بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 9 ديسمبر 2009

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ .. الذكرى الثانية والعشرون للانتفاضة الفلسطينية الأولى المجيدة 8 / 12 / 1987 – 2009


لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ

مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ..

الذكرى الثانية والعشرون

للانتفاضة الفلسطينية الأولى المجيدة

8 / 12 / 1987 – 2009


د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
فلسطين العربية المسلمة

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)}( القرآن المجيد ، الحج ) .
المسيرة النضالية الفلسطينية المعاصرة بدأت بانطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة 1965 واستمرت النضالات على اختلاف أشكالها وأنواعها طيلة العقود الماضية ، في حين بدأت مسيرة الانتفاضة المجيدة في التاريخ الفلسطيني المعاصر في التاسع من كانون أول 1987 حيث انطلقت الشرارة الأولى وأشعل فتيل هذه الانتفاضة المباركة مساء الثامن من كانون أول من العام 1987 أيضا جراء تراكمات احتلالية متعاقبة واستشهاد اربعة عمال فلسطينيين وإصابة تسعة آخرين بجراح على مدخل غزة قرب طريق حاجز بيت حانون ( ايرز ) الفاصل بين محافظات غزة وصحراء النقب بفلسطين المحتلة 1948 وذلك بسبب صدم سيارة يهودية مقطورة لسيارة فلسطينية تقل عمالا فلسطينيين عائدين مساء من أعمالهم داخل الخط الأخضر في المنشآت الاقتصادية اليهودية .
وقد أعلن الرئيس الفلسطيني الراحل آنذاك ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية في خطابه التاريخي في ذلك اليوم عن استشهاد اربعة عمال فلسطينيين جدد ، كوكبة أخرى من قوافل شهداء الحق والحرية وهم : الشهيد عصام محمد حمودة ، كمال قدوره حسن حمودة ، شعبان سعيد النبهان وثلاثتهم من جباليا ، وطالب عبد الله أبو زيد من مخيم المغازي .
وفي أعقاب حادث الدهس الإجرامي الأخير الذي ارتكبه اليهودي ثم هرب داخل المستوطنات اليهودية غير مبال بحياة المواطنين الفلسطينيين إندلعت مسيرات ومظاهرات حاشدة هاتفة : الله أكبر ، الله أكبر مرددة الأهازيج الوطنية الفلسطينية في التاسع من كانون أول ، تلتها مسيرات ومظاهرات حامية الوطيس في بقية أجزاء الوطن الفلسطيني . وبذلك أصبحت الانتفاضة التاريخية محفورة في الذاكرة الفلسطينية التي لا تنسى الأحداث ( حادثة استشهاد اربعة مواطنين فلسطينيين ) . وكانت هذه الحادثة الأليمة الشرارة الأولى والسبب المباشر لإشعال لهيب الانتفاضة الشعبية الجماعية ، ثورة الحجارة والمقلاع ، حيث كانت نارا حامية ولظى نزاعة للشوى ضد الاحتلال الصهيوني البغيض واجهزتة وأعوانه .
وتصاعدت حدة الانتفاضة المجيدة واستطاع الشعب الفلسطيني في أرض الوطن والشتات أن يسخرها لخدمة الحق الوطني في الحرية والاستقلال وانشاء الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف ، وها ي ثمار الانتفاضة والمسيرة النضالية العامة تؤتي أكلها حيث تحررت مساحات من أرض الوطن وتنسمت عبير الحرية وما زالت أجزاء أخرى بانتظار التحرير الناجز . وهذه المرحلة تتطلب من الجماهير الفلسطينية التعاون مع كافة الشرائح الاجتماعية الأخرى لإعادة البناء والتعمير في أرض فلسطين المباركة .
ونحن في هذه الذكرى الخالدة ( الثانية والعشرون في 9 كانون الاول 1987 - 2009 ) نقف إجلالا وإكبارا لأرواح شهدائنا بعامة وشهداء الحركة العمالية بخاصة ، ونقرأ لهم سورة الفاتحة من القرآن العظيم ، ونستذكر هذه المناسبة كيوم وطني جيلا بعد جيل ، ولعمالنا البواسل كل التحية والاحترام الذين يواصلون العمل الليل بالنهار بشكل دائب في سبيل رفعة وتقدم هذا الوطن .
ولا بد من الإشارة الى أن العمل في سنوات الانتفاضة السبع من عام 1987 وحتى عام 1994 كان له مذاق خاص ، فاضطر الآلاف من الأيدي العاملة الى الانخراط في مهن جديدة لم يكونوا قد طرقوها وفقدان مهنهم الأصلية ولو لفترة من الزمن ، وكان يتخلل مسيرة الانتفاضة بصورة عامة والمسيرة العمالية بخاصة الإضراب العام والإضراب التجاري عدة أيام في الشهر وقد تصل الى أسبوع أو أسبوعين كإحدى فعاليات الانتفاضة المجيدة ومقاطعة المنتجات الزراعية والصناعية المصنعة من قبل المؤسسات الاحتلالية الصهيونية والاستعاضة عنها بالمنتجات المحلية . وأبان الانتفاضة الأولى الكبرى المجيدة ، لجأت الجماهير الفلسطينية للإضراب العام وعدم التوجه للعمل في سوق العمل المحلي الفلسطيني واليهودي للتعبير عن رفض الإجراءات الاحتلالية . وعلى الجانب الآخر ، لجأت قوات الاحتلال الصهيوني الى ممارسة الضغط والابتزاز التعسفي ضد التجار والعمال ، فتارة سمحت السلطات الصهيونية للعمال الفلسطينيين بالعمل وراء الخط الأخضر وتارة كانت تنصب هذه السلطات المحتلة الحواجز على مداخل الخط الخضر وتفرض حظر التجول على الأراضي الفلسطينية بصورة شاملة أو على نطاق محافظة أو مدينة أو قرية أو مخيم فلسطيني الأمر الذي ساهم بانخفاض المستويات المعيشية والاقتصادية في ارض الوطن . وعلى الرغم من ذلك ، فان التكافل الاجتماعي والاقتصادي والمعيشي بين أبناء الشعب الفلسطيني الواحد كانت تتجلى بشكل كبير .
أعزاءنا نحن الآن على أعتاب عام جديد ( 2010 ) ورغم إعلان وثيقة الاستقلال الوطني الفلسطيني في الجزائر في 15 / 11 / 1988 كثمرة غير ناضجة من ثمار الانتفاضة الفلسطينية الأولى ، إلا أننا لا زلنا بعيدين عن منافع الاستقلال الفلسطيني الحقيقي ، فالإعلان شيء ووجوده على أرض الواقع شيئا آخر ، حيث أصبح حلما يراود كل فلسطيني غيور على التراب الوطني .. وفي عام 1994 أقيمت نواة دولة فلسطين في جزء من ارض الوطن ، تمثلت في السلطة الوطنية الفلسطينية ، أو وفق ما يطلق عليه يهود فلسطين المحتلة ( الحكم الذاتي الفلسطيني ) إلا أن الوضع السياسي والاقتصادي القائم ، لا يبشر بتحقيق الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني ، غير القابلة للتصرف أو الإنحناء ، فالثوابت الفلسطينية لا زالت تمخر عباب البحر الهادر اللجي ، رغم الأمواج العاتية التي تهب من هنا وهناك من البحر الأبيض المتوسط والمحيطات العالمية ، بزعامة المستعمرين الأمريكان الجدد ، وستصل إن عاجلا أو آجلا لبر الأمان في حضن الوطن الإسلامي الكبير الدافئ ، والوطن العربي الأصغر ، والوطن الفلسطيني الصغير . ولا بد من التنويه إلى أن ما يطلق عليه رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني بالأرض المقدسة ( فلسطين ) بنيامين نتانياهو ( السلام الاقتصادي ) لا ولم ولن يجد نفعا لأهل فلسطين المباركة ، لأنه لا يلبي الحد الأدنى من الثوابت الفلسطينية .
ومع اقتراب العام الجديد ، يجب أن نراجع أنفسنا بأنفسنا ، ونستفيد من التجارب الجهادية السابقة ، وأن نتمسك بالإسلام العظيم ، لأنه هو الطريق الوحيد لتحرير الأرض الإسلامية والإنسان المسلم في جميع أنحاء العالم عامة ، وفي الأرض المباركة خاصة . يقول الله الحي القيوم ناصر المستضعفين في الأرض : { رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) }( القرآن الحكيم ، آل عمران ) .
فمصير الكفرة الفجرة من بني صهيون ، من أتباع تيودور هرتزل ، اليهودي الأوروبي ، الذين تجمعوا من أشتات قارات العالم ، وطغوا في البلاد ، وعذبوا العباد ، إلى الانحلال والزوال ، كما بادت وإنمحت المملكة اللاتينية في الأرض المقدسة ، منذ غابر الأزمان ، وكما زال الاحتلال البريطاني الشرير في الديار الفلسطينية ، إن شاء الله القوي العزيز ، قاهر الخلق أجمعين .
نأمل ونرجو من الله العزيز الحكيم أن يكون العام القادم 1431 هـ / 2010 م ، عاما طيبا مباركا حافلا بالإنجازات الوطنية على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعمالية ، نحقق في الآمال والتطلعات والأماني الإسلامية ، فلنكن على مستوى المسؤولية الوطنية ، ولتكن الذكرى الثانية والعشرون للانتفاضة حافزا نحو المثابرة والعمل الجاد الهادف الى نيل الاستقلال الاقتصادي . وليبادر أصحاب العمل الفلسطينيين الى الاستثمار الاقتصادي القادر على استيعاب عشرات الآلاف من الأيدي العاملة العاطلة عن العمل ، وليكن شعارنا الاستخدام الأمثل لقوى العمل والإنتاج للنهوض الوطني الاجتماعي والاقتصادي للمساهمة في بناء لبنات الدولة الفلسطينية لبنة فوق أخرى .
وليكن هذا اليوم الوطني الخالد يوما مميزا في الاهتمام بالأسرى خلف قضبان سجون الاحتلال الصهيوني وبذل المزيد من الاهتمام بالجرحى والمعاقين الفلسطينيين بشكل عام والعمال بشكل خاص الذين تضرروا بفعل فعاليات الانتفاضة المجيدة وتعرضوا لقمع سلطات الاحتلال الصهيوني البغيض فأصيبوا بجروح وإعاقات مؤقتة أو دائمة ، جزئية أو شبه كلية في أجسامهم . ولنقدم لهم كل الدعم والمساندة المالية والمعنوية كنوع من التكريم والتقدير لجهودهم وفعالياتهم النضالية ضمن بوتقة نضالية حضارية ترتقي بالمستوى الفلسطيني العام .
وقد أعقب الانتفاضة المجيدة الأولى ، إنتفاضة الأقصى الباسلة ، ما بين 2000 و2006 ، قدم فيها شعب فلسطين ، قوافل الشهداء والجرحى والأسرى الذين لا زال الآلاف منهم خلف القضبان الحديدية لدى الأعداء ، من أشتات أوروبا وقارات العالم .
ويبدو في ظل إنسداد الأفق ، بوادر إنتفاضة فلسطينية ثالثة ، تأكل الأخضر واليابس ، بسبب استمرار تنكر حكومة الكيان الصهيوني للاستقلال الوطني الفلسطيني بزعامة حزب الليكود ومن والاه من الأحزاب اليمينية المتطرفة ، والتعنت المتطرف بحرمان أهل البلاد الأصليين من حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وبذل الجهود لتكريس الحكم الذاتي الهزيل لحوالي 4 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وإبقاءهم في حالة الحصار الاقتصادي والسياسي والإغلاق العسكري والترقب الدائم لاستنشاق نسمات الحرية ، واستمرار قهر حوالي 1.3 مليون فلسطيني في الجليل والمثلث والنقب والساحل الفلسطيني ، وحظر عودة اللاجئين الفلسطينييين البالغ عددهم أكثر من خمسة ملايين فلسطيني إلى مواطنهم الأصلية .
وفي ظل الذكرى الثانية والعشرين للانتفاضة الفلسطينية الأولى الباسلة ، ما أحوجنا في فلسطين للوحدة الوطنية الشاملة والجامعة ، والاعتصام بحبل الله المتين ، وشد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك ، لحمايته من أرجاس وأنجاس المحتلين بالأرض المقدسة ، وتوفير سبل العيش الكريم للطاقة العاملة الفلسطينية ، وفتح أسواق العمل العربية أمام العاملين الفلسطينيين وفق مبادئ الأفضلية والأولوية لأهل فلسطين ، لإنقاذهم من براثن قهر الاحتلال الصهيوني ، وإبعاد شبح البطالة القاتل عنه أهل فلسطين الأصليين .
ومعا وسويا نحو البناء الحضاري للوزارات والمؤسسات والنقابات والاتحادات الاجتماعية والعمالية في أرض الوطن الفلسطيني .
والى هنا أعزاءنا ناتي الى ختام هذه المحطة من محطاتنا السياسية ، شكرا لمتابعتكم والى اللقاء في حلقة قادمة إن شاء الله . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ليست هناك تعليقات: