهم احتياجات ومتطلبات تطوير نظام الحكم المحلي في فلسطين ليرتقي إلى مستويات عالمية متقدمة . هذه الاحتياجات توجب اللجوء إلى استخدام طرقا عصرية متطورة تتجدد باستمرار لمواكبة احتياجات كل مرحلة من مراحل نمو واتساع أنظمة وهيئات الحكم المحلي . من صلب هذه الاحتياجات التطويرية الدائمة وضع الخطط والبرامج المتعلقة بنظام الحكم المحلي الثابتة والمؤقتة بين الحين والآخر، ومن أهم هذه الاحتياجات ما يلي : الإبقاء على قانون الحكم المحلي الجديد ، وتأسيس مجلس أو جهاز مركزي أعلى للحكم المحلي ، وإنشاء معهد الحكم المحلي الفلسطيني ، وتعزيز برامج هيئات الحكم المحلي الفلسطيني ، وتنمية شاملة ومتكاملة للريف الفلسطيني ،والتنمية الإدارية والسياسية لقيادة هيئات الحكم المحلي الفلسطيني ، وتسمية الشوارع وترقيم المساكن والعقارات الفلسطينية والإنارة العامة في المدن والقرى الفلسطينية وتشكيل مجالس مساعدة للهيئات المحلية ، إنشاء مناطق صناعية خارج المناطق السكنية ، إعادة تنظيم مواقف المركبات والأسواق التجارية والاهتمام بالسياحة الداخليةالفلسطينية .وسنتناول هذه الاحتياجات المستقبلة بشكل موجز في الفقرات التالية :
(1) الإبقاء على القانون الجديد للحكم المحلي
نظام التمثيل النسبي في الانتخابات المحلية
يعتمد القانون السابق للانتخابات المحلية الفلسطينية على الأغلبية النسبية في انتخابات مجالس الهيئات المحلية في فلسطين . هذا النظام الانتخابي يؤدي في كثير من الأحيان إلى استبعاد قطاع لا بأس به من ممثلي المواطنين الفلسطينيين في إدارة شؤونهم الداخلية المحلية في الريف الفلسطيني خاصة ، كما يؤدي إلى تحكم العشائرية والعائلية في نتائج الانتخابات المحلية بسيطرة العائلات الكبيرة على أغلب عضوية إن لم يكن كل مقاعد مجلس الهيئة المحلية وبالتالي حرمان قطاع واسع من الجمهور من حق التمثيل الإداري مع ما يسببه ذلك من امتعاض وتهميش دور فعاليات مجتمعية أو مهنية أو أكاديمية خلاقة في رفد التنمية المحلية في البلاد . فتصبح المحليات والحالة هذه عبارة عن مركز قوة عائلية – عشائرية وحرمان الفئات الصغيرة أو التي لم تستطع الحصول على عدد كبير من الأصوات في صناديق الاقتراع من المشاركة في التنمية المحلية العامة وخاصة الريفية. وبهذا فإن الأمر استدعى إجراء تعديلات على قانون رقم (5) لسنة 1996 والذي أصبح يعتمد على نظام التمثيل النسبي في الانتخابات المحلية الدورية لمجالس الهيئات المحلية مما ساعد في رفد الهيئات المحلية بدماء جديدة يمكن أن تعطي في مجال الخدمة المحلية والحيلولة دون تهميش هذه الفعاليات التنظيمية أو الإدارية أو العائلية ذات الحجم العائلي الصغير، كما إن نظام التمثيل النسبي يساهم في دخول قوائم تنظيمية نقابية مفروزة عن حركات أو أحزاب سياسية فلسطينية وطنية أوإسلامية في مجال الخدمة العامة ، وعدم التنافس الثنائي بين تنظيمين أو حركتين سياسيتين وهما في الغالب حركة فتح وحركة حماس في السيطرة على مقدرات الهيئات المحلية مع ما ينتج عن ذلك من صراع ثنائي وإبعاد الآخرين عن مجالات الخدمة الوطنية العامة في إدارة المحليات الفلسطينية، كما أتاح التعديل على قانون الإنتخابات ، فرصة لتطوير مشاركة المرأة الفلسطينية في الحياة العامة من خلال تخصيص مقعدين لها كحصة محجوز وفقاً للقانون .
(2) إنشاء مجلس مركزي للحكم المحلي الفلسطيني
من الممكن أن يسمى هذا التنظيم المحلي الأعلى ، المجلس الأعلى للحكم المحلي أو الجهاز المركزي للحكم المحلي في فلسطين ، برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية وزير الحكم المحلي ووزراء تختص وزاراتهم بالخدمات ومشاريع التنمية المحلية مثل وزارة المواصلات، وزارة التخطيط ، وزارة الحكم المحلي ، وزارة الطاقة وسلطة المياه ورؤساء بلديات كبرى واتحاد الهيئات المحلية ، ومستشارين وخبراء في الحكم المحلي وسواهم . وتكون مهمة هذا المجلس رسم السياسة المحلية العامة ووضع الخطط والبرامج لتفعيل وتطوير الخدمات الحيوية والأساسية، واقتراح قوانين وأنظمة ولوائح تنظيمية جديدة وتحويل مزيداً لاختصاصات من الحكومة المركزية للهيئات المحلية ، ومراقبة فعاليات الهيئات المحلية وتقديم النصح والإرشاد لها بمالا يخل باستقلاليتها ، والعمل على تطوير مواردها المالية الداخلية والخارجية.
(3) إنشاء معهد الحكم المحلي الفلسطيني
ويقع في أولى أولويات هذه الاحتياجات إنشاء معهد الحكم المحليالفلسطيني للمواءمة بين العلوم النظرية والتطبيقات العملية لأنظمة الحكم المحلي، فالحكم المحلي ما بين النظرية والتطبيق بحاجة إلى مواكبة التطورات العصرية المستجدةفي العالم للأخذ من ينابيع العلوم المتقدمة ليبدأ الفلسطينيون من حيث انتهى الآخرونوعدم إتباع المبدأ التقليدي القائم على التجربة والخطأ، فشعب فلسطين، وارض فلسطين عانيا من مخلفات استعمارية جمة تلاحقت عبر العصور السالفة بشتى أنواع وأشكال الاستعمار الأجنبي، الأوروبي والصهيوني. ولهذا لا بد من البدء ببداية جديدة تواكب التطورات الحضارية في مجالات الحكم المحلي للنهوض بأوضاع المجتمع المحلي الفلسطيني إلى الأمام دائما. وتكتسب عملية التدريب العملي أهمية كبرى في مجالات التنميةالمحلية في ربوع فلسطين ، وهذا التدريب لا بد من قيام معهد أو مؤسسة علمية تشرفعليه ليصون العملية العلمية قلبا وقالبا.
فالحاجة ماسة جدا لإنشاء معهد الحكم المحلي الفلسطيني أو المرصد الفلسطيني للحكم المحلي، ليكون تابعا لإحدى الجامعات الفلسطينية الكبرى ، في أحد مجالات العلوم السياسية أو الإدارة أو القانون العام، لتعزيز وتدعيم سياسة التنمية العامة والشاملة في فلسطين . ومن أهم أهداف وغايات هذا المعهد المحلي الفلسطيني المتعددة ما يلي:
أولا: تقديم الخدمات الاستشارية المتعلقة بالحكم المحلي للقائمين على هيئات الحكم المحلي في البلاد.
ثانيا: تقديم دورات دراسية نظرية وتدريبية عملية للقائمين على تدريس مواضيع الحكم المحلي أو الأفراد والقيادات التي تشارك في إدارة هيئات الحكمالمحلي في فلسطين والخارج .
ثالثا: تشجيع إجراء الأبحاث العلمية الخاصة بالحكم المحلي في فلسطين وخارجها واختيار النماذج الأنسب لفلسطين . وبهذا يصبح معهد الحكم المحلي الفلسطيني مركزا لتوثيق ودراسة أوضاع الحكم المحلي بشكل أكاديمي وعملي على أرضالواقع كأكاديمية لبحث شؤون الحكم المحلي الإدارية.
على أي حال، انسجاما مع أهداف وغايات معهد الحكم المحلي الفلسطيني، يفترض فيه أن يقوم بنشاطات تشتمل على الدورات التدريبية العملية والتدريسية النظرية في الآن ذاته لكبار موظفي الحكم المحلي في فلسطين ، وذلك ضمن برامج تدريبية مرة أو مرتين سنويا تستمر كل دورة منها مدة تتراوح مابين أربعة أسابيع وثمانية أسابيع لأولئك الذين يشغلون المراكز الأساسية في الحكم المحلي الذين لا تقل أعمارهم عن 25 سنة ولا تزيد عن 50 سنة . فمثلا يمكن أن تعقد الدورة الأولى في ربيع كل عام، والثانية في صيف أو خريف السنة ذاتها. أما بشأن هذه البرامج التدريبية في الحكم المحلي فمن الممكن أن تتضمن العمليات الإدارية في الحكم الحلي باستعمال أساليب متنوعة في التدريس والتدريب باستعمال الأفلام والحالات العملية في الحكم المحلي، أي دراسة حالات واقعية بالإضافة إلى القيام بزيارات ميدانية والمحاضرات والندوات والمؤتمرات والحلقات الدراسية أو ورش العمل المتخصصة. وتهدف هذه البرامج التدريبية إلى توسيع مدارك المعارف الإدارية للمشتغلين بشؤون الحكم المحلي بصورة عملية وترجمة دور العاملين في الحكم المحلي إلى سلوك تنظيمي تبعا للظروف البيئية المتغيرة للحكم المحلي فالبرنامج التدريبي ينبغي أن يكون مرنا قابلا للإضافة والتغيير والحذف إذا اقتضت الضرورة ذلك . وكذلك تهدف الدورات التدريبية العملية والدراسية تنمية مواهب المشتغلين في إدارة هيئات الحكم المحلي في المدن والبلدات والقرى والخرب والعزب الفلسطينية. فمهمة هذه الدورات هي عملية تجديد المعلومات والتطبيقات العملية لدى الأعضاء المنتخبين لرئاسة وعضوية هيئات الحكم المحلي في فلسطين.
من جهة أخرى ، فانه ينتظر من معهد الحكم المحلي الفلسطيني أنيساعد في حل مشكلات إدارية أو عامه تواجه هيئات الحكم المحلي من خلال مساهمات الخبراء أو على شكل فريق عمل عبر دراسة حالة محلية وإيجاد حلول ملائمة لها وتقديم اقتراحات جاهزة لتفعيل الحكم المحلي عبر مجلس تدريب الحكم المحلي Local Government Training Boardأو عبر اللجان المحلية المشكلة من البلديات الكبرى في المدن الفلسطينية.
كما أن معهد الحكم المحلي الفلسطيني ( الجامعي ) يعمل على تشجيع إجراء البحوث المتعلقة بشتى أنظمة الحكم المحلي العالمية كدراسات رسائل أوأطروحات علمية أكاديمية وتنظيمية إدارية يمكن أن تتيح أمام معديها الحصول على درجاتعلمية عليا كدرجة الماجستير أو الدكتوراه من الجامعة التي ينشئ بها هذا المعهد أو بالتنسيق والتعاون الأكاديمي مع جامعات عربية أو عالمية. وهذا الأمر يتطلب منالمعهد المذكور تعزيز علاقاته العلمية والإدارية مع الأقسام والكليات الأخرى داخل الوطن وخارجه مع المعاهد والمؤسسات الدولية المماثلة حيث تتم عملية تبادل الخبرات والزيارات مع أعضاء هيئات التدريس والتدريب العالمية واستقطاب أفضل الكفاءاتالعلمية في ميادين الحكم المحلي . وكذلك يفترض السعي لتعيين عدد مناسب من الكفاءات العلمية المدربة من الخارج.
غني عن القول، إنه من المنتظر من معهد الحكم المحلي الفلسطيني أن يقوم بإصدار مجلات علمية متخصصة وكتب تهتم بمعالجات الحكم المحلي في الوطن وخارجه، ويمكن أن تكون هذه المجلات العلمية المتخصصة تصدر فصليا أي بمعدل أربع أعداد سنويا، وكذلك إصدار تقرير سنوي عن الحكم المحلي الفلسطيني. ويمكن أن تأخذهذه الدوريات العلمية أسماء مثل دراسات الحكم المحلي الفلسطيني Palestinian Local Government Studies أو اسم التعاون التخطيطي للحكم المحلي Corporate Planning: A Review of Corporate Planning and Management in Local Government وذلك لنشرالبيانات والدراسات واللقاءات المتعلقة بشؤون الحكم المحلي للتخطيط الجماعي في الحكم المحلي وسواها . وفي هذا المجال يمكن الاستفادة من تجربة ( معهد دراسات الحكم المحلي والإدارة ) بجامعة برمنجهام في بريطانيا الذي أسس في كانون الأول 1963 موأخذ اسم Institute of Local Government Studies & Administration. ويمكن أخذما يناسب الحكم المحلي الفلسطيني من المواد الدراسية والتدريبية النظرية والعملية التي تناولها معهد دراسات الحكم المحلي والإدارة في بريطانيا ( المملكة المتحدة) لتمكين الدارس أو الباحث من نيل درجة الماجستير في الإدارة العامة بعد أن يختار 4 مواد تدرس في الشعبتين، والذي ضم شعبتي الدول النامية والمملكة المتحدة. حيث ضمت شعبة الدول النامية: تخطيط وإدارة التنمية الريفية والاستراتيجيات الإدارية الضرورية للتنمية، وديناميكية التغيير في الدول النامية، والعملية الإدارية في الدول النامية ، ودور القطاع العام في التنمية ، والإدارة المقارنة للمدن والعواصم الكبرى . في حين ضمت شعبة المملكة المتحدة : دراسة وضع السياسات العامة في الحكم المحلي وإدارة الخدمات الصحية المؤممة ، ونظرية التنظيم وتطبيقاتها في الحكم المحلي، ونظرية تمثيل القرارات الإدارية ، ودراسة البيئةالمحيطة بالحكم المحلي ، وتمويل الإدارة المحلية، وإدارةالأفراد في الحكم المحلي .

(4) تعزيز برامج هيئات الحكم المحلي
لا بد من الاستفادة من تجارب أنظمة الحكم المحلي العربية والعالمية المعاصرة، لتبدأ فلسطين من حيث انتهى الآخرون، ولا تبدأ من تجربة الصفر ، بغية الانطلاق خطوات واسعة للأمام بدلا من إتباع سياسة التجربة والخطأ التي تكلف فلسطين ، كشعب ونظام سياسي ومحلي الوقت والجهد والمال الكثير ، فتوفيراً لكل ذلك يفترض أن توضع خطط تنمية فلسطينية اقتصادية واجتماعية شاملة ، تكون وحدات الحكم المحلي سواء المدينة أو البلدة أو القرية أو المخيم والمحافظة على نطاق أوسع ثم الانطلاق نحو النظام السياسي العام بصورة موسعة ، فالبدء بالجزء أكثر جدوى من الكل، فهناك محافظات منكوبة بشكل كبير وأخرى بشكل أقل فأقل. ويمكن الاسترشاد بتجربة البرامج العربية كنموذج مماثل قابل للتطبيق وأن كان بشكل شبه متوازن.
وأهم بنود السياسة العامة الفلسطينية لإنجاح وتقوية نظام الحكم المحلي ما يلي:
أولا: تعزيز نظام الشورى الديمقراطي لحل مشكلات الحكم المحلي عبر تطوير الهيئات المحلية ( قرى ومدن ومحافظات ) كونها تختص قانونيا بتخطيط وتنفيذ مشاريع جهود ذاتية وتتعاون في تنسيق الخدمات الحكومية العامة.
ثانيا: تنمية وتشجيع أساليب الخدمة الذاتية لتنمية الريف الفلسطيني بالمشاركة الشعبية – الحكومية حيث يقدم الأهالي عنصر العمل وتقدم الحكومة التجهيزات والخامات اللازمة لإنجاز المشاريع التطويرية بدلا من الاعتماد الكلي على الحكومة المركزية.
ثالثا: تركيز الخطة المطروحة على مشكلات اقتصادية واجتماعية أساسية للمجتمع المحلي الفلسطيني بدلا من التركيز على مشكلات فردية أو تهم جماعات صغيرة ، فيفترض وضع أولويات معينة لمستويات المجتمع المحلي بالاستعانة بخبراء ومهتمين بمجالات تطوير وتنمية المجتمعات المحلية ، وانتقاء المشاريع والأنشطة الملائمة. فإصلاح نظام الحكم المحلي الفلسطيني بجناحه الريفي المهمل منذ عشرات السنين خلال العهود السابقة وتبني المشاركة الشعبية يحد من هجرة المواطنين من الريف للمدن عبر تعزيز الثقة بالنفس وإيجاد مشاريع ضمن وحدات المجتمع المحلي .
(5) تنمية شاملة ومتكاملة للريف الفلسطيني
يشكل الريف الفلسطيني جزءا مهما من المجتمع الفلسطيني . وغني عن القول ، إن الريف الفلسطيني عانى من إهمال واضح ومبرمج طيلة العقود السابقة لسبب أو آخر، إما لأسباب سياسية أو عسكرية أو اقتصادية تتمثل بقلة أو انعدام التمويل لمشاريع التنمية. وعلى كل الأحوال ، يعتبر الريف الفلسطيني من القطاعات التي لم تأخذ بعد العناية المطلوبة حتى في العهد الوطني الفلسطيني الراهن بسبب ظلم الاحتلال وتسلطه على ثروات ومقدرات شعب فلسطين من المياه والكهرباء والصحة والاقتصاد وشبكات الصرف الصحي والهواتف وما إليها. فالريف في فلسطين كله أو غالبيته أو نصفه أو أكثر من ذلك أو اقل، يفتقد للخدمات الحيوية: وفيما يلي أهممتطلبات التنمية الفلسطينية الشاملة عموما والريفية على وجه الخصوص:
أولا: المياه : هناك قرى لا تصلها شبكات المياه ، كما إن المياه الفلسطينية تسيطر عليها قوات الاحتلال وتقوم ببيع هذه المياه لأصحابها الأصليين وهم أبناء شعب فلسطين بأثمان باهظة، كما أن كميات المياه المخصصة للمواطنين لا تكفي بينما يتم تخصيص كميات مياه وافرة للزراعة والصناعة اليهودية في أرض فلسطين. فالحاجة ماسة لتمديد شبكات مياه جديدة وصيانة القائم منها لتحاشي تسرب المياه بلا فائدة.
ثانيا : الكهرباء : يتلقى السواد الأعظم من المواطنين الفلسطينيين التيار الكهربائي من شبكة الكهرباء القطرية الإسرائيلية التي تعتبرالشركة المحتكرة للكهرباء في فلسطين مع ما يلازم ذلك من تحكم في الأسعار وفي قوة التيار الكهربائي الذي يصل للبيوت وقوة التيار الكهربائي الذي لا يكفي للصناعات وخاصة في القطاع الريفي. وقد بدأت بعض شركات الكهرباء في مدن فلسطينية تستعد لممارسة مهامها إلا أنها لم تزل تراوح مكانها عمليا . والأمر بحاجة إلى متابعة حثيثة لتزويد مدن وقرى فلسطين بتيار كهربائي فلسطيني المنشأ والأصل ، فأهل فلسطين أدرى بشعابها.
ثالثا: بناء المجمعات القروية : تعاني معظم قرى فلسطين من عدم وجود مجمعات قروية لخدمات حيوية إسكانية وصحية وتعليمية وثقافية وذلك رغم وجودموظفين في القطاع الحكومي العام. فهناك قرى بها أكثر من نصف عدد أرباب الأسر يعملون في القطاع الحكومي إلا أنهم لا يستفيدون من خدمات التأمين الصحي الذي يخصم من رواتبهم شهريا دون استفادة حقيقية من خدمات هذا التأمين الصحي الشامل نظريا ، فالحاجة ماسة لإنشاء عيادات صحية في كل قرية مما يساهم في تقريب المسافات وفي تخفيف الآم المرضى.
رابعا: بناء المدارس الثانوية : هناك الكثير من القرىا لفلسطينية التي لا يوجد بها صفوف أساسية كاملة ، أو صفوف للمرحلة الثانوية سواء للذكور أو الإناث. وهناك قرى لا يوجد بها صفوف للفرع العلمي علما بأن هناك عددا مقبولا كحد أدنى لافتتاح صفوف دراسية جديدة لتلبية احتياجات هؤلاء الطلبة مع ما يوفره ذلك على الأهالي ويشجع الفتيات الفلسطينيات على استكمال التعليم العام في ظروف جيدة. وعدم وجود فروع علمية في المدارس الريفية للإناث والذكور يقلل من فرصهم في متابعة مسيرتهم التعليمية في الجامعات المحلية والعربيةوالأجنبية . ومما يزيد الطين بله وجود المستعمرات اليهودية بين القرى والمدن واضطرار هؤلاء الطلبة إلى دراسة تخصصات لا تلبي رغباتهم ، كي لا يصطدموا مع قوات الاحتلال التي تتربص بهم الدوائر كلما ذهبوا أو أتوا للمدرسة خارج منطقتهم.
خامسا : شبكات المجاري والصرف الصحي : تعاني غالبية إن لم يكنكل قرى وبلدات الريف الفلسطيني من انعدام شبكات المجاري والصرف الصحي التي تساهم فيالحفاظ على الصحة والنظافة العامة . فهناك قرى وبلدات قريبة أصلا منالأودية التي تجري فيها المياه العادمة الآتية من شبكات الصرف الصحي للمدن الكبرىوالمخيمات القريبة منها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تعاني قرى شرق نابلس مثل عزموط ودير الحطب وسالم وبيت فوريك وبيت دجن والتي يبلغ تعداد سكانها أكثر من ثلاثين ألف نسمة، من عدم وجود شبكة صرف صحي علما بأن وادي الشاجور الذي تمر به المياه العادمة القادمة من مدينة نابلس ومخيمات بلاطة وعسكر القديم والجديد، يمر من أراضي قرية عزموط ولا يبعد عن القرية إلا بعض عشرات من الأمتار، وهذا الأمر يشكل عبئا ثقيلا إضافيا على أعباء العيش في الريف الفلسطيني مع ما يكلف ذلك من تبعات مالية شهرية وسنوية متصاعدة . والأجدى بهيئات الحكم المحلي مجتمعة بالتعاون مع وزارة الحكم المحلي والمجلس الاقتصادي الفلسطيني المبادرة لتنفيذ هذاالمشروع الحيوي لسكان المنطقة المذكورة.
سادسا : إنشاء النوادي الاجتماعية والثقافية والرياضية : تعاني معظم قرى فلسطين من قلة أو انعدام خدمات النوادي الاجتماعية والثقافية والترفيهية والرياضية ولهذا تبرز الحاجة إلى إنشاء مكتبات عامة تابعة لمجلس خدمات مشتركة ، وتنظيم مخيمات صيفية وترفيهية وخاصة في فصل الصيف للكبار والصغار للترويح عن المواطنين الفلسطينيين.
سابعا: تشجيع الاستثمار في الريف : وذلك عبر سن قوانين محفزة، فعملية تشجيع الاستثمار في بلدات وقرى فلسطين تساهم في إيجاد فرص عمل جديدة للمواطنين، وتساعد في تنمية الريف بصورة عامة وبالتالي المساهمة في دعم صمود المواطنين فوق أرضهم، أرض آبائهم وأجدادهم . ويمكن أن يشمل تشجيع الاستثمارالصناعات الريفية والعصرية والتنمية الزراعية الأفقية والرأسية والإسكان الجماعي.
ثامنا : تطوير المخططات الهيكلية الريفية بإضافة مساحات جديدة لها، والسماح بتعدد الطوابق للمباني لتشجيع حركة العمران، فأنظمة الأبنية الريفية ما زالت قديمة عفا عليها الزمن وبحاجة إلى تطوير والأخذ بطريقة ترخيص المباني على النمط الحضري في المدن لتقليل استعمال الأراضي الزراعية للبناء، والحفاظ علىالزراعة الفلسطينية.
وكل هذه المشكلات والمعوقات التي تواجهها بلدات وقرى فلسطين تجعل الشباب الفلسطيني فريسة سهلة للهجرة الداخلية والخارجية وتفريغ الريف من فئات المتعلمين والمثقفين ، فبعض هؤلاء الشباب ، وحدهم أو مع أسرهم يتركون الريف ويذهبون للسكنى في المدن، مع ما يسبب ذلك من تفريغ للأرض الفلسطينية وجعلها لقمة سائغة أمام طموحات وجشع المستوطنين اليهود الغرباء على هذه البلاد.
ولهذا لا بد من تضافر كافة الجهود الشعبية والرسمية من المواطنين والحكومة بوزارتها المختلفة وهيئات الحكم المحلي والجهات المانحة للعمل على إعطاء التنمية الريفية حقها بصورة فعلية لا نظرية، فالوضع الآن لا يتحمل المماطلة والتهرب من تحمل المسئوليات لتعزيز صمود أبناء فلسطين في أرض فلسطين كأرض عربية إسلامية.

(6) تنمية قيادة هيئات الحكم المحلي الفلسطيني
من المفترض وضع برامج تدريبية لرؤساء وأعضاء مجالس هيئات الحكمالمحلي في فلسطين ، وذلك بغية رفع كفاءتهم بتزويدهم بالمعارف والمهارات والخبراتالضرورية لإنجاح عمل نظام الحكم المحلي في . ويمكن أن يتم التدريب من خلالتزويد المشاركين في دورات الحكم المحلي المقترحة بالكتب المتعلقة بأنظمة الحكم المحلي العالمية وخاصة نظام الحكم المحلي الفلسطيني الجديد ، وتنظيم محاضرات وندوات ومؤتمرات وحلقات دراسية ومجموعات عمل تتلقى علوما نظرية وتدريبات عملية على كيفية إدارة هيئة الحكم المحلي، والتدريب الميداني يشمل زيارات لهيئات محلية كبرى ناجحة في فلسطين والدول العربية والخارج بتمويل محلي ووطني فلسطيني وعربي وأجنبي للاستفادة من تجارب الآخرين في المحليات. ومن المفضل أن تشتمل المحاضرات والندوات والمؤتمرات الدورية الكبرى على نطاق المحافظة أو على الصعيد الفلسطيني العام (سنوية مثلا ) أهداف الحكم المحلي، وخصائص أنظمة الحكم المحلي وخاصة النظام المحلي الفلسطيني ، وقانون الهيئات المحلية وقانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية ،والشؤون المالية والإدارية ، وإعداد الموازنات والقوائم المالية للهيئة المحلية ، وتطوير المهارات الفنية بالهيئة المحلية مثل، جدول أعمال المجلس، طرق تنظيم جلسات مجلس الهيئة المحلية، وأساليب المناقشة والحوار الداخلي وكيفية اتخاذ القرارات المحلية الناجحة ، وأساليب المتابعة والتقييم والتقويم وتشكيل اللجان الفرعية للهيئة المحلية ، والمجلس الاستشاري وطرق القيادة المحلية الناجحة والإشراف على المشاريع القائمة والجديدة، ودور المجالس المحلية في تنمية المجتمع بالتمويل الاستثماري في المشاريع الحيوية وسواها من المواضيع . وكذلك ترتيب زيارات ميدانية وتشكيل خلايا بحث علمي كل خلية يشرف عليها موجه مختص بقضايا الحكم المحلي.
(7) الإنارة العامة في المدن والقرى الفلسطينية
برأينا، هناك عشرات الشوارع في المدن، ومعظم إن لم يكن كافة الشوارع في الريف الفلسطيني غير مضاءة وهي بحاجة إلى إنارة من جديد ، فبعض مصابيح هذهالشوارع أتلفت وكثير من الشوارع لم تكن مضاءة أصلا ، وهذا الأمر بحاجة إلى تفكيرجدي لمتابعته ، وهناك مجمعات قروية بحاجة لإضاءة لتسهيل وصول الناس لها ليلا. ويقع ذلك على عاتق الهيئات المحلية الفلسطينية، فهي صاحبة الاختصاص والصلاحيات ولديها الموازنات السنوية الخاصة بالخدمات الحيوية والعامة . وهذه المسالة لا تحتاج إلى كثير من الأموال بل تحتاج إلى إدارة صحيحة ومتابعة من ذوي العلاقة ، فهناك أقساما فنية في كل هيئة محلية في البلاد يمكن أن تقوم بهذا الدور في غضون فترة زمنية قصيرة إذا ما توفرت الإرادة والتمويل اللازم . ورب قائل يقول ، إن شبكات المياه والكهرباء بحاجة إلى تبديل وتغيير وهذا الأمر صحيحا إلا أننا لا يمكن أن لا نولي هذه المسألة الاهتمام اللازم وخاصة في ظل انتشار الفوضى في ظل الاحتلال الصهيوني المتسلط على رقاب أبناء شعب فلسطين.
(8) تسمية الشوارع وترقيم المساكن والعقارات
نرى أنه من ضمن أولويات عمل الهيئات المحلية الفلسطينية المقبل ، يفترض أن يكون إطلاق أسماء على الشوارع وترقيم المساكن والعقارات في مختلف المدنوالبلدات والقرى الفلسطينية وذلك لمواكبة احتياجات المرحلة العصرية من حياة أبناءشعب فلسطين، وهي مسألة بسيطة يفترض أن تنفذ بسرعة فهي مظهر من المظاهر الحضارية للمدن والقرى الفلسطينية . فهناك مدن بلا أسماء شوارع ، وأما البلدات وهي المدن المتوسطة الحجم والقرى الفلسطينية فلا أسماء بتاتا لشوارعها وطرقها وأزقتها. فكماهو الحال في المدن في العالم، يجب أن تراعى كافة الخصائص من خصائص تاريخية وجغرافية وطبوغرافية عصرية وتركيب معماري وتوقعات التوسع العمراني والظروف الاجتماعية والبساطة والمرونة وفق أنظمة التخطيط العامة للمدن الكبيرة والمتوسطة والصغيرة والقرى في فلسطين بإتباع طرق عصرية لهذه الغاية . ويجدر الأخذ بعين الاعتبار المناطق المستحدثة في الأسماء وفق التصميم الشبكي والتسلسل الهرمي للشوارع واعتماد المدارس والمساجد والأبنية الحكومية للتمييز في نقاط التركيز والبداية والخطوط القاعدية. وفيما يتعلق بالمساكن أو البيوت والعقارات فالأفضل أن تسمى المساكن والعمارات والمنشآت بكل شارع أرقاما متسلسلة فردية وزوجية . وتأتي هذه التسمية للشوارع والبيوت والعقارات لتسهيل عمليات التنظيم والتخطيط الحضري والعمراني للمرحلتين الراهنة والمستقبلية كنواة من أنوية التنمية الشاملة.
ويمكن تقسيم المدن المتوسطة ( البلدات ) والقرى الفلسطينية إلى قطاعات، وتقسيم القطاعات إلى أحياء على أن تكون هناك فواصل بين هذه القطاعات طبيعية جغرافية أو شوارع وطرق رئيسية . وهذه المسألة تعطي المواطن الفلسطيني أهمية بالأمكنة والشوارع ، وترمز أسماء هذه الشوارع إلى أسماء شهيرة في التاريخ الإسلامي والعربي والفلسطيني . كأسماء الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والفاطميين والأيوبيين والعثمانيين وغيرهم. وأسماء صحابة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وأمهات المؤمنين والتابعين، وقادة الفتح العربي الإسلامي والأئمة والفقهاء والمعارك الإسلامية الشهيرة، وشهداء فلسطين والوطن العربي ، وأسماءالعلماء والشعراء ، وأسماء المدن والقرى الفلسطينية والعربية والإسلامية ، وأسماء الأودية والأنهار والبحار والجبال الفلسطينية.
ويمكن أن يشتمل مشروع تسمية الشوارع والبيوت والعقاراتعلى تنفيذ لوحات أسماء الشوارع الفلسطينية الرئيسية ولوحات الشوارع الفرعية وترقيم العقارات الفلسطينية ، واللوحات التوجيهية والإرشادية على مرحلة أو مراحل متعددة تسهيلا لتنفيذها وفق أسس علمية ، وسعي الهيئة المحلية للحفاظ على هذه الأسماء . ويمكن أن تقوم بهذه المهمة الهيئات المحلية بالتعاون مع وزارة الحكم المحلي الفلسطينية ، والمجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والأعمار باشتراك خبراء محليين في هذا المجال .
وتهدف هذه التسميات والترقيمات إلى عدة غايات توفر الوقت والجهد والمال في الآن ذاته، ومن أهم هذه الأهداف والغايات المتوخاة من عملية تسمية الشوارع والأحياء وترقيم البيوت والعمارات والمنشآت ما يلي :
(1) تعريف المواطن بمكان سكنه ، ورمزية ذلك المكان والاسم الذي يتخذه الشارع أو البيت.
(2) تسهيل عملية وصول الخدمات العامة للمواطنين مثل الماء والكهرباء والزيارات من خارج المنطقة المأهولة.
(3) تسهيل وصول خدمات الطوارئ والدفاع المدني والإسعاف الأولي في حالة وقوع كارثة طبيعية .
(4) تسهيل عملية توزيع قوى الأمن والشرطة الفلسطينية ووصول قوى الأمن والشرطة لحل نزاعات ومشكلات معينة.
(5) تسهيل وصول خدمات البناء والصيانة العامة .
(6) تسهيل وصول البريد العادي.
(9) تشكيل مجالس مساعدة للهيئات المحلية- مجالس استشارية
تتمثل في إنشاء مجلس استشاري من مسئولي المؤسسات والفعالياتا لاجتماعية والاقتصادية والطلابية والعمالية والنسوية وغيرها، ومجلس بلدي الأطفال لكل هيئة محلية . تهدف هذه المجالس المساعدة، لمعاونة الهيئات المحلية في تنفيذ برامجها التطويرية والخدمية العامة، وتكون لهذه المجالس صفة استشارية فقط وليس لها حق اتخاذ القرارات فيما يتعلق بفعاليات ونشاطات الحكم المحلي في كل وحدة إدارية في المدن والقرى الفلسطينية . وهناك بعض الهيئات المحلية التي عملت على تطبيق هذه السياسة المحلية لضمان مشاركة جماهيرية أفضل من قطاعات رديفة للهيئة المحلية تعمل على إنجاح النشاطات والمشاريع بشكل إيجابي وتقليل الحساسيات العائلية والحزبية وغيرها.
(10) إنشاء مناطق صناعية أو حرفية خارج المناطق السكنية
يلاحظ أن معظم الصناعات كورش الحدادة والنجارة ومعامل الطوب والبلاط ومناشير الحجر في المدن الكبرى والمتوسطة تقوم في وسط الأحياء السكنية ، فهذه فوضى صناعية تؤدي إلى إزعاج كبير للمواطنين بوساطة الضجيج والضوضاء وتلوث الهواء داخل الأسواق والمكارة الصحية، والأمر يستدعي إيجاد مناطق صناعية متكاملةقريبة من المدن خارج هذه الأحياء السكنية لتكون ملائمة للمتطلبات الصحية والمهنية على أكمل وجه ممكن.
(11) إعادة تنظيم مواقف المركبات والأسواق التجارية
تنتشر مواقف السيارات العامة والخاصة في مختلف أرجاء المدن بدون تنظيم هندسي مناسب ، ومن الضروري العمل على إعادة تنظيم هذه المواقف أوالمحطات للتسهيل على المواطنين ، وهناك تجارب بلدية في هذا المجال نفذته بلدية البيرة وبلدية نابلس يساهم في التخفيف عن كاهل المواطنين وتتمثل هذه التجربةالجديدة في بناء بناية كبيرة تتألف من عدة طوابق كما حدث في مدينة نابلس حيث تمتشييد بناء مؤلف من تسعة أدوار تعمل على تجميع محطات المركبات والحافلات في أماكن قريبة من الأسواق لإيجاد الراحة والطمأنينة لدى المواطنين . وكذلك فإن الأسواق المحلية في المدن والقرى بحاجة إلى إعادة تنظيم على أسس هندسية عصرية ملائمة ومعالجة شؤون البسطات التي تنتشر هناك وهناك على أرصفة الشوارع الرئيسية، وهذاالأمر بحاجة لحل جذري وليس مؤقتا وذلك لإضفاء المنظر الجمالي والحضاري على أسواقالمدن والقرى الفلسطينية ، والحد من أزمة السير التي تسببها هذه البسطات التي تباعفيها الألبسة والمأكولات والخضار والفواكه وسواها .

(12) الاهتمام بالسياحة الداخلية الفلسطينية
يفترض أن يتم ايلاء السياحة الداخلية الفلسطينية اهتماما خاصا من قبل الهيئات المحلية الفلسطينية بإنشاء متنزهات محلية وقومية والاهتمام بترميما لأماكن الدينية وإقامة النصب التذكارية والتي تساهم في الترويح عن المواطنين من جهة وتغذي فرعا مهما من فروع الاقتصاد الوطني الفلسطيني المتمثل بالسياحة.
واعتمادا على ما عرض وتمت مناقشته نظريا وعمليا ، من بيانات ونتائج واستخلاص ، في دراسة الحكم المحلي في فلسطين، عبر التاريخ الماضي والحاضر،فإنه لا بد من استشراف المستقبل ، هناك عدة توصيات عامة يرى الباحث أن عملية تنفيذها على ارض الواقع تعمل على تحقيق المصلحة الوطنية العليا على الصعيد المحلي الفلسطيني والنهوض بأوضاع الهيئات المحلية العامة في فلسطين، والارتقاء بمستوياتالأداء المحلي وزيادة إنتاجية الهيئات المحلية الكبرى والمتوسطة والصغرى، في مجالات الخدمات العامة كالماء والكهرباء والصرف الصحي ، والتخطيط الحضري والريفي ، وبناء المرافق البلدية العامة ، والمكتبات البلدية العامة وسواها .
ومن أهم التوصيات التي يمكن إيرادها
أولا : جعل المهمة الأساسية لوزارة الحكم المحلي العمل على وضع السياسة العامة والتخطيط ومتابعة عملية التنفيذ العام. وكفالة الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري للهيئات المحلية. وتدعيم سياسة التوجه نحو اللامركزيةعلى خريطة الحكم المحلي في فلسطين ، بمنح هيئات الحكم المحلي صلاحيات عامة في مجالات الخدمة البلدية المحلية . وتعزيزا لدور اتحاد الهيئات المحلية لتكون الهيئات المحلية تحت إشراق قيادة مركزية موحدة. وإنشاء وزارة خاصة بالمهجرين الفلسطينيين ( اللاجئين والنازحين عن ديارهم الأصلية) في ارض الوطن والشتات، يكون من مهام هذه الوزارة متابعة شؤون المهجرين الفلسطينيين في المخيماتالفلسطينية في الداخل والخارج، ومن بينها الإشراف على لجان المخيمات الفلسطينية، خدميا وتنمويا وإداريا وتنظيم الانتخابات المحلية للمخيمات الفلسطينية لتكون بمثابة رديف لوزارة الحكم المحلي المختصة بالهيئات المحلية في المدن والبلدات والقرى الفلسطينية .
ثانيا : منح البلديات الكبرى صلاحيات واسعة في مجالات التخطيط العمراني وتنفيذ مشاريع البنى التحتية .
ثالثا : تشكيل أمانة جديدة للقدس الشريف تقوم بمتابعة الخدمات للمواطنين في هذه المدينة باعتبارها عاصمة للدولة الفلسطينية.
رابعا : زيادة الاعتماد المالي على الذات المحلية الفلسطينية، من خلال إيجاد مشاريع خدمية تدر تدريجيا دخلا متزايدا على هيئات الحكم المحلي،وتقليل الاعتماد على الآخرين على المديين المتوسط والبعيد.
خامسا : تفعيل مؤسسات الحكم المحلي عبر تنظيم دورات تدريبية لرؤساء وأعضاء الهيئات المحلية والعاملين في المرافق التابعة لهذه الهيئات. وأتباع نظام الحوافز المادية والمعنوية للمبدعين في تقديم الخدمات المحلية العامة.
سادسا : تعزيز العلاقات البلدية الداخلية بتقوية أواصر التعاون البلدي والقروي الفلسطيني لتأخذ المجالس البلدية الصغيرة والمجالس القروية خبرات متزايدة من الهيئات الكبرى لما يحققه ذلك من منافع جمة في خدمة جمهور شعب فلسطين في كافة أرجاء البلاد.
سابعا : تعزيز دور الهيئات المحلية في المجتمع ، وتطويرالخدمات المقدمة للمواطنين في مجالات الكهرباء والماء وفتح وتعبيد وإضاءة الشوارع والطرقات والخدمات الصحية العامة وإنشاء شبكات صرف صحي للبلدات المتوسطة والقرى القريبة من الأودية السحيقة التي تجري بها مجاري المياه العادمة . وزيادة الاهتمامبمراقبة الأغذية والأطعمة.
ثامنا : تعميق أواصر التعاون البلدي والقروي الفلسطيني مع الهيئات المحلية العربية والإسلامية والعالمية وزيادة حالات التوأمة البلدية والتآخي بين المدن والقرى الفلسطينية ومثيلاتها في العالم. وكذلك تقوية اتحاد الهيئات المحلية الفلسطيني.
تاسعا : إجراء انتخابات محلية دورية منتظمة حرة ونزيهة لتسييرشؤون هيئات الحكم المحلي وعدم الاعتماد على طريقة التعيين العشائري والمحسوبية. ورفد الجسم المحلي الفلسطيني بدماء جديدة وأخرى ذات خبرة ودراية فيمجال إدارة الشؤون المحلية، وعدم التصارع التنظيمي البعيد عن الشفافية.
عاشرا : سن القوانين العصرية لتنظيم شؤون هيئات الحكم المحلي في البلاد.
حادي عشر : إنشاء مكتبات بلدية عامة، وتطوير القائم منها لرفد الثقافة الفلسطينية بجيل فلسطيني قادر على مواجهة التحديات.
ثاني عشر : تقوية أسس التعاون مع المجلس الفلسطيني للتنمية والأعمار، وتوزيع متوازن للخدمات على مستوى فلسطين ، مع التركيز على المدن والقرىا لفلسطينية المنكوبة كمناطق تطوير ( أ).
ثالث عشر : إنشاء معهد الحكم المحلي الفلسطيني ، ودعم وتشجيععملية إجراء الأبحاث المتعلقة بهيئات الحكم المحلي معنويا وماليا بصورة منتظمة.
رابع عشر : تعزيز خدمات الدفاع المدني الفلسطيني التي تقوم بهاالبلديات، وإنشاء مراكز دفاع مدني جديدة في كافة مراكز الهيئات المحلية.
خامس عشر : وضع المخططات الهيكلية المستقبلية للمدن والقرى والخرب والعزب الفلسطينية لتلبية احتياجات شعب فلسطين خلال الخمسين سنة المقبلة. وإعادة تنظيم الشوارع لمواكبة احتياجات المرحلة ، والعمل على تنظيم المرور عبرالإشارات الضوئية عند مفترقات الطرق والشوارع الرئيسة، والمواظبة على تنظيمالأسواق العامة، وإيلاء الصحة العامة أهمية مناسبة.
سادس عشر : إتباع نظام المحاسبة الدورية والشفافية المالية في الهيئات المحلية الفلسطينية وفق مبدأ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.
سابع عشر : إطلاق أسماء على الشوارع في الريف الفلسطيني من بلدات وقرى وعزب وخرب.
ثامن عشر : ترشيد عمليات استخدام المياه، والحفاظ على البيئة لتبقى فلسطين خضراء وجميلة.
تاسع عشر:العمل على الاهتمام بالموظفين العاملين في مرافق الهيئات المحلية في البلاد، بشكل يحفظ لهم حقوقهم كاملة ، والعمل على إنصاف المظلومين منهم ، وتثبيتهم، وأتباع نظام التقاعد والضمان الاجتماعي للعاملين فيهذه الهيئات.
عشرون:استخدام طريق الحوار المفتوح بين مسئولي الهيئات المحلية والمواطنين بشكل دوري منتظم .
واحد وعشرون : تأسيس المعهد الوطني للحكم المحلي ، والعمل على إدراج تدريس مادة الحكم المحلي في فلسطين في الجامعات الفلسطينية ، وتشجيع الدراسات والأبحاث المتعلقة بالحكم المحلي ، لما لذلك من أهمية في زيادة تفعيل هيئات الحكم المحلي.
ثاني وعشرون : زيادة الاهتمام بالسلطات المحلية العربية في فلسطين المحتلة عام 1948 (الجليل والمثلث والنقب والساحل) ودعمها في المجالات المادية والمعنوية والحفاظ على أواصر التعاون والتعاضد بينها وبين بقية الهيئات المحلية الفلسطينية في محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس من جهة والهيئات المحلية العربية والإسلامية والعالمية من جهة ثانية.
ثالث وعشرون : تطوير برامج التنمية والتعمير الوطني ليكون نطاق عمل الهيئة المحلية نواة صلبة لها، عبر برنامج تشجير فلسطين الخضراء، والتحريج الوطني، وإنشاء المتنزهات الوطنية الكبرى.
رابع وعشرون : الاهتمام بجوده المياه الجوفية واستغلالها وتحسين نوعيتها.
خامس وعشرون : سن النظام التشريعي الأمثل لهيئات الحكم المحلي عبر تطوير القوانين الموجودة بما يخدم المصلحة المحلية والمصلحة الوطنية العليا.
وتوزيع السلطات الإدارية بين الهيئات المحلية والحكومة المركزية الفلسطينية وتمكي نالهيئات المحلية من ممارسة صلاحيات أكثر شمولا وعمقا.
سادس وعشرون : تطوير النظام الإداري للحكم المحلي في فلسطين بوساطة زيادة عدد مجالس الخدمات المشتركة لتوحيد الخدمات الحيوية والاستفادة منالأجهزة ذات الكفاءة. وتشكيل لجان متخصصة متعددة لمعاونة المجالس البلدية، بغية زيادة الإنجاز وتطبيق نظام الحوافز المادية عبر استقطاب الكفاءات الإدارية والفنية وتوظيفهم في الهيئات المحلية كمتفرغين أو كأعضاء فاعلين في مجلس الهيئة المحلية. وتقديم جوائز تقديرية للعاملين في الهيئات المحلية تقديرا لجهودهم الإبداعية المتفانية لتفعيل نشاطات الهيئات المحلية.
سابع وعشرون : إيلاء التنمية الريفية اهتماما أكبر في المجالاتالاقتصادية والاجتماعية، لتكون ضمن الخطة الوطنية العامة الشاملة.

* دكتوراه علوم سياسية
جامعة فلسطين التقنية / طولكرم

نشرت في جريدة الحياة الحياة ، رام الله - فلسطين ، يوم السبت 12/8/2006 صفحة 7 ، وفي 13/8/2006 صفحة 10 ، و14/8/2006 صفحة 8 ، و15/8/2006 صفحة 10 .

الأربعاء، 28 مايو 2008

فِلَسْطِينُ الْعَرَبِيَّة ُالْمُسْلِمَة ُ





فِلَسْطِينُ الْعَرَبِيَّة ُالْمُسْلِمَة ُ

د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة
يقول الله السلام المؤمن المهيمن العزيز الحكيم جل جلاله :
{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً . ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً . وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرا . إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً . وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } . ( القرآن المجيد ، الإسراء ، الآيات 1 – 10 ) .
و قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى " . رواه الجماعة .

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ " . مسند أحمد ، الجزء 45 ، ص 281 .
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا ابْنَ حَوَالَةَ : إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ، فَقَدْ دَنَتْ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَايَا وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ ، وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ إِلَى النَّاسِ مِنْ يَدَيَّ هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ " . مسند أحمد ، الجزء 45 ، ص 471 .

وبالنسبة لاسم ( فلسطين العربية المسلمة ) فإنني اجتهدت في أن أطلق التسمية من الصغير للكبير فالأكبر . فكما ينسب الإنسان نفسه : اسمه فإسم الأب فإسم الجد فالعائلة ، والأصل أو الجذر هو العائلة . وكذلك فلسطينية فلسطين هي الدائرة القطرية الصغرى الأولى ، وعروبة فلسطين هي الدائرة الإقليمية الثانية ، وهي الوسطى ، وإسلامية فلسطين هي الدائرة العالمية الكبرى . وبذلك فإن التعامل مع فلسطين الأرض المباركة يجب أن يبدأ من أهلها فالعرب فالمسلمين . ولكن هذه البلاد هي إسلامية أولا ثم عربية ثانيا ثم فلسطينية ثالثا إن شاء الله تبارك وتعالى . وهذه هي فلسفة النصر الآتي في المستقبل بالمعالجة الكبرى فالوسطى فالصغرى ، لأن هذه البلاد لم تتحرر يوما من الاحتلال الأجنبي إلا بالإسلام أولا وآخرا .

1) مساحة فلسطين
فلسطين جزء لا يتجزأ من الوطن العربي . فهي جزء من بلاد الشام ( سوريا والأردن ولبنان وفلسطين ) ، والهلال الخصيب الذي ضم بلاد الشام والعراق . تبلغ مساحة فلسطين التاريخية نحو 027 ر27 كم2 . تتألف من اليابسة والبحيرات : ( اليابسة 320 ر 26 كم2 + مساحه المياه 704 كم2 : بحيرة الحولة 14 كم2 ، وقد جففت . وبحيرة طبرية 175 كم2 ( طولها 20 كم وعرضها 10 كم تقريبا ) وجزء من البحر الميت ( مساحته الإجمالية 1050 كم2 ) . وفلسطين مستطيلة الشكل طولها من الجنوب للشمال 430 كم ، وعرضها ما بين 51 كم و70 كم . وعرضها في الوسط ما بين 72 – 95 كم وعرضها جنوبا حوالي 117 كم . وطبيعيا تنقسم فلسطين لأربعة أقسام هي : الساحل والسهول غربا وشرقا وشمالا ( السهل الساحلي وسهل الحولة ومرج ابن عامر وبيسان وبحيرة طبرية ) ، والجبال في الوسط ( جبال الجليل والكرمل ونابلس والخليل ، وأعلى جبال فلسطين جبل الجَرمَق 1208 م قرب صفد ) والأغوار الفلسطينية شرقا ( وفيها البحر الميت – بحر لوط - أخفض بقعة عالمية 395 م تحت سطح البحر . طوله 76 كم وعرضه 17 كم ، شديد الملوحة ) وصحراء النقب جنوبا . ونهر الأردن ( الشريعة ) الذي يخترق الحولة ثم بحيرة طبرية ويصب في البحر الميت هو الفاصل بين الأردن وفلسطين .
تضم أرض فلسطين التاريخية إداريا مناطق الجليل والمثلث والنقب والساحل الفلسطيني والضفة الغربية وقطاع غزة . وتبلغ مساحة الأجزاء المحتلة من فلسطين عام 1948 من الاحتلال الصهيوني نحو 770 ر 20 كم2 فيما يطلق عليه الجليل والمثلث والنقب والساحل وهذا الجزء يعادل 4 ر 77 % من مساحة فلسطين التاريخية بينما تبلغ مساحة الضفة الغربية 878 ر 5 كم2 ، وتشكل 3 ر20 % من مساحة فلسطين التاريخية ، ومساحة قطاع غزة 363 كم2 وتعادل 3 ر2 % من مساحة فلسطين التاريخية وهاتان المنطقتان احتلهما الاحتلال الصهيوني في حزيران 1967 ، ثم أعاد الانتشار منهما في اتفاقية أوسلو عام 1993 واتفاقية القاهرة في 1994 . ثم انسحب الاحتلال الصهيوني من محافظات قطاع غزة في أيلول 2005 فيما عرف بفك الارتباط أو الانفصال الأحادي الجانب عن الفلسطينيين .
2) موقع فلسطين
أولا : الموقع الفلكي : تقع فلسطين الكبرى ( التاريخية ) ، بين دائرتي عرض 30ر29 – 15 ر 33 شمالا ، وخطي طول 15 ر34 – 40 ر 35 شرقا .
ثانيا : الموقع الجغرافي : تقع فلسطين شرق البحر الأبيض المتوسط وتمتد حدودها لنهر الأردن شرقا ، وتتميز البلاد بموقع استراتيجي هام يربط بين قارات العالم القديم الثلاث آسيا وأفريقيا وأوروبا . وهي قلب الوطن العربي إذ تربط الجناح الأفريقي بالجناح الآسيوي .
ثالثا : الحدود : يحد فلسطين شمالا سوريا ولبنان ، وجنوبا مصر وخليج العقبة الأردني ، ويحدها شرقا الأردن وغربا البحر الأبيض المتوسط . ويبلغ طول الحدود الشمالية مع سوريا 70 كم ، ومع لبنان 79 كم ، والحدود الشرقية مع الأردن 360 كم ، والحدود الغربية على ساحل البحر الأبيض المتوسط 224 كم ، والحدود الجنوبية مع مصر 240 كم ، وعلى ساحل خليج العقبة الأردني 5 ر10 كم . وهذه الحدود هي التي عرفت بها منذ عهد الاحتلال ( الانتداب ) البريطاني على فلسطين في مطلع العقد الثاني من القرن العشرين الماضي .
3) أهمية فلسطين
تتمتع فلسطين بأهمية متعددة الأشكال في مختلف المجالات على النحو التالي :
1. الأهمية الدينية : تشكل فلسطين مهد الأديان السماوية الثلاث : اليهودية والنصرانية والإسلام . فتعتبرها هذه الأديان الأرض المقدسة أو المباركة ، وبالتالي تجذب الاهتمام الروحي العالمي من أتباع الديانات الثلاث . فقد احتضنت هذه البلاد في قلبها عدد من الأنبياء ، مثل : إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ولوط ، ويعقوب ويوسف وداود وسليمان ، وعيسى ومحمد ( في معجزة الإسراء والمعراج ) عليهم السلام جميعا وغيرهم . وتضم فلسطين مقابر الأنبياء : قبر إبراهيم عليه السلام في الخليل وزوجته سارة ، وقبر شعيب عليه السلام في حطين ، وقبر يونس عليه السلام في حلحول . وقبري زكريا ويحيى في سبسطية قرب نابلس ، وقبر راحيل أم يوسف عليه السلام في بيت لحم . وفي فلسطين الكنائس النصرانية الثلاث : البشارة في الناصرة والمهد في بيت لحم ، والقيامة بالقدس التي يحج إليها النصارى من جميع أنحاء العالم . كما أنها تشكل أهمية كبرى للمسلمين فبيت المقدس أولى القبلتين وفيها المسجد الأقصى المبارك ثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين وارتبطت بها معجزة الإسراء والمعراج بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلى وفرض الصلوات الخمس على الأمة الإسلامية فهي بوابة الأرض إلى السماء . كما أن اليهود يتطلعون لها في العالم كونها احتضنت مملكتي داود وسليمان ورفاتهما عليهما السلام .
2. الأهمية التاريخية : لفلسطين أهمية تاريخية مميزة حيث أهتم بالسيطرة عليها مختلف الشعوب والأمم عبر التاريخ القديم والحديث والمعاصر ، بدءا من الشعوب المهاجرة إليها سلما وانتهاء بالدول العظمى التي احتلتها عنوة عبر العصور والأزمان منذ بداية التاريخ ، من العرب الكنعانيين والفلسطينيين والعبرانيين والبابليين والكلدانيين والآشوريين والرومان والفرس والمسلمين والمصريين والبريطانيين والصهاينة مع بقاء أهلها الأصليين في جميع الحقب الزمنية المذكورة . وفي فلسطين أقدم المدن العالمية كأريحا ويبوس ( بيت المقدس ) .
3. الأهمية الجغرافية الاستراتيجية : تتمتع فلسطين بموقع استراتيجي هام بين مختلف قارات العالم القديم والحديث . ففلسطين هي قلب الوطن العربي ، والوطن العربي يشكل قلب العالم . وبهذا فإن فلسطين ملتقى القارات بين آسيا وأفريقيا وأوروبا .
4. الأهمية الاقتصادية : كون فلسطين تشكل ملتقى قارات العالم ، فإنها تتمتع بمكانة اقتصادية تجارية ، فهي محور التجارة البرية بين البحر الأبيض المتوسط غربا والخليج العربي شرقا . كما أنها سوقا استهلاكيا للسلع الأجنبية عبر التجارة البرية الأوروبية والأمريكية لتصل إلى الهند والمناطق المجاورة لها خاصة في العصور القديمة والحديثة . والبحر الميت بفلسطين غني بالبوتاس والأملاح الأخرى والنفط بعد اكتشافه حديثا ، وساحل غزة غني بالغاز الطبيعي .
5. الأهمية المناخية : فلسطين منطقة معتدلة المناخ صيفا وشتاء يتراوح متوسط درجات الحرارة فيها ما بين 5 – 30 درجة مئوية في تعاقب فصول السنة ألأربعة .
6. الأهمية العسكرية : تتمتع فلسطين بموقع عسكري هام في العالم ، فموقعها الجغرافي يتيح لها توسط منطقة كبيرة وهامة . وكل دولة تسيطر عليها أو تحتفظ بقواعد عسكرية أو بتواجد عسكري فيها تتمتع بنفوذ قوي في المنطقة والعالم ، وهذا ما ثبت عبر التاريخ البشري القديم والحديث والمعاصر .
4) السكان
تعاقب على أرض كنعان عدة هجرات بشرية ، تصارعت فيما بينها لحكم البلاد وتسيير شؤون الحياة العامة فيها ، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها . فتجمع سكان هذه البلاد من اختلاط بشري عبر تاريخ طويل ممتد منذ سبعة آلاف سنة . فقبل نحو سبعة آلاف عام كانت أريحا مركزا زراعيا مستقرا . ومنذ عام 3500 ق . م تنقلت جماعات سامية عبر موجات بشرية متلاحقة من شبة الجزيرة العربية إلى بلاد الشام ومنها فلسطين ، حيث استقر الكنعانيون في أرض ما بين البحر والنهر أو على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ، والعموريون في سورية والفنيقيون في لبنان . فجاءت الهجرة الكنعانية من أضخم الهجرات البشرية إلى الساحل الغربي من البحر الأبيض المتوسط ( فلسطين ) قبل التاريخ الميلادي في الفترة ما بين 4 – 3 آلاف ق . م ، وهناك منطقة في ساحل سلطنة عمان تدعى كنعان أيضا . وفي الأصل من الناحية الدينية ، يعد الساميون قبائل انحدرت من سام بن نوح ، وهو الإبن البكر لنوح عليه السلام . وأطلق لفظ سامي على الأمم والشعوب السامية التي خرجت من مهدها الأول من شبة الجزيرة العربية والتي تحدثت باللغة السامية وهي : الآشورية والبابلية ، والكنعانية ، والفنيقية ، والآرامية ، والعبرية ، والعربية ، والإثيوبية حيث توجد علامات تماثل بين لغات وملامح أجسام هذه الشعوب ، فالتشابه بين اللغات السامية تعود إلى اللغة السامية الأم وهي اللغة العربية الفصيحة . على أي حال ، تمكن الكنعانيون من السيطرة على مقدرات البلاد بشكل شامل وأطلقوا اسمهم على البلاد التي سكنوها بعد هجرتهم المذكورة كما وردت في التوراة اليهودية . وفي سنة 3000 ق . م استطاعت البلاد أن تتقدم حضاريا فأقيمت المدن التي تحكمها حكومات مدينية أي حكم قبيلة لمدينة معينة ، وبنيت عدة مدن ، من أبرزها : يبوس ( القدس اليوم ) وشكيم ( نابلس ) ، ومجدو ، وأريحا ، وبيسان وعكا ويافا وسواها ، فبلغ عدد المدن الكنعانية أكثر من مائتي مدينة ، وأقدم نقش لهم في هيكل الكرنك في الأقصر بمصر العليا إذ وردت أسماء 119 مدينة لهم في البلاد . وتشير المصادر التاريخية والأثرية في البلاد إلى أنه منذ العصر الحديدي الذي تراوح ما بين 1200 – 586 ق . م تتالى على المسرح السياسي للبلاد عدة قوى سياسية من الشرق والغرب والجنوب والشمال . ففي العصر الحديدي الذي بدأ في عام 1200 ق . م تقريبا شرع الإنسان الكنعاني باستخدام أدوات حديدية في مواقع فلسطينية بعدما كانت هناك حضارة برونزية استعمل فيها البرونز لصنع الأدوات وبناء الأسوار والبيوت والقصور وحفر الأنفاق المائية وصنع الخزف والأقمشة . ثم دخلت قوى بشرية جديدة للبلاد ( أرض كنعان ) في القرن 13 ق . م مثل الفلستينيين ( قبائل البلست Pelest ) حيث أسسوا عدة مدن من بينها غزة وعسقلان وأسدود وتل الصافي وسواها . وكانت للفلستينيين ( الفلسطينيين فيما بعد ) حضارة مدنية ومعمارية ، فخارية وهندسية في عدة مواقع كنعانية متقدمة . وبعد قدوم قبائل الفلسطينيين ( كإحدى شعوب البحر الغربي ) من جزيرة كريت اليونانية إلى بلاد كنعان ، أصبح السكان الأصليون وهم الكنعانيون في صراع حضاري وسياسي متواصل مع الفلسطينيين ، إلى أن غلب الطابع الفلسطيني على الطابع الكنعاني . وكان أول من أطلق اسم الفلسطينيين على القبائل البلستية القادمة من بحر ايجيه الإغريقي ( اليوناني ) هو هيرودوت المكنى بأبي التاريخ . ثم جاء العبرانيون في بداية العصر الحديدي بقيادة يوشع ( يشوع ) بن نون وكان قائدا إسرائيليا عنيفا حيث قرر إبادة جميع سكان البلاد ، كما تقول التوراة ، فدخل أقدم مدينة في التاريخ ، مدينة أريحا من جهة الشرق فحاصرها بنو إسرائيل وأحرقوها وقتلوا سكانها ثم سيطروا على جنوب فلسطين ، ولكن بقي جزء من شعب الكنعانيين في جزء منها . وتنتشر في فلسطين الآن عدة ديانات : الإسلام وهو الدين الغالب للسكان الأصليين ، والنصرانية ، والسامرية إضافة إلى الطوائف اليهودية المتعددة التي تحتل البلاد وتسيطر عليها .
وفي عام 2008 ، بلغ عدد الفلسطينيين في ارض الوطن والمنافي أكثر من 10 ملايين نسمة . منهم أكثر من 50 بالمائة في أرض الوطن ، بما يعادل نحو 3 ر 1 مليون نسمة في مناطق الجليل والمثلث والنقب والساحل الفلسطيني ، و4 ملايين نسمة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، ونحو 5 ملايين نسمة في العالم ، معظمهم في الدول العربية وفي مقدمتها : الأردن ثم سوريا ولبنان ، ومصر وغيرها ، والجزء الآخر منهم في أوروبا وخاصة ألمانيا ، وفي أمريكا الشمالية في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وفي أمريكيا الجنوبية كتشيلي وفنزويلا ، وكذلك الحال في قارة استراليا وغيرها . ولا بد من الإشارة إلى أن عدد اليهود في فلسطين الكبرى في العام ذاته بلغ نحو 4 ر5 مليون نسمة يعيشون في فلسطين المحتلة بقسميها المحتل عام 1948 والمحتل عام 1967 .
وغني عن القول ، إن هناك حركات وأحزاب وجبهات فلسطينية وطنية وإسلامية تسعى لتحرير فلسطين من أهمها : حركة التحرير الوطني الفلسطيني ( فتح ) ، وحركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) ، وحركة الجهاد الإسلامي وجبهات قومية وماركسية وغيرها . وقد خاض شعب فلسطين الثورات والانتفاضات لتحرير فلسطين منذ 1918 عندما بدأت الفدائية بأولى عملياتها ضد الاحتلال البريطاني ، ثم ثورات يافا والقدس والبراق وثورة فلسطين الكبرى ما بين 1936 - 1939 ، ثم انتفاضات الأعوام 1976 ، و1987 - 1994 ، وانتفاضة الأقصى المجيدة ما بين الأعوام 2000 - 2006 .
وتاريخيا أطلق على أرض كنعان ( فلسطين العربية المسلمة ) عدة أسماء منها : بلاد ما بين البحر والنهر ، وارض كنعان ، وفلسطين ، وهو الاسم الغالب لها حتى الآن ، والأرض المقدسة ، ومملكة داود ، ومملكة سليمان ، وهاتين المملكتين مسلمتين موحدتين لله العزيز الوهاب ، والأرض المباركة ، والمملكة اللاتينية وهي مملكة صليبية إبان استيلاء الصليبيين على فلسطين ، وسوريا الجنوبية ، وهي تسمية عثمانية لفلسطين ويطلق يهود على فلسطين زورا وبهتانا اسم ( أرض الميعاد ) أو ( إسرائيل ) ولمناطق فلسطين أسماء فرعية أخرى مثل : الجليل والمثلث والنقب والساحل والضفة الغربية وقطاع غزة . ويطيب للبعض تسميتها الدولة الإبراهيمية ونادى البعض كالقذافي في كتابه الأبيض بتسميتها ب ( إسراطين ) .