الأربعاء، 1 أغسطس 2012

تجربتي بالزحف الإسلامي الفلسطيني المقدس بإتجاه الأقصى بالقدس المحتلة ( 1 ) الجمعة 1 رمضان 1433 هـ / 20 تموز 2012 م


موقع المسجد الأقصى المبارك بالقدس المحتلة
تجربتي بالزحف الإسلامي الفلسطيني المقدس
بإتجاه الأقصى بالقدس المحتلة ( 1 )
الجمعة 1 رمضان 1433 هـ / 20 تموز 2012 م

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية والإعلام
رئيس مجلس إدارة شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس – فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17) }( القرآن المجيد ، الإسراء ) .
المسجد الحرام والمسجد الأقصى المبارك
وجاء في صحيح البخاري - (ج 4 / ص 376) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى " .
المسجد الأقصى المبارك بالقدس المحتلة
إستهلال

المسجد الأقصى المبارك بمدينة القدس المحتلة في الأرض المقدسة ( فلسطين ) هو أحد المساجد الإسلامية الثلاثة التي تشد الرحال إليها ، من دون المساجد الإسلامية في العالم . فالمسجد الأقصى المباركة التي قدسها الله عز وجل ، فهو أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين بمكة المكرمة ، وهو المكان التي أسرى وعرج منه رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلى ، وبذلك فإن أرض المسجد الأقصى المبارك ، هي نقطة الإنطلاق الأرضي إلى السماء السابعة ( بوابة الأرض إلى السماء ) في معجزتي الإسراء والمعراج النبوية على البراق بصحبة أمين وحي السماء جبريل عليه السلام عام 621 م ، اي قبل الهجرة النبوية الشريفة بعام واحد حسب التأريخ الإسلامي . والصلاة بالمسجد الأقصى المبارك صلاة مضاعفة الأجر والثواب الجزيل عند رب العالمين ، وهناك أحاديث نبوية متعددة حول هذه المسألة منها من يضاعف الثواب بخمسين ألف صلاة ، ومنها من يضاعف الصلاة بالف صلاة ، ومنها من يضاعف الصلاة بخمسائة صلاة ، لصلاة الفريضة والتطوع على حد سواء .
وتبلغ مساحة المسجد الأقصى المبارك من المبنى المسقوف القديم وقبة الصخرة المشرفة وحديقة أو باحة المسجد  144 دونما كلها أرض وقف إسلامي ثابت غير متغير . ومن يصلى في اي بقعة من هذه المساحة ، المسقوفة أو المفتوحة ، فهو يصلى بالمسجد الأقصى المبارك المذكور في القرآن المجيد بسورة الإسراء بالآية الأولى . ومن يصلى بالمسجد الأقصى المبارك فله ثواب 500 صلاة فيما سواه ، ما عدا ثواب الصلاة بالمسجد النبوي التي يصل ثوابها إلى 1000 صلاة ، وثواب الصلاة في المسجد الحرام بمكة المكرمة ب 100 ألف صلاة .
يقول الله العزيز الرحيم جل شأنه : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60) }( القرآن الحكيم - الذاريات ) .
وقد أم رسول الله سيد الأولين والآخرين ، وإمام المتقين ، محمد صلى الله عليه وسلم بالأنبياء والمرسلين في صلاة الفجر ببقعة المسجد الأقصى المبارك ، في حادثة الإسراء والمعراج ، فهو إمام المتقين والأنبياء والمرسلين . يقول الله الحي القيوم تبارك وتعالى عن المعراج النبوي إلى السماوات العلى والوصول النهائي إلى سدرة المنتهى بالجنة : { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)}( القرآن المجيد - النجم ) .
معالم المسجد الأقصى المبارك
ويتألف المسجد الأقصى المبارك من العديد من الأبنية والمعالم الدينية التاريخية تبلغ قرابة 200 معلم منها مساجد وقباب وأروقة ومحاريب ومنابر ومآذن وآبار وسواها . وتبلغ مساحة المسجد الأقصى حوالي 144 دونماً (الدونم = 1000 متر مربع)، مشكلا بذلك قرابة سدس ( 1 / 6 ) مساحة مدينة القدس القديمة المسورة ، وهو على شكل مضلع غير منتظم، طول ضلعه الغربي 491 م ، والشرقي 462 م ، والشمالي 310 م ، والجنوبي 281 م .
معالم المسجد الأقصى المبارك بالقدس الشريف
ويتألف المسجد الأقصى الكبير من عدة مساجد فرعية هي : الجامع القِبلي وهو الجزء الجنوبي من المسجد الأقصى المواجة للقبلة ولذلك سمي بالجامع القبلي، وهو المبنى ذو القبة الرصاصية. ويعتبر هذا الجامع هو المصلى الرئيسي للرجال في المسجد الأقصى، وهو موضع صلاة الإمام. بني هذا المسجد في المكان الذي صلى فيه الخليفة عمر بن الخطاب عند الفتح الإسلامي للقدس عام 15هـ / 636 هـ . وقد بدأ بناء هذا المسجد الخليفة الأموي المسلم عبد الملك بن مروان ، وأتم بناءه ابنه الخليفة الوليد بن عبد الملك .
-     المصلى المرواني : يقع المصلى المرواني تحت أرضية المسجد الأقصى، في جهة الجنوب الشرقي .
-        الأقصى القديم : يقع الأقصى القديم تحت الجامع القبلي، وقد بناه الأمويون ليكون مدخلاً ملكياً إلى المسجد الأقصى من القصور الأموية التي تقع خارج حدود الأقصى من الجهة الجنوبية.
-        مسجد البراق : عند حائط البراق .
-        مسجد المغاربة
-        مسجد النساء ( مسجد قبة الصخرة المشرفة ) .
والماَذن الأربع للمسجد الأقصى المبارك هي : مأذنة باب المغاربة ، ومأذنة باب السلسلة ، و  مأذنة باب الاسباط ، ومأذنة باب الغوانمة .
وتتكون قباب المسجد الأقصى المبارك من 14 قبة هي :
قبة الصخرة : قبة الصخرة هي المبنى المثمن ذو القبة الذهبية، وموقعها بالنسبة للمسجد الأقصى ككل كموقع القلب من جسد الإنسان أي أنها تقع في وسطه إلى اليسار قليلاً. وهذه القبة تعتبر هي قبة المسجد ككل، وهي من أقدم وأعظم المعالم الإسلامية المتميزة. سميت بهذا الاسم نسبة إلى الصخرة التي تقع داخل المبنى والتي عرج منها النبي إلى السماء لأن الصخرة هي أعلى بقعة في المسجد الأقصى . وقبة الصخرة هي حالياً مصلى النساء في المسجد الأقصى . والصخرة غير معلقة كما يعتقد عامة الناس، لكنه يوجد أسفلها مغارة صغيرة. وقبة النحوية وقبة الارواح و   قبة السلسلة و قبة سليمان وقبة الخضر وقبة المعراج وقبة الميزان وقبة يوسف اَغا وقبة موسى وقبة النبي وقبة يوسف وقبة عشاق النبي وقبة الشيخ الخليلي
أبواب المسجد الأقصى المبارك
أما بالنسبة لأبواب المسجد الأقصى ، فللمسجد المحاط بالسور بالبلدة القديمة ، 15 بابا منها عشر مفتوحة ، وهي : باب الأسباط وباب حطة وباب العتم وباب الغوانمة وباب الناظر وباب الحديد و   باب القطانين وباب المطهرة وباب السلسلة وباب المغاربة . وأما الأبواب المغلقة في الجهة الجنوبية : باب المنفرد وباب الثلاثي وباب المزدوج . والأبواب المغلقة في الجهة الشرقية هي :    الباب الذهبي (باب الرحمة) وباب الجنائز
ويخضع المسجد الأقصى المبارك بمدينة القدس للاحتلال الصهيوني – اليهودي – العبري منذ عام 1967 ، وتتحكم قوات الاحتلال الصهيوني ، بعمليات الولوج والخروج لباحات المسجد الأقصى المبارك ، ليلا ونهارا ، ويتعرض هذا المسجد الإسلامي لعدوان المتطرفين اليهود من قطعان وسوائب المستوطنين والمتدينين اليهود الذي يقتحمونه بين الحين والآخر ويؤدون الصلوات والشعائر الدينية اليهودية تحت حراسة أمنية صهيونية مشددة ، في إعتداء سافر على الحقوق الدينية للمسلمين في هذه البقعة المباركة . ويطلق اليهود على المسجد الأقصى المبارك اسم ( جبل الهيكل ) وإجتزأوا الحائط الخارجي الغربي منه وهو حائط البراق الذي يطلق عليه اليهود زورا وبهتانا ( حائط المبكى ) منذ ثورة البراق عام 1929 إبان الاحتلال البريطاني ، ويسعون لهدمه وتدميره أو نقله لمكان آخر لإقامة ما يسمى بالهيكل اليهودي الثالث مكانه فيما يسمى  ( هيكل سليمان ) المزعوم . ولا تسمح قوات الاحتلال الصهيوني للمصلين المسلمين بزيارة المسجد الأقصى المبارك للصلاة فيه  وأداء الشعائر الدينية الإسلامية بحرية ، حيث تفرض حظرا شاملا على الدخول والخروج . وفي شهر رمضان الكريم ، تبادر قوات الاحتلال اليهودي ( كبادرة حسن نيه ) بالسماح للمصلين المسلمين من مواطني الضفة الغربية أو فلسطين المحتلة عام 1948 ( الجليل والمثلث والنقب والساحل ) بالصلاة بالمسجد الأقصى المبارك لفئات عمرية متقدمة في السن ، تتراوح ما بين 40 سنة فأعلى أو 45 سنة فأعلى أو 50 سنة فأعلى للذكور والإناث في أيام الجمع الرمضانية فقط حسب المزاح الصهيوني ، بينما تحظر قدوم الفلسطينيين من قطاع غزة للصلاة بالمسجد الأقصى المبارك ، بمزاعم ودعاوى أمنية صهيونية يهودية هشة وباهتة ، بمبررات الحيلولة دون إندلاع مظاهرات ومسيرات شعبية فلسطينية إسلامية منددة بوحشية وعنجهية الاحتلال الصهيوني ضد العرب والمسلمين في الأرض المباركة التي تهيمن  قوات الاحتلال الصهيوني وفق منطق حق القوة وليس قوة الحق .
ولهذا ولجميع الأسباب السابقة الدينية الإسلامية وحمايته من التدنيس اليهودي ، يتقاطر المسلمون في الأرض المقدسة ( فلسطين ) افواجا للصلاة في هذا المسجد الإسلامي التاريخي الحيوي العظيم .
يقول الله السميع البصير : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)}( القرآن الكريم - البقرة ) .
المسجد الأقصى المبارك بالمدينة المقدسة
وفيما يلي نظرات ميدانية إسلامية مضيئة ، كتجربة شخصية لي عايشتها ، على شد المصلين المسلمين الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك ، بعنوان الزحف الإسلامي الفلسطيني المقدس بإتجاه المسجد الأقصى المبارك على عدة حلقات بالجمع الرمضانية بشهر رمضان الفضيل لعام 1433 هـ / 2012 م .
إنطلاقة مسيرتي بإتجاه المسجد الأقصى المبارك

بعد تناولي طعام السحور الرمضاني ، والسحور من وجهة النظر الإسلامي هو الغذاء المبارك ، في بيتي الكائن في قرية عزموط ، على بعد 5 كم شمال شرقي نابلس بفلسطين المحتلة ، مع أسرتي الصغيرة ، زوجتي أم هلال وابني الشاب هلال وابنتي الصغرى أمل الزهراء ، إذ تكونت وجبتي في السحور من حبة موز وحبتين من الآجاص وكوبين متوسطين من الماء ، ذهبت في يوم الجمعة 1 رمضان 1433 هـ / الموافق 20 تموز 2012 م ، إلى مسجد عمر بن الخطاب في قرية عزموط لأداء صلاة الفجر الجماعية . وبعد الإنتهاء من أداء صلاة الفجر المبكرة ( ركعتي تحية المسجد وركعتين سنة وركعتين شكر لله تعالى ، وركعتين فرض ) عدت للبيت لتجديد وضوئي ، ثم الإنطلاق سيرا على الأقدام للوصول إلى مجمع السيارات الغربي بمدينة نابلس ، نظرا لعدم رغبتي في التنقل بسيارتي الخاصة ، لعدم إطلاعي على  أحوال الطريق نحو القدس المحتلة ، فلم يكن هناك سيارات عمومية بموقف سيارات قريتي عزموط تنقل الركاب للمدينة ، فمشيت سيرا على الأقدام نحو 1 كم ، في صبيحة ذلك اليوم المبارك كأول يوم في شهر رمضان الكريم ، لأن معظم الناس لم يكونوا يتوقعون بزوغ فجر رمضان المبارك ، وكانوا يتوقعون أن يأتي شهر صيام رمضان يوم السبت 21 تموز 2012 . وعند مفترق قرى عزموط – دير الحطب – سالم ، أوقفت سيارة كانت متجهة من سالم لمدينة نابلس ، وشعرت بأن الله سبحانه وتعالى قد سخر لي هذه المركبة لتقلني خاصة ، وكنت أعرف سائق السيارة العمومي ، فدفعت أجرة الركوب 4 شيكل ، ثم قطعت وقربت لنا السيارة المسيرة الجغرافية القصيرة ، فوصلت لمركز مدينة نابلس ، وأسرعت بإتجاه الصراف الآلي بالبنك العربي الذي ينزل به راتبي الشهري كموظف حكومي ، وسحبت أكثر مما يلزمني من النقود بالعملة الصهيونية ( الشيكل ) بمبلغ قدره 500 شيكل ( 120 دولار أمريكي ) ثم اتجهت مهرولا بإتجاه محطة الباصات الفلسطينية الغربية التي تنقل الركاب لمدينة رام الله وتصل لمعبر قلنديا بين مدينتي رام الله والقدس الفلسطينيتين .
وجدت في محطة الباصات بالمجمع الغربي لمدينة نابلس ، العديد من الحافلات الكبيرة والصغيرة التي تنتظر ركاب الزحف الإسلامي المقدس من الكبار في السن ، بإتجاه القدس الشريف ، ووقع نظري على حافلة صغيرة ، تتسع ل 19 راكبا ، يتواجد بها الرجال والنساء على السواء ، فسألت هل هذه الحافلة بإتجاه رام الله ومعبر قلنديا نحو القدس ، فرد السائق بالإيجاب . فصعدت للحافلة ، وكنت الراكب الأخير الذي يستقل الباص ، إنها رحلة إسلامية ميسرة بإذن الله المسيع العليم ، دفعت أجرة تذكرة الركوب بواقع 11 شيكلا ، وطلب مني سائق الحافلة الجلوس بجانبه في المقعد الأمامي الأول للحافلة . ثم إنطلق الباص عند الساعة الخامسة والنصف صباحا تقريبا بالتوقيت الصيفي ، مسرعا شرقا ثم جنوبا ، باتجاه مدينة رام الله وسط الضفة الغربية ، قرأت دعاء السفر الإسلامي المعتاد ، وأخرجت المسبحة الصغيرة المؤلفة من 99 حبة ، من جيبي لترديد الأذكار الدينية الإسلامية ثم قرأت بعض الآيات القرآنية الكريمة . وقد استغرقت الرحلة الفجرية الباكرة ما بين نابلس ورام الله أكثر من ساعة زمنية واحدة .

معبر قلنديا العسكري الصهيوني .. والقذارة العمدية
وصلنا لمعبر قلنديا بين مدينتي رام الله والقدس المحتلة ، فوجدنا بعض أفراد الشرطة الفلسطينية الذين ينظمون حركة السير شمالي المعبر ، فارشدونا لمكان مرور الرجال ومكان مرور النساء ، كل على حدة ، وشخصيا لدي معرفة ميداينة سابقة بذلك ، من العام الماضي 2011 . ويسيطر على هذا المعبر قوات الاحتلال اليهودي العبري الصهيوني ، وهو بمثابة معبر دولي ، وكأنه نقطة حدودية دولية تفصل بين دولتين حقيقيتين والأمر ليس كذلك فهناك الكيان الصهيوني وتتواجد السلطة الفلسطينية في المدن الفلسطينية وهي سلطة بلا سلطة فعلية على أرض الواقع . فالاحتلال الصهيوني هو الأمر الناهي في الأرض المقدسة برا وبحرا وجوا . فقلت في نفسي ، نسأل الله أن يزيل هذا الكابوس الصهيوني البغيض عن كاهل شعبنا الفلسطيني المسلم المرابط في ارض الرباط المباركة .
هرولت مسرعا بإتجاه ناحية الجنوب نحو المعبر ( معبر قلنديا ) بين مدينتي رام الله والقدس ، وهو معبر عسكري يتواجد فيه عشرات جنود الاحتلال العسكري الصهيوني بلباسهم العسكري الأخضر الفاتح والأسود والأزرق ، ورشاشاتهم بأيديهم وعلى أكتافهم ، ويتحكمون بعمليات الدخول والخروج للمارة بالاتجاهين ، شمالا وجنوبا . وهناك بوابات حديدية ، وجدران إسمنتيه ، وأجهزة إلكترونية ثابتة ويدوية متنقلة لتفتيش المواطنين الفلسطينيين المارين بهذا المسرب . ولا يسمح الدخول لأي فلسطيني إلا بعد إبراز بطاقة الهوية الخضراء اللون المزركة بألوان العلم الفلسطيني بداخلها ( الصادرة عن السلطة الفلسطينية ) لمواطني الضفة الغربية ، وبطاقة الهوية الشخصية الزرقاء الصادرة عن وزارة الداخلية العبرية لمواطني القدس وفلسطين المحتلة 1948 . إتجهت صوب أحد جنود الاحتلال الصهيوني من السود ( الفلاشا ) مبرزا بطاقتي الهوية ، فأذن لي بالدخول كغيري من المواطنين الفلسطينيين الذي تجمعوا بالعشرات في صفوف متواصلة أو متجمعين بفوضى عارمة للدخول لثنايا معبر قلنديا بإتجاه القدس المحتلة . وفي داخل هذا المعبر العسكري الصهيوني ، وجدنا عشرات الجنود اليهود ، ذكورا وإناثا ، المدججين بالسلاح ، في عدة حواجز ونقاط تفتيش عسكرية داخلية ، فيطلب بعض هؤلاء الجنود بطاقات الهوية ممن يشكون في أعمارهم . وكان التركيز الصهيوني يقضي كما ورد بوسائل الإعلام العبرية ، بالسماح للمواطنين الفلسطينيين بعبور معبر قلنديا نحو القدس الشريف ، والصلاة بالمسجد الأقصى المبارك ، لمن هم فوق أل 50 عاما للرجال ، و45 عاما للنساء .
تمكنا ، نحو 30 مواطنا فلسطينيا ، بعد 10 دقائق من إجتياز حوالي 500 م من معبر قلنديا ، ذو الرائحة القذرة ، جراء التبول البشري المسبق ، الخفيف والثقيل من فضلات الإخراج البشري ، إلى جانب الجدران الاسمنتية والبلاستيكية ، والأسلاك الشائكة ، ونعتقد أن جنود الاحتلال ليلا ونهارا ، يتبولون ويتبرزون فضلاتهم من مقدماتهم وخلفياتهم ( القبل والدبر ) على السواء ، ليلا ونهارا ، في ثنايا المعبر كنوع من الحرب النفسية والمعنوية والاستهزاء والاستخفاف والعنصرية اليهودية ضد المارين الفلسطينيين .
فرحلة الدقائق العشر هي رحلة مقززة ومقرفة في الآن ذاته ، بكل ما في الكلمة من معنى ، جراء إنتشار الفضلات البشرية بكثرة داخل منطقة معبر قلنديا العسكري الصهيوني . ويبدو أن النظافة معدومة في هذا الممر الاجباري المفروض على الفلسطينيين . وبعد الانتهاء من المشي سيرا على الأقدام من المعبر ، خرجنا بإنتظار الحافلات التي تقلنا بإتجاه المدينة المقدسة ، فلم يكن هناك إزدحاما كبيرا ، رغم تواجد مئات المواطنين الفلسطينيين في المكان . فركبت مع حافلة صغيرة ، ودفعنا أجرة قدرها 6.5 شيكل صهيوني ( إسرائيلي ) نظرا لعدم وجود العملة الوطنية الفلسطينية المتداولة أولا ولاجتيازنا منطقة فلسطينية تحتلها قوات الاحتلال الصهيوني ثانيا . قطعنا قرابة 20 كم ما بين معبر قلنديا ومحطة الباصات المركزية وسط القدس الشرقية العربية الفلسطينية على بعد 1 كم من باب العامود بالبلدة القديمة بالقدس المحتلة . وبذلك فقد قطعنا مسيرة جغرافية تبلغ أكثر من 80 كم ما بين قريتي عزموط والقدس الشريف وسط فلسطين المحتلة استغرقت حوالي ساعتين ( 120  دقيقة ) وتنقلت خلالها 4 مرات سيرا على الأقدام ( الأولى من بيتي بقرية عزموط حتى مفرق الطريق الخارجي ، والثاني ما بين مركز المدينة ومجمع السيارات الغربي بنابلس ، والثالثة دخول معبر قلنديا شمالي القدس ، والرابعة من محطة الباصات بالقدس حتى المسجد الأقصى المبارك في البلدة القديمة . وركبت ثلاث مرات بالمواصلات العمومية الفلسطينية :  مرة بالتاكسي العمومي من عزموط لمركز مدينة نابلس ، ومرتين بالحافلات الفلسطينية الأولى ما بين نابلس وقنلديا والثانية بعد المعبر ما بين قلنديا والقدس المحتلة . لا ريب إنها رحلة صعبة وشاقة ن فالسفر قطعة من العذاب ، ولكنها رحلة طوعية إيمانية إسلامية زاحفة بإتجاه شد الرحال للمسجد الإقصى المبارك بالمدينة المقدسة ، فقد تمنيت أن يأتي غرة شهر رمضان المبارك للعام الهجري 1433 هـ في يوم الجمعة 20 تموز 2012 ، لإشتياقي الشديد لزيارة المسجد الأقصى المبارك والصلاة فيه ، بسبب الحظر الديني اليهودي والعسكري والسياسي الصهيوني علينا كأبناء للشعب الفلسطيني ، من عمارة المسجد الأقصى المبارك ، طيلة أيام السنة ، بقوة الحديد والنار ، وهذا ما كان والحمد لله رب العالمين .
الوصول للقدس المحتلة

بعد نزولنا من الحافلة الفلسطينية بمحطة الباصات وسط القدس المحتلة ، اتجهت شرقا نحو باب العامود في البلدة القديمة للدخول لباحات المسجد الأقصى المبارك ، إجتزنا شوارع القدس القديمة ، وسط حراسات أمنية يهودية مشددة ، وشاهدت أثناء مروري جنود الاحتلال المدججين بالسلاح الرشاش ، والبعض منهم يأكل الطعام ساندويشات وشكولاته وبسكويت ، ويشرب الكوكا كولا بالشوارع العامة أمام المسلمين الفلسطينيين ( فهم لا يصومون كالمسلمين ) ويراقب جنود الاحتلال الصهيوني الداخلين والخارجين من الزوار المسلمين من المسجد الأقصى المبارك بجميع بواباته الموصله إليه . كما رأيت تجار مدينة القدس بالمحلات التجارية وعلى العربات وجوانب الطرقات من مخلتف الأعمار يبيعون ويعرضون بضائعهم وخاصة الكراسي الصغيرة لذوي الاحتياجات الخاصة ، والمصليات القطنية أو البلاستيكية أو المصنوعة من القش بخمسة شواكل للقطعة الواحدة ، وحزنت كثيرا لوجود عشرات المتسولين الذين يسألون الناس بطريقة مبتذلة ، ولا يستطيع المرء أن يميز بين المتسول المحترف والمحتاج الحقيقي في الكثير من الأحيان .
الولوج للمسجد الأقصى المبارك
وبعد مسيرة حوالي 20 دقيقة لعدة كيلومترات ، ولجت من أحد الأبواب الصغيرة ( المدهونة باللون الأخضر ) وهو باب الحديد ، من البوابات الكبرى للمسجد الأقصى المبارك بعد الساعة السابعة صباحا بالتوقيت الصيفي الفلسطيني ، مستغفرا الله جل في علاه ، وذاكرا الله كثيرا ، وراضيا متمتعا بهذه الرحلة الإيمانية العظمى إلى الأقصى المقدس العظيم الذي أحبه وعلقت صوره في بيتنا ، وخططناه ورسمناه ووضعناه عند مدخل منزل العائلة بقريتي عزموط . ذهبت لتجديد الوضوء قرب باب المطهرة ، ولم يكن هناك إزدحاما صباحيا في إرتياد مطهرة الحمامات على الجانب الأيمن من المسجد الأقصى المبارك ، خرجنا بسرعة بعد أداء الوضوء الإسلامي الطاهر ، وعادة بعد الساعة الثامنة صباحا يحصل الإزدحام الشديد ، وتصطف الطوابير البشرية الفلسطينية لقضاء الحاجة وتجديد الوضوء الإسلامي أمام هذه المطهرة الجانبية غير الكافية . وفي طريق من المطهرة إلتفتُ لمكان المحل التجاري المعتاد الذي اشتري منه المسابح ( مسبحة الأذكار ) فاشتريت 4 مسابح بواقع 99 حبة ولكنها صغيرة الحجم ، فحباتها بلاستيكية قوية ، بألوان جذابة : سوداء وخمرية وعنابية وسكنية بواقع 15 شيكلا إسرائيليا ، ولم أجد طلبي بشراء المسابح البيضاء أو الخضراء المضيئة ليلا . وبعد ذلك أسرعت الخطى في باحات المسجد الأقصى المبارك لحجز مكان للصلاة في المسجد المسقوف القبلي الجنوبي كعادتي المفضلة ، وصليت ما كتب الله لي من الصلاة في هذا المسجد الإسلامي العظيم العامر بالإيمان ، حيث صليت ركعتين تحية المسجد و 8 ركعات صلاة الضحى ثم صليت ركعتين غيرها أهديت ثوابهما لوالدتي سهيلة المرحومة بإذن الله تعالى التي كانت تحب الصلاة بالمسجد القصى المبارك ، ثم صليت ركعتين أخريين وأهديت ثوابهما لوالدي المرحوم إبراهيم بإذن الله تعالى الذي أحب الصلاة بالمسجد الأقصى المبارك كذلك . ثم بدأت بتلاوة القرآن المجيد من خلال جوالي الصغير بخطه الصغير ، من ماركة نوكيا 73 ، فقرأت سورة البقرة بكاملها ، ثم شرعت في التسبيح والأذكار والأدعية الإسلامية المتعددة . ثم إتصلت بأسرتي في قرية عزموط بمحافظة نابلس عبر الهاتف النقال ، لأبلغهم بوصولي للمسجد الأقصى المبارك ، والحمد لله رب العالمين ، وبقيت على مسيرة الإفراد الإذكاري الإيماني المتواصلة من ترديد الأذكار والأدعية الإسلامية المتنوعة تارة والاستماع لدروس دينية إسلامية لمحاضرين متطوعين حول الصيام وشتى المواضيع الإسلامية من الصلاة والزكاة والجهاد في سبيل الله ، والتذكير بأهمية المسجد الأقصى المبارك وغيرها من القضايا الإسلامية المعاصرة أو الحديث القليل الخافت الصوت ، مع جيراني بالمسجد . ثم تلى ذلك ، قدوم خطباء رسميون من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية ، لإلقاء خطب دينية متنوعة وتلاوة بعض آيات القرآن العظيم .
الجمعة الرمضانية الأولى بالمسجد الأقصى المبارك

على أي حال ، لم تكن الجمعة الرمضانية الأولى 1 رمضان 1433 هـ / 20 تموز 2012 ، مزدحمة أو مكتظة كثيرا ، حيث شارك بصلاة الجمعة حسب التقديرات الفلسطينية حوالي 100 ألف مصل ، بل كانت خفيفة الإزدحام والاكتظاظ وربما يعود ذلك لعدم توقع الكثير من الناس بدء مطلع شهر الصيام هذه السنة بيوم الجمعة ، ومعظم التوقعات الفلكية كانت ترجح بأن يأتي رمضان يوم السبت وليس الجمعة .
منظر داخلي عام لقبة الصخرة المشرفة داخل المسجد
أداء صلاة الجمعة الجامعة بالمسجد الأقصى المبارك

يقول الله مالك الملك ذو الجلال والإكرام تبارك وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)}( القرآن المجيد - الجمعة ) .
بعد وصولي لباحات المسجد الأقصى المبارك ، دخلت المبنى القديم من المسجد الأقصى المبارك في ساعات الصباح الباكر عند السابعة والنصف بالتوقيت الصيفي بفلسطين ، ومكثت حتى صلاة ظهر الجمعة ( صلاة الجمعة الجامعة ) بعد الواحدة مساء ، بمعنى بقيت نحو 5 ساعات نهارية متواصلة داخل المسجد ، ولم أخرج من المسجد بتاتا ، وبفضل الله ومنه ، تمكنت من أداء صلاة الجمعة ( الظهر ) بالجماعة الكبرى الأولى ، بالمسجد الأقصى المبارك ، والاستماع لخطبة الجمعة ، في الصف الثاني ، من الجهة الشرقية للمحراب ، وكانت حرارة الجو مرتفعة وكذلك حال مواضيع الخطبة الساخنة ، حيث تطرق الخطيب الشيخ لفرائض الإسلام العظيم وخاصة صيام شهر رمضان المبارك ، وتناول الأوضاع الفلسطينية العامة ، وللأوضاع الثائرة في سوريا ، وغيرها من الأوضاع السياسية في الوطن العربي .
ومما يذكر أن البناء الجنوبي المسقوف من المسجد القصى المبارك ، ومعظم الساحات العامة تخصص لصلاة الذكور من المصلين المسلمين ، من الرجال والشباب والفتيان بينما يتم تخصص مسجد قبة الصخرة المشرفة المزركش بالأزرق ومحاط بالآيات القرآنية المجيدة لصلاة النساء مع صحن القبة .
وبعد صلاة الجمعة المفروضة ، وتأدية صلاة ركعتي السنة البعدية لصلاة الظهر ، بالمسجد الأقصى المبارك ، أدى مئات المصلين المسلمين ممن يسكنون خارج المدينة المقدسة ، صلاة العصر قصرا بواقع ركعتين ، قبل رجوعهم لمواطنهم بمدنهم وقراهم ومخيماتهم ، فصليتها معهم لكسب الثواب الجزيل محتسبا لها عند الله رب العالمين .
ومما شد إنتباهي بعد خروجنا من صلاة الجمعة المفروضة ، وجود خطباء لمهرجان خطابي صغير لشباب حزب التحرير ( الإسلامي ) أمام الجهة الشمالية للمسجد القديم المسقوف ، من أولئك الذين ينادون بنصرة الثورة السورية ، ويتهجمون على السلطة الفلسطينية ، ويستظل هؤلاء الخطباء بظلال أشجار المسجد الأقصى بالباحة الشمالية للمسجد القديم ، وسط حضور شباب ورجالي لا بأس به يقدر بمائتي شخص . وأثناء الحر الشديد يقوم بعض فتيان الحزب برش الماء على الحاضرين من قارورة وكأنها خصصت لصالون الحلاقة لرش الماء على شعر المحلوق له . وبعد تجول هنا وهناك واستماع لهذه الجلسة أو تلك ، كنت انصت لما يقولون ولا أعلق على ما يقولون ، وهناك بعض الناس المشاركين بالمهرجان الصغير يعلقون أو يسألون والإجابة تأتيهم مباشرة عبر الميكروفون المتنقل وسماعة ( الامبيفير ) الصغيرة الحجم . وهناك من دخل وسط الجموع المحتشدة وأخذ يردد ( الله أكبر ولله الحمد ) وهو شعار يردده جماعة الإخوان المسلمين ، بينما ردد شباب حزب التحرير شعارات خاصة بهم منها ( يا الله .. يا الله ما لنا أحد سواه ) وغيرها يتخللها رفع شعار الحزب المذكور باللون الأسود وشعار الخلافة الإسلامية التي يطالبون بها . وغني عن القول ، إن هناك الكثير من أعضاء الحركات والأحزاب الإسلامية والوطنية ، ممن أدوا صلاة الجمعة في أول جمعة رمضانية لهذا العام المبارك . وقد شاهدت الكثير من مناصري حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) وحركة التحرير الوطني الفلسطيني ( فتح ) وحركة الجهاد الإسلامي ، وحزب التحرير ( الإسلامي ) وسائر الناس ، ويستطيع الإنسان التمييز بين هؤلاء وهؤلاء عبر شعاراتهم الخطابية وأناشيدهم المتدولة في بعض التجمعات والمسيرات داخل أروقة الحرم القدسي الشريف . وقد إلتقيت لبرهات متعددة ببعض الأصدقاء والأصحاب مما أتوا من كل فج عميق من فلسطين الكبرى لأداء صلاة الجمعة بالمسجد الأقصى المبارك ممن كنت سابقا تعرفت عليهم عبر فترات السجن أو الدراسة الجامعية أو زمالة العمل في البلاد .

صلاة العصر بالمسجد الأقصى المبارك

يقول اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ : { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27) لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)}( القرآن المجيد – آل عمران ) .
عندما حان موعد صلاة العصر الطبيعي المعتاد ، عند الساعة الرابعة والثلث بعد الظهر ، استطعت أن أصلي صلاة العصر جماعة بالصف الأول في المسجد الأقصى المبارك ، بالمسجد الجنوبي القديم ، كما خططت في صباح اليوم الباكر ، والحمد لله رب العالمين ، وذلك لعدم وجود الإزدحام في أولى صلوات الجمع الرمضانية لهذا العام . ثم خرجت من المسجد القديم للساحة العامة ، وتجولت في حديقة المسجد ، ورأيت من يجمع التبرعات لهذه الغاية أو تلك ، بعد صلاتي الجمعة ( الظهر ) والعصر على السواء ، مثل بناء المساجد في مختلف المحافظات الفلسطينية ، وهذا ينم عن صحوة إسلامية فلسطينية شاملة وواسعة . وهناك صناديق للزكاة نصبت في أفنية الساحة العامة للمسجد الأقصى المبارك ، ما بين مناد ومتبرع ، وما بين متحدث وسامع لهذه المسألة أو ذلك الموضوع . وكذلك ينتشر بعض طالبي المساعدة والمعونات المالية لسبب أو لاخر ، وبعضهم ممن يحترف مهنة التسول للأسف الشديد . ومما يلفت النظر للخارجين من المسجد القديم أو مسجد قبة الصخرة المشرفة ، أنه بعد صلاة العصر بالجمعة الرمضانية تواجد بعض الدعاة وحلقات الدراسة أو الخطب الدينية أو السياسية العامة .
حوار مع شيخ جليل مسلم من جنوب إفريقيا

جاء في سنن الترمذي - (ج 8 / ص 442) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ " .
جلست بعد صلاة العصر من يوم الجمعة 1 رمضان 1433 هـ / 20 تموز 2012 م في ظل بعض الأشجار الوارفة بالساحة الأمامية للمسجد الأقصى المبارك ، ما بين المسجد القديم ومسجد قبة الصخرة المشرفة قرب المتوضأ ، مسبحا ومستغفرا ، ثم تحادثت قليلا مع من يجلس بقربي ، ثم جاء شيخ جليل بلحية بيضاء طويلة ، ناصعة البياض ، يلبس ثوبا ( جلبابا ) أبيضا تبدو عليه هيبة الرسالة الإسلامية الإيمانية ، وجلس على يميني ، فبادرته من اين حضرة الشيخ مباشرة ، فلم يجب بصورة فورية ، بل تأنى ، وتحدث بلهجة أجنبية ، هي اللغة الإنجليزية ، قائلا لي : أهلا ومرحبا أنا لست من هنا ، بل أنا مسلم من جنوب إفريقيا ، فتأكدت أنه ليس فلسطينيا بل أجنبي ، علما بأن لون بشرته قمحاوية مثل بشرتنا بفلسطين وليس اسود أو أسمر اللون ، ففرحت كثيرا لاجابته باللغة الانجليزية ، وبادلته التحية والحديث المطول لنحو ساعتين فأنبأني أنه من أصول هندية ، من بلد المهاتما غاندي . فسألني عن أهل فلسطين ، وسألته عن المسلمين في جنوب إفريقيا ، وسألني عن عملي فقلت له إنني استاذ جامعي ، أحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية ، ودرست في عدة جامعات فلسطينية ، وكان عنوان الأطروحة الجامعية عن التمييز العنصري الصهيوني ضد الفلسطينيين وإنني أعرف الكثير عن تفاصيل التمييز العنصري وخاصة البريطاني عن بلاده ( جنوب إفريقيا ) فسر كثيرا من معرفتي باللغة الانجليزية ، ومحادثته وإطلاعي على أوضاع التمييز والفصل العنصري في جنوب إفريقيا ، ونظام الابارتهيد البريطاني البائد . وأخذنا أطراف الحديث عن العنصرية والعدالة ثم عرجنا على الحياة الدنيا والحياة الآخرة والجنة وأن الصراط المستقيم والحساب بيوم القيامة سيكون في ساحة المسجد الأقصى المبارك بعد أن تكون مستقيمة ومستوية وغيرها من الشؤون الدينية الإسلامية . ومن ضمن ما قاله لي ، إنه من مدينة قرب جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا ، وإن تعداد المسلمين في جنوب القارة الافريقية يبلغ حوالي 1.5 مليون مسلم ، وأن المسلمين أحرار في حياتهم الخاصة ، ويعيشون دون مضايقات حكومية هناك ، وإنه يعمل في التجارة ، وتبنى عملية بناء مسجد للمسلمين بمدينته بإشراف منه بجمع التبرعات المالية والعينية ، بمساحة تقارب 450 م2 ، بكلفة مالية عالية تقدر بمليون دولار . وقد حضر هذا المسلم من جنوب إفريقيا برفقة أهله ذويه ( 10 افراد ) زوجته وابنه وحفيده وبعض أقاربه للصلاة بالمسجد الأقصى المبارك في أول يوم رمضاني ( الجمعة الأولى ) لينطلق بصحبة اسرته وأقاربه برحلة عمرة إلى مكة المكرمة بالديار الحجازية حيث يغادر فلسطين يوم السبت 21 تموز 2012 . كما أنبأني أنه تزوج من إمرأتين طلق إحداهما لعدم تماثلها مع حياته الإسلامية العامة والخاصة ، وابقى على الزوجة الأخرى لتمسكها بالإسلام وطاعتها له ، وأن له ولدين وابنتين . كما تطرقنا في جولة حديثنا لمحرر جنوب افريقيا من العنصرية المقيتة ( نيلسون مانديلا ) ، وقد لاحظت أن هذا المسلم الجليل من جنوب إفريقيا ، يجمع ما بين الكلمات العربية والانجليزية في أحاديثه الخاصة ، ويردد كثيرا عبارات ( الحمد لله ) فقلت له قل الحمد لله رب العالمين أفضل ، كما يردد إن شاء الله ويذكر يوم القيامة الآتي لا ريب فيه . وأخبرني أن ابن أحد اقاربه يحفظ القرآن الكريم غيبا بصورة كاملة . فقلت له كيف تصلون ؟ فأخبرني ، بأنه يصلى باللغة العربية وأنه يحفظ الكثير من السور القرآنية القصيرة بلهجة ولغة عربية صحيحة ، فطلبت منه من باب الفضول أن يقرأ سورة الفاتحة فقرأها كاملة دون توقف ، غير أنه يلفظ كلمة الذين ( اللزين ) . على العموم ، أطلعته على معاناة الشعب المسلم في فلسطين والإجراءات الصهيونية ضد الفلسطينيين ، وحرمان الفلسطينيين من الصلاة بالمسجد الأقصى المبارك ، ويتحكمون بفئات أعمار المصلين المسلمين ذكورا وإناثا ، في تعد سافر على الحقوق الدينية للمسلمين ، فاستغرب الأمر ، وتعجب كثيرا ، ويبدو أنه متأثر بسياسة التعايش وحل الدولتين الفلسطينية واليهودية ( الإسرائيلية ) . وقال إنه يزور فلسطين للمرة العاشرة للصلاة بالمسجد الأقصى المبارك ، مع بعض أفراد عائلته وذويه وأصدقائه . فقلت له هل زرت تل ابيب فقال لا آنا آتي لزيارة القدس فقط وخاصة الصلاة بالمسجد الأقصى . لقد كان حوار ثنائيا سياسيا ودينيا مؤثرا ، أوضحت له فيه الكثير من القضايا التي كان يسألني عنها بشغف كبير وسط استماع بعض الجالسين بالقرب منا . وعند إقتراب الغروب ، افترقنا لتجديد الطهارة والوضوء استعدادا لصلاة المغرب ، وقلت له أهلا وسهلا بكم في فلسطين دائما لنصرة الإسلام والمسلمين والتضامن الدائم مع الشعب الفلسطيني .

صلاة المغرب  بالمسجد الأقصى المبارك

أذن مؤذن المسجد الأقصى المبارك لصلاة المغرب ، وكنت داخل المسجد القديم بالصف الأول ، والحمد لله رب العالمين ، على هذه النعمة والتمكين الرباني ، لأداء الصلاة بالمسجد الأقصى المبارك الذي أتوق للصلاة فيه منذ نعومة أظفاري وصغر سني ، عندما كان يصطحبني والدي الحاج إبراهيم رحمه الله وجعل مثواه الفردوس الأعلى مع والدتي بالجنة إن شاء الله تبارك وتعالى . بعد رفع الأذان الإسلامي تناولت كزملائي بالصلاة في الصف الأول ، كوبا من الماء بكأس بلاستيكي ، وبعض حبات التمر ، ثم أقيمت الصلاة فصلينا جماعة ثلاث ركعات صلاة المغرب ، ثم صليت ركعتي السنة ، وأربع ركعات بعدها ( صلاة الأوابين ) وخرجت لباحة المسجد ، فوجدت بعض المؤسسات التي توزع طعام الإفطار الرمضاني ، على أعداد غفيرة من الناس ، فتناولت وجبة من وجبات الطعام ( جزء من دجاج مطبوخ وبعض حبات البطاطا والجزر مع رغيف الخبز ) إلا أن الماء كان نادرا ، فتوجهت لحنفيات الماء الثابتة للشرب وتغسيل اليدين . ولاحظت أن هناك خللا معنويا ونفسيا وماديا في توزيع وجبات طعام الإفطار على الصائمين ، من أهمها : سوء تنظيم توزيع وجبات الإفطار على الصائمين المصلين ، وإستفراد الكثير من الغلمان بوجبات الطعام الكثيرة دون وجه حق ، بينما الكثير ممن يصلي بالصفوف الأولى بالمسجد القديم لا يستطيع الحصول على وجبة غذائية خصصت للصائمين من الإمارات العربية أو من قطر أو من الأوقاف الإسلامية الفلسطينية أو الحركات الإسلامية المشرفة على توزيع أطعمة وأشربة الصائمين المجانية . ومما أذكره أن أحد موزعي الطعام على الصائمين ، وبسبب الضغط المتزايد عليه تجرأ وسب الذات الإلهية ، ففضح نفسه وفضح جماعته المشرفين على توزيع الطرود الغذائية للصائمين ، فقلت في نفسي لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ،  هداك الله يا أيها الشاب ، ولا داعي لأن تكون ضمن وفد الرحمن بهذه الساعة المباركة بالبقعة المباركة من فلسطين المباركة ، أو ممن يشرفون على الرفادة والسقاية بالمسجد الأقصى المبارك في الأرض المقدسة . فكلمة لمن يشرف على شؤون الرفادة والسقاية إنه لا بد من إنتقاء الشباب المتطوعين المسلمين وليس الشباب الطارئين دون تدقيق أو تمحيص لأن هذا الشاب مرآه تعكس فعالية المؤسسة أو الجهة التي تقدم الخدمات الخيرية الجليلة لثلة الصائمين بالمسجد الأقصى المبارك .

صلاة العشاء بالمسجد الأقصى المبارك

يقول الله العلي العظيم جل جلاله : { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44)}( القرآن المجيد – النجم ) .
وجاء في صحيح مسلم - (ج 1 / ص 167) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ " .
رغم وجود مكان سكني البعيد عن القدس المحتلة ، حيث أقطن في قرية عزموط بمحافظة نابلس ، فقد انتظرت لأداء صلاة العشاء في المسجد الأقصى المبارك ، لعبادة الله العلي العظيم بالبقعة المباركة ، في أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين ، وارض الإسراء والمعراج النبوي الشريف ، وهذه منة وفضل من ربي العزيز الحكيم خالق الخلق أجمعين أحدث بها وفق مبدأ وأما بنعمة ربك فحدث . لقد أديت صلاة العشاء الفريضة والسنة ، ومن بعدها صلاة قيام رمضان ( التراويح ) في الصفوف الأولى حيث صليت 10 ركعات من التراويح بالبناء القديم بالمسجد الأقصى المبارك ، و3 ركعات صلاة الوتر ، رغم حرارة الجو المرتفعة ، وعدم فعالية المراوح الجانبية العلوية الصغيرة التي لا تغير شيئا من لهيب درجات الحرارة وإكتظاظ المصلين المسلمين . وبعد ذلك إضطررت لمغادرة باحات المسجد الأقصى المبارك عند الساعة العاشرة والنصف بالتوقيت الصيفي بفلسطين ، فخرجت  من أحد بوابات الأقصى نحو باب العامود ثم لمحطة الباصات المركزية . وفي باب العامود اشتريت علبة من العنب ، استكمالا للفطور الرمضاني وتحسبا لتأخري لساعات السحور قبل وصولي إلى بيتنا بقرية عزموط . مشيت ومشينا مع الجموع الخارجة الراجعة لبيوتها ، سيرا على الأقدام في شوارع القدس العتيقة ، وسط إزدحام وإكتظاظ بشري كبير شبه منتظم ، ووصلنا لمحطة الباصات الفلسطينية بعد 30 دقيقة من المشي البطئ ، وسط الزحام ، للانتقال لمعبر قلنديا ثم رام الله ثم نابلس فعزموط .

العودة الميمونة لقريتي عزموط بمحافظة نابلس
ومن المفاجأة التي فوجئنا بها ، إن شركة الحافلات صاحبة الامتياز بالنقل بين القدس ورام الله ،  لا تكترث بالمسافرين الفلسطينيين ، فمكثنا ننتظر الباصات لتقلنا للمعبر ، ولكن بلا جدوى ، فالباصات متوقفة بميدان المحطة ولكن لا يوجد سائقين لقيادتها ، فانتظرنا ثم انتظرنا ، ثم ركبنا بعد عناء ومدافعة غير منظمة وجهد طويل ، في أحد الباصات الكبيرة ، فامتلأت كراسي الباصات ونحو 20 راكبا واقفين بين هذه المقاعد ، وقد ركبت بعض السيدات الآتيات من المسجد الأقصى المبارك ، واقفة ولم يتيسر لها مقعدا لتجلس عليه فناديت إحدى هذه السيدات وطلبت منها القدوم لتجلس مكاني ، وسط الباص ، فأتت وشكرتني على ذلك ، ولم يواصل الباص طريقه حتى نهاية الخط بل أوصلنا فقط للجهة الجنوبية من معبر قلنديا ، علما بأن خط سيره يفترض أن يستمر حتى مدينة رام الله ، بأجرة تبلغ 6.5 شيكل ، فبعد أن استوفى الأجرة كاملة لم يكمل المسير حتى نهاية المنطقة التي يفترض أن يوصل الركاب المسافرين إليها ، ولكن ظهرت استهتار ولا مبالاة السائق ، بنداءات الركاب الذين طالب الكثير منهم بإيصاله لنهاية الخط بمدينة رام الله ، ولكن لا حياة لمن تنادي ، فالوقت متأخر منتصف الليل ولا من مجيب .  وبعد أن طلب منا السائق النزول من الباص قبل معبر قلنديا ، نزلنا واتجهنا شمالا ، وأخذنا نبحث عن مركبة عمومية تقلنا لمجمع المركبات العمومية برام الله ، ودفعنا أجرة إضافية جديدة ( 3.5 شيكل ) ، ويعد هذا نوع من الاستغلال الاقتصادي للمسافرين ، من جهة ، واستهتار بوقتهم وحياتهم من ناحية أخرى .
وبعد ذلك وجدت مركبة باص عمومي صغير يتسع ل 7 ركاب ، معظم مقاعده محجوزة ، فما لبث أن أتى ركاب آخرون قادمين من المسجد الأقصى المبارك ، وأمتلأت مقاعد المركبة العمومية وإنطلقنا راجعين إلى مدينة نابلس . وقد عرج السائق لبلدة سنجل بين نابلس ورام الله ، لتوصيل بعض الركاب إليها ، كان قد إتفق معهم مسبقا بهذا الخصوص دون علمنا ، وحاول السائق الفلسطيني تقصير المسافة بين نابلس ورام الله ، فأجتاز نقطة عسكرية صهيونية إذ أوقفه الجندي اليهودي ، وطلب من السائق بطاقة الهوية الفلسطينية ، وسأل الجميع من اين أتيتم باللغة العبرية ، فأخبره السائق إنهم جاؤوا من القدس ويريدون العودة لمساكنهم في نابلس ،  فاجبر الجندي الصهيوني السائق الفلسطيني على سلك مسرب آخر ، وهذا ما كان ، ثم إنطلقت بنا السيارة مسرعة باتجاه الشمال نحو مدينة نابلس ، فوصلنا عند الساعة الواحدة صباح يوم السبت 2 رمضان 1433 هـ / 21 تموز 2012 م . وذهبت لمكتب تاكسي أجرة ( تكسي المدينة ) قرب ميدان الشهداء بنابلس ، للانتقال بطلب لقريتي القريبة عزموط ، ولكن المكتب لم يتجاوب معي ، وزعم أن سيارات الأجرة غير متوفرة علما بأنه كان يهاتف العديد من السائقين عبر الهاتف النقال والثابت . وقال لي انتظر ما بين 10 – 15 دقيقة ليحضر لي سيارة من سيارات الطلبات ( الأجرة ) لكنه لم يوف بوعده فانتظرت أكثر من 20 دقيقة ، ولكنه لم يلبي طلبي ، وقد أخبرته أنني متعب وجئت من المسجد الأقصى المبارك بالقدس الشريف ، ولكنه لم يلق بالا ، فوعد ووعد بلا نتيجة فعلية . فامتعضت وخرجت خارج المكتب ، فإذا بسيارة أجرة قادمة من جهة الدوار ، فاشرت لها فتوقفت وابلغني السائق بأن لديه طلبا في الطريق ولا يستطيع نقلي . ثم جاءت سيارة أجرة أخرى فأوقفتها فتوقفت ، وإذا بشاب بالقرب مني يبحث أيضا عن سيارة طلب أجرة لتقله إلى المساكن الشعبية ، فقلت له السيارات شحيحة ، فهلا نركب معا بطلب واحد فوافق سريعا دون تردد ، ودفعنا مبلغ 20 شيكلا أجرة الطلب الليلي بناء على تعرفة السائق العمومي ، فتقاسمناها الاثنين ، ووصلت لبيتنا في قرية عزموط عند الساعة الثانية إلا الربع صباحا ( 1:45 ) صباحا أي قبل موعد أذان فجر يوم السبت بحوالي ساعتين ونصف ، بعد إجتياز 160 كم ذهابا وإيابا من وإلى قريتي عزموط . ويبقى القول ، رغم أنها رحلة شاقة وصعبة وخاصة في رحلة الرجوع إلى نابلس إلا إنها كانت رحلة إيمانية ممتعة بل ممتعة جدا ، والحمد لله رب العالمين .

كلمة إسلامية أخيرة  .. فلسطين مركز الخلافة الإسلامية النهائية

يقول الله العلي العظيم جل جلاله : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)}( القرآن المجيد – البقرة ) .
وورد بمسند أحمد - (ج 45 / ص 471) عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ زُغْبٍ الْإِيَادِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ نَزَلَ عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوَالَةَ الْأَزْدِيُّ فَقَالَ لِي وَإِنَّهُ لَنَازِلٌ عَلَيَّ فِي بَيْتِي بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَقْدَامِنَا لِنَغْنَمَ فَرَجَعْنَا وَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا وَعَرَفَ الْجَهْدَ فِي وُجُوهِنَا فَقَامَ فِينَا فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تَكِلْهُمْ إِلَيَّ فَأَضْعُفَ وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى النَّاسِ فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ لَيُفْتَحَنَّ لَكُمْ الشَّامُ وَالرُّومُ وَفَارِسُ أَوْ الرُّومُ وَفَارِسُ حَتَّى يَكُونَ لِأَحَدِكُمْ مِنْ الْإِبِلِ كَذَا وَكَذَا وَمِنْ الْبَقَرِ كَذَا وَكَذَا وَمِنْ الْغَنَمِ حَتَّى يُعْطَى أَحَدُهُمْ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَسْخَطَهَا ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي أَوْ هَامَتِي فَقَالَ : " يَا ابْنَ حَوَالَةَ إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ فَقَدْ دَنَتْ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَايَا وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ إِلَى النَّاسِ مِنْ يَدَيَّ هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ " .
والله نسأل التوفيق ، والتمكين لعبادة الله في الأرض وخاصة في الأرض المقدسة ، كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ، وأن يخلص المسجد الأقصى المبارك من نير الاحتلال اليهودي المقيت .
والله نسأل أن يحرر فلسطين من ربقة الاحتلال اليهودي الصهيوني العبري البغيض وأن ينصر المستضعفين الفلسطينيين في الأرض ، أرض آبائهم وأجدادهم ، وأن يخرج الطارئين الظالمين الطغاة البغاة من ارض فلسطين وأن يجعلها خالصة للعرب والمسلمين وأصحابها الحقيقيين الأصليين ليتمكنوا من مواصلة الرباط والمرابطة على ثغور الإسلام العظيم ، في أرض الخلافة الإسلامية الراشدة الثانية ، المقبلة إن شاء الله العزيز الحكيم العلي العظيم ، في هذه الحياة الدنيا الفانية للانتقال للحياة الأخرى الباقية ، إنه على كل شيء قدير وإذا أردا شيئا أن يقول له كن فيكون .
وتعالوا بنا ندعو الله القريب مجيب الدعاء كما دعا إبراهيم الخليل عليه السلام :{ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) }( القرآن المجيد - إبراهيم ) .
وفي هذا الصدد ، لا بد من الإكثار من ترديد دعاء نبي الله نوح عليه السلام : { وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28) } ( القرآن المجيد - نوح ) .
وندعو ونقول كما جاء بكتاب الله العزيز : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)}( القرآن المجيد – البقرة ) .
كما ندعو ونقول والله المستعان ، كما قال نبي الله شعيب عليه السلام ، كما نطقت الآيات القرآنية الكريمة : { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)}( القرآن المجيد – هود ) .

نترككم في أمان الله ورعايته ، والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الصخرة المشرفة
مخطط هيكلي للمسجد الأقصى المبارك

الثلاثاء، 24 يوليو 2012

عرب فلسطين 1948 .. بين الخدمة المدنية المجانية والتجنيد العسكري الإجباري الصهيوني د. كمال إبراهيم علاونه


د. كمال إبراهيم علاونه
عرب فلسطين 1948 ..
بين الخدمة المدنية المجانية والتجنيد العسكري الإجباري الصهيوني
د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية والإعلام
رئيس مجلس إدارة شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس - فلسطين العربية المسلمة


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ : { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)}( القرآن المجيد – آل عمران ) . ويقول الله العلي العظيم عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)}( القرآن المجيد – الحجرات ) .
وجاء بصحيح البخاري - (ج 11 / ص 277) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ " .
خريطة فلسطين التاريخية المضيئة
إستهلال


يعيش أبناء الشعب العربي الفلسطيني ، من المسلمين والنصارى ، في فلسطين المحتلة عام 1948 ، تحت الظلم والقمع والاستبداد والطغيان العنصري الصهيوني ، وتتحكم السلطات العبرية الثلاث : التنفيذية والتشريعية والقضائية ، في الحياة العامة لهذه الفئة من ابناء الشعب الفلسطيني العظيم المرابط فوق ثرى الوطن الفلسطيني المنكوب منذ قيام الكيان العبري الصهيوني على الأرض الفلسطينية منذ عام 1948 ، عام الاقتلاع اليهودي لشعب فلسطين من أرض آبائه وأجداه ، وتهجير مئات آلاف المواطنين الفلسطينيين لبقية أجزاء فلسطين عبر حالات النزوح الداخلية أو عبر التهجير القسري الصهيوني لهم لخارج أرض فلسطين المباركة ، فأصبحوا مطاردين ولاجئين في ديار الغربة والمنافي والشتات في جميع أنحاء العالم بقارات آسيا وأوروبا وإفريقيا وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأستراليا .
وتبلغ مساحة فلسطين الكبرى أكثر من 27 ألف كم2 ، سيطرت منظمة الهاغاناة العسكرية الصهيونية على 20.770 كم 2 عام 1948 ، وأعلنت قيام الكيان الصهيوني عليها . ثم إحتل الجيش الصهيوني المدعوم أمريكيا وأوروبيا في حزيران عام 1967 بقية فلسطين ( المنطقة المعروفة بالضفة الغربية وقطاع غزة ) . ثم انسحب جيش الاحتلال الصهيوني بريا من قطاع غزة ( مساحته 363 كم2 ) في أيلول 2005 بفعل انتفاضة الأقصى الفلسطينية ( الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الثانية ) .
ويبلغ تعداد الشعب الفلسطيني في الوطن والمهاجر أكثر من 11 مليون نسمة ، حسب التقديرات العالمية والفلسطينية . يعيش منهم 1.65 مليون نسمة في فلسطين المحتلة عام 1948 ( الجليل والمثلث والنقب والساحل ) ، و 4.2 مليون في الضفة الغربية وقطاع غزة ( 1.7 مليون بقطاع غزة ، و2.5 مليون في الضفة الغربية ) والباقي في الدول العربية ومختلف دول العالم .
وحسب المكتب الاحصائي المركزي الصهيوني في تل أبيب ، بلغ عدد السكان اليهود بالكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة بجناحيها المحتل عام 1948 و1967 ( الأرض المقدسة ) في أيار 2012 ، حوالي 5.931 مليون يهودي ، يشكلون 75.3 % من مجمل سكان الكيان العبري ، بينما بلغ عدد العرب ( مسلمين ونصارى ) 1.623 مليون عربي بنسبة 20.6 % في الجليل والمثلث والنقب والساحل الفلسطيني ، في حين يعيش حوالي 327 ألف أجنبي بنسبة 4.1 % ، من جنسيات مختلفة بالكيان الصهيوني بفلسطين الكبرى .
خريطة المحافظات الفلسطينية قبل نكبة فلسطين


الفلسطينيون بالداخل الفلسطيني .. بين ناري الخدمتين العسكرية والمدنية


يقول اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال جَلَّ جَلَالُهُ :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)}( القرآن المجيد - البقرة ) .


عمدت حكومة الاحتلال اليهودي الكونية العالمية ، منذ نشأة الكيان الصهيوني أواخر العقد الرابع من القرن العشرين الماضي ، إلى تفتيت وتقسيم وتمزيق البقية العربية الصامدة المرابطة في أرض الوطن الفلسطيني ، إلى طوائف عرقية إثنية ودينية ، فمزقت العرب المسلمين إلى سنة وشركس ودروز وبدو ، وأحمديين وبهائيين وغير ذلك ، كما تعاطت مع النصارى ( المسيحيين ) على أسس طائفة ، موارنة وأرثوذوكس وبروتستانت ولاتين ، وطوائف شرقية وطوائف غربية .. وغير ذلك .
وقد طبقت القيادة الصهيونية التي تمثل يهود فلسطين المحتلة ، بدعم الأحزاب السياسية والطوائف الدينية اليهودية المتعددة ، عدة سياسات قمعية عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية ضد الفلسطينيين من أهل البلاد الأصليين ،  من أهمها :
أولا : سياسة التفريغ والملء ، المتمثلة بتهجير الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم بشتى الطرق الخبيثة . وقد إستطاعت المنظمة الصهيونية من جلب حوالي 6 ملايين يهودي من 102 دولة في العالم لفلسطين المحتلة ، وطرد نحو مليون فلسطيني من أرضهم عام 1948 ، ولا زالت الحكومة الصهيونية لا تسمح بعودة النازحين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة ، أو اللاجئين الفلسطينيين الذين أخرجوا من ديارهم إبان نكبة فلسطين الكبرى حتى الآن ، والبالغ عددهم في عام 2012 أكثر من 6 ملايين نسمة ، لمواطنهم الأصلية في عكا وحيفا ويافا وصفد وطبريا وسخنين وترشيحا وأم الفحم والناصرة واللد والرملة وأسدود وعسقلان وغيرها .
ثانيا : سياسة الترغيب والترهيب . وهي سياسة متوازية ، تهدف لقلع الفلسطييين من ارضهم تارة بالإرضاء الشكلي أو بالقمع العسكري . وتم سابقا ، فرض الجنسية اليهودية الصهيونية العبرية ( الإسرائيلية ) على العرب الفلسطينيين ، المسلمين والنصارى ، إذ تم تخييرهم بين الرحيل أو التجنيس القهري بالجنسية ( الإسرائيلية ) فاختاروا أهون الشرين وهم التجنس بالجنسية الأجنبية الغريبة عليهم ، فسحبت منهم الجنسية الفلسطينية بالقوة زورا وبهتانا . والسياسة الأخيرة ، تتمثل في دعوة العرب لتنفيذ الأوامر الصهيونية المتمثلة بأداء الخدمة المدنية ( الوطنية ) بدعاوى تطبيق المساواة بين العرب واليهود بتبجح عنصري لئيم .
ثالثا : الاستعباد والاستبعاد . التي تتمثل في تسخير العرب لخدمة الطوائف اليهودية المهاجرة من شتى دول العالم لفلسطين المحتلة ، وتقزيم دور العرب والتنكيل بهم وتعذيبهم ، واستبعادهم من حلبة الاقتصاد ، وجعلهم يعيشون حالة إجتماعية مزرية ، أو ما يعرف التهويش والتهميش . ويعيش أهل فلسطين المحتلة عام 1948 ، حالة تسخير قومي اقتصادي واجتماعي وثقافي وتاريخي وجغرافي ، غير مسبوقة ،  لا مثيل لها إلا في النازية الألمانية والفاشية الإيطالية البائدتين ، والعنصرية البريطانية في العالم وخاصة في جنوب إفريقيا ( النظام العنصري – الابارتهيد ) .
رابعا : الغاية تبرر الوسيلة . حيث تلجأ الحكومة والأحزاب الصهيونية الدينية والعلمانية ، لتطبيق الأساليب والطرق الملتوية في سبيل تحقيق المصالح الصهيونية السفلى والعليا على حد سواء ، دون مراعاة للمصالح العربية الفلسطينية العليا أو الوسطى أو السفلى بحدها الأدنى .
على أي حال ، فرغم الرفض العربي التام ، للسياسة الصهيونية الظالمة ، فقد فرض قانون  التجنيد الاجباري ( الخدمة الإلزامية ) على طائفتي الدروز والشركس منذ أواسط العقد الخامس من القرن العشرين الفائت ، لسلخهما عن المسلمين من أهل الديار الفلسطينية ، وتمكينهما من الاستئثار ببعض الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية المصطنعة ، بدعاوى أن الدروز والشركس ليسوا عربا وبإمكانهم خدمة الكيان الصهيوني الجديد المصطنع والإخلاص في ذلك دون أن يشكلوا خطرا أمنيا أو عسكريا وفقا لسياسة تجزئة السكان الأصليين لطوائف متعددة متناحرة وأتاحت المجال للبدو من الانخراط الطوعي الترغيبي أو الترهيبي ، في بعض وحدات الجيش الصهيوني ، وخاصة الدوريات العسكرية وقصاصي الأثر ، لعزلهم عن بقية أبناء الشعب الفلسطيني الذين بقوا في أرض وطنهم ، وطن الآباء والأجداد ، سواء في فلسطين المحتلة 1948 أو في فلسطين المحتلة 1967 .
وبعد أن فرضت الحكومة العبرية الصهيونية التجنيد الاجباري على الدروز والشركس من  الفلسطينيين في بلادهم ، طرحت منذ سنوات وسنوات ، إلحاق البقية الباقية من الفلسطينيين الذين يعيشون في مناطق الجليل والمثلث والنقب والساحل الفلسطيني ، ما يسمى ( الخدمة الوطنية الإسرائيلية ) في محاولة أخيرة لفرض سياسة ( التهويد والعبرنة والصهينة والأسرلة ) عليهم دون وجه حق ، متسلحة بسياسة الغاية تبرر الوسيلة ، وذلك لصهر وطمس الهوية العربية الإسلامية ، الدينية والقومية والوطنية ، في البوتقة الصهيونية العامة ضمن الاستراتيجية اليهودية للتحكم بأهل البلاد الأصليين ، والإبقاء عليهم في حالات التوتر والاستفزاز والابتزاز ، وجعلهم يعيشون في حالة هيجان مستمر .
خريطة فلسطين المحتلة


الفلسطينيون بالداخل الفلسطيني .. بين التحييد والتجنيد الصهيوني


يقول الله الغني الحميد عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) }( القرآن المجيد – البقرة ) .


منذ قيام الكيان الصهيوني أو ما يطلق عليه ( دولة إسرائيل ) في 14 أيار 1948 ، حاولت القيادة العبرية الصهيونية تسخير واستبعاد واستعباد العرب ، من المسلمين والنصارى ( المسيحيين ) على حد سواء بشتى الطرق والأساليب الخبيثة سياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا وثقافيا واجتماعيا ونفسيا .
وتظهر بين الحين والآخر ، مسألة مفصلية في حياة الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال العبري الصهيوني في فلسطين المحتلة عام 1948 ، تتمثل في فرض التجنيد الإلزامي ( الاجباري ) العسكري أو المدني أو كليهما ، ما بين مؤيد ومعارض ، من كلا الجانبين الفلسطيني والصهيوني .
وفي ربيع عام 2012 ، برزت هذه المعضلة على الساحة السياسية الصهيونية والفلسطينية العامة والخاصة ، على السواء ، وتباينت المواقف الرسمية والحزبية الصهيونية والفلسطينية ، حيال هذه المسألة ، ما بين الإيجابية والسلبية .


المفهوم الصهيوني للخدمة العسكرية الإلزامية


يقول الله السميع العليم جل شأنه : { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)}( القرآن المجيد – البقرة ) .
تقوم الأيديولوجية الصهيونية على العقلية العسكرية ، والسيطرة وفرض الأوامر العليا على جميع السكان اليهود والعرب في الكيان العبري الصهيوني بفلسطين المحتلة .
ويعتبر المجتمع اليهودي مجتمعا عسكريا  تديره المؤسسة العسكرية في تل أبيب ، وهناك تدريبات سنوية وموسمية ، برية وبحرية وجوية ، للصغار والكبار من ابناء الطوائف اليهودية في البلاد سواء بصورة فردية أو ثنائية أو متعددة بالاشتراك مع جيوش أجنبية استعمارية أخرى . ويقدس اليهود الحياة الدنيا ولا يعيرون الحياة الآخرة أي إهتمام يذكر ، بل ينكرها الكثير منهم . ويحب اليهود الحياة المعمرة التي تمتد لسنوات طويلة مديدة ، ويبذلون في سبيل ذلك كل السبل المتاحة ، المستقيمة والجهنمية ، ولهذا يسعون للحفاظ على كيانهم الحياتي الاجتماعي والاقتصادي والثقافي ، وتفوقهم العسكري لفرض نظام الخدمة العسكرية لشن العدوان تلو العدوان على الجيران مهما كلف الأم رمن ثمن بشري ومادي . ولا يحترم اليهود العهود والمواثيق بل سرعان ما ينبذها فريق منهم ، وهو الفريق الأقوى ، كلما سنحت لهم الفرصة المؤاتية بذلك .
فقد سن الكيان الصهيوني قانون الخدمة العسكرية الاجبارية على أغلب الطوائف اليهودية من العلمانيين اليمينيين واليساريين على السواء ، وأعفى الطائفة اليهودية المتدينة ، من الخدمة العسكرية الاجبارية التي تبلغ 36 شهرا للشاب الذكر اليهودي ، و24 شهرا للأنثى اليهودية ، بعد بلوغ 18 عاما ، باستثناء الملتحقين بالجامعات في الداخل أو الخارج ، حيث يجرى تأجيل أداء الخدمة العسكرية ، ريثما يتخرج الشاب اليهودي ويحصل على اللقب الجامعي الأول ( البكالوريوس ) . ويتبع كنتيجة حتمية لاحقة ، الخدمة الاجبارية اليهودية تأدية الخدمة العسكرية الاحتياطية للذكور والإناث ، لمدة شهر سنويا ، حتى سن 49 عاما للرجال ، وحتى سن 35 عاما للإناث . وتفرض الخدمة العسكرية على جميع الشباب اليهودي ، ذكورا وإناثا ، بغض النظر عن مكان قدومهم من شتى قارات العالم ، لفلسطين المحتلة .
من جهة ثانية ، يعفى المتدينون اليهود ( الحريديم ) من تأدية الخدمة العسكرية بالكيان الصهيوني ، بدعاوى أنهم يؤدون خدمة توراتية دينية في فلسطين ( ارض الميعاد ) لتمكين اليهود من ارض فلسطين ، الأمر الذي سبب ويسبب توترا وإرباكا للبرامج الانتخابية الحزبية في كل دورة انتخابية عامة مبكرة أو عادية للكنيست ، بين العلمانيين واليساريين من جهة والمتدينين اليهود من جهة أخرى .


المفهوم الصهيوني للخدمة المدنية المجانية ( الوطنية الإسرائيلية )


يعني مصطلح فرض الخدمة المدنية على العرب بالمفهوم العبري الصهيوني ، إلزام العرب ( مسلمين ونصارى ) بتنفيذ الأوامر اليهودية وتقديم الخدمة المجانية لسنة ونصف ( 18 شهرا ) ، وهذا الأمر يتطلب الخدمة المدنية الإجبارية في البلديات والمدارس والمؤسسات والجامعات والمشافي والمراكز الخدمية وغيرها دون أن يتقاضى الشاب العربي المشارك في هذه الخدمة أي مقابل مادي . ويمكن في البداية ، طرح تطبيق الخدمة المدنية للعرب في المجتمع ( الوسط العربي ) ثم يتطور تدريجيا ليشمل المجتمع الكلي ( الوسط اليهودي ) وهذا استدراج صهيوني خبيث ، للطاقات الشبابية العربية لتمديد عمر الكيان الصهيوني ، الذي يشرف على الانهيار العاجل أو الآجل ، إن شاء الله تعالى ، خلال عقد زمني تقريبا ، بصورة حتمية لا ريب شك فيها .  وغني غن القول ، إن تأدية الخدمة المدنية الاجبارية بالكيان الصهيوني هي استخفاف واستهزاء بالمواطنين العرب ، فهم يعيشون في ظل كيان ومجتمع معاد لهم بصورة جذرية واستراتيجية لا تكتيكية ، ويحيك الدساس والمؤامرات ضدهم في كل يوم وليلة دون توقف أو دون وازع ديني أو أخلاقي .




الذرائع الدعائية الصهيونية لفرض الخدمة المدنية على العرب


يقول الله الحميد المجيد سبحانه وتعالى : {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) }( القرآن المجيد - المائدة ) .
هناك العديد من الذرائع والمزايدات اليهودية الصهيونية الواهية ، التي تتذرع هذه السياسة الصهيونية القديمة المتجددة ، لإقرار تنفيذ أو فرض الخدمة المدنية الإلزامية أو الطوعية ، بذرائع ومبررات واهية تتمثل في :
أولا : المناداة بالعدالة والمساواة العامة بين العرب واليهود ، وفق شعارات ( تقاسم العبء .. توزيع العبء على الجميع .. يهودا وعربا ) . فيقول بنيامين نتياهو زعيم حزب الليكود المتطرف ، ورئيس الحكومة الصهيونية الحالي بشأن تطبيق الخدمة المدنية الاجبارية على العرب : " نريد أن نعطي إمتيازات إيجابية ، لمن يخدمون ، وإمتيازات سلبية للمتهربين من الخدمة المدنية والتجنيد العسكري " .
ثانيا : الظهور الدعائي الإعلامي أمام العالم بأن العرب هم من يرفضون المساواة في ( دولتهم ) لرفضهم تأدية الخدمة المدنية لرفد الجيش الصهيوني في حالات الطوارئ والنكبات المستقبلية .


الأسباب الصهيونية الحقيقية لفرض الخدمة المدنية على العرب ( الإستعباد والإستبعاد )


يقول اللَّهُ الحي القيوم جَلَّ جَلَالُهُ : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108)}( القرآن المجيد – آل عمران ) .


هذا بلاء جديد يقع على الشعب الفلسطيني ، وخاصة ضد ثلة النخبة المرابطة الصامدة في أرض الرباط الفلسطينية العربية الإسلامية المقدسة ، إذ تظهر العقلية العسكرية والسياسية الصهيونية ، ما لا تبطن في التعامل مع العرب ( أصحاب الأرض الأصليين الحقيقيين ) في الأرض المقدسة ( فلسطين المباركة ) ، فمن خلال طرح الخدمة المدنية الإلزامية على الفلسطينيين في الجليل والمثلث والنقب والساحل الفلسطيني ( فلسطين المحتلة عام 1948 ) ، تهدف إلى تحقيق ما يلي :
أولا : التهويش والتهميش والتشويش اليهودي الصهيوني على العرب في أرضهم . فهذه السياسة الصهيونية لا زالت سادرة في غيها ، تعمل على استحداث أساليب شيطانية جديدة لاستكمال طرد الفلسطينيين من ارضهم ، واخضاعهم لحالة خوف وهلع مستمرة بالتلاعب في  مصيرهم ومستقبلهم ومستقبل الأجيال الفلسطينية المقبلة . وكذلك فإن فرض هذا الأمر الجديد يعمل على تشويه الهوية الدينية والقومية لفلسطيني 1948 لإيجاد جيل فلسطيني جديد دون إنتماء حقيقي للوطن والشعب ، واستكمال السلخ المبرمج للفلسطينيين عن الأمتين العربية والإسلامية .
ثانيا : إحداث نزاعات وإنشقاقات وخلافات جديدة في صفوف العرب الفلسطينيين ، بين مؤيد ومعارض ، للخدمة المدنية وتطبيق المساواة والعدالة المزعومة بين العربي واليهودي . وذلك رغم أن الكيان الصهيوني يشكل عبئا عسكريا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا على الفلسطينيين بسبب سياسة التفريق العرقي والتمييز العنصري الشاملة .
ثالثا : فرض أمر واقع على العرب ، لخدمة الجاليات اليهودية بالكيان الصهيوني في ظل الفرمانات والأوامر العسكرية التي تأخذ أحيانا صفة القوانين ، وإلزام العرب بالسياسة الصهيونية المرحلية التي تسعى لتطبيق الاستراتيجية اليهودية العامة وفق بروتوكولات حكماء صهيون .
رابعا : إضافة طاقة بشرية جديدة للحرب القادمة المتوقعة بين العرب واليهود بفلسطين ، مثل تسهيل حالات الإخلاء للبيوت والمدارس والجامعات والمستشفيات وغيرها . فقد أظهرت الدراسات العسكرية الاستراتيجية الصهيونية النقص الشديد والضعف الأكيد في الجبهة الداخلية الصهيونية والدفاع المدني ، اثناء الحرب مع حزب الله عام 2006 ، حيث هرب نحو 1.5 مليون يهودي من مساكنهم ، وسكنوا في الملاجئ ، مع ما رافق ذلك من خوف وهلع شديدين .
خامسا : إلهاء الشباب العربي في فلسطين المحتلة 1948 ، عن تقليد الثورات والانتفاضات العربية المجاورة في قارتي آسيا وإفريقيا ضد الأنظمة العربية الفاسدة كمصر واليمن وليبيا وتونس وسوريا ، وتعبئة أوقات فراغهم ، واستغلال مواهبهم المبدعة ، في ظل التحديات العصرية الجديدة ، والخوف من ثورة شعبية عارمة للمطالبة الحربة والاستقلال أو التمتع بالحكم الذاتي الموسع للعرب في الكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة .
سادسا : الاستغلال الاقتصادي القهري للطاقات الشبابية العربية المجانية ، والتخفيف من حدة البطالة المستشرية في صفوف الشباب العربي الفلسطيني في الداخل ، وتخفيت حدة النقمة الاقتصادية على المؤسسة الصهيونية الحاكمة في تل أبيب . وذلك باستخدام شعارات براقة مثل ( الخدمة الوطنية ) علما بأن فلسطين ، ليست دولة عربية مستقلة بل هي محتلة ومستغلة استعماريا للصهاينة ، من جميع الأوجه والأشكال العسكرية والاقتصادية والسياسية وخلافها ويقام عليها الكيان الصهيوني .
سابعا : السعي الحثيث لتنفيذ إرتداد المواطنين المسلمين الفلسطينيين عن دينهم الإسلامي الحنيف ، وموالاة اليهود في كل ما يحيكون وينظمون من دسائس ومكائد ، عبر سياسة التضليل الفكرية والثقافية والإعلامية البراقة .
ثامنا : منع إنهيار التجنيد العسكري الصهيوني ، والتعويض عن النقص في التجنيد العسكري الإلزامي في وحدات الجيش الصهيوني ، جراء تهرب نسبة كبيرة من اليهود من الخدمة العسكرية الاجبارية والاحتياطية على السواء . فالعقلية الصهيونية تؤمن بالتجديد والتجنيد العسكري والمدني ، لأنها دائبة السعي للعدوان على الآخرين ، وخاصة العرب المجاورين .
ففي مجال الإعفاء العسكري أو التهرب الديني اليهودي من الخدمة العسكرية الاجبارية ، تبين أن نسبة 4.9 % من اليهود ( الحريديم ) تفرغوا عام 1991 ، للتعليم الديني اليهودي ( التوراتي والتلمودي ) فقد تم إعفائهم من الخدمة العسكرية الإلزامية رسميا بالكيان الصهيوني ، ثم ارتفعت هذه النسبة إلى 10.8 % عام 2008 ، وواصلت النسبة إرتفاعها لتصل إلى 12.1 % بالعام الحالي ، 2012 . وهي نسبة كبيرة ولا شك تدلل على وجود إشكاليات عسكرية واجتماعية ونفسية في عقلية الشباب اليهودي الذي مل ويأس من الحروب والعدوان العسكري على الآخرين ، ويرغب في العيش بأمن واستقرار بعيدا عن العقلية العسكرية القمعية حيث تم تضليله للقدوم من مختلف دول العالم للعيش في ما يسميه اليهود ( بلاد السمن والعسل ) .
وحسب بعض الإحصائات الرسمية الصهيونية ، تبين أن 25 % من الشباب الذكور اليهود يفرون ويتهربون من التجنيد الاجباري لأسباب ايديولوجية ودينية وصحية ونفسية وشخصية ، وهذه النسبة في تزايد مستمر . وهناك نسبة 42 % من الإناث اليهوديات يتهربن من التجنيد الاجباري الصهيوني لأسباب دينية أو شخصية لأنهن متزوجات أو الخوف من الموت في المعارك مع العرب كما في إنتفاضة الأقصى الفلسطينية ( الانتفاضة الكبرى الثانية ) ما بين 2000 – 2006 ، وحرب تموز 2006 مع حزب الله اللبناني . فقد أفادت إحصائية رسمية يهودية أن فرار الشباب اليهودي من التجنيد الاجباري بالجيش العبري اليهودي الصهيوني ( جيش الدفاع الإسرائيلي ) بلغت نحو 59 % ممن هم في سن التجنيد العسكري الإلزامي ، عام 2002 ( أثناء انتفاضة الأقصى الفلسطينية ) ، وانخفضت إلى 52 % عام 2008 ، بعد إنتهاء إنتفاضة الأقصى ، منها نسبة 6.9 % لأسباب صحية .
تاسعا : العمل على تطبيق الاستراتيجية الصهيونية المستندة إلى بروتوكولات حكماء صهيون ، في السيطرة على الشعب المغلوب على أمره ، وقهره بجميع السبل والطرق المتوفرة ، وجعله هائما خاملا مستسلما لا يقوى على شيء في كافة الميادين والمجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وسواها .
عاشرا : الحفاظ على الكيان العسكري الصهيوني من الإنهيار الآتي ، خاصة في ظل تهرب الشباب اليهود من الخدمة العسكرية ، حيث يلهثون خلف المفاسد المادية والملذات والمتع الجنسية في البارات والحانات . وأصبحوا ينظرون للشباب العربي الذي لا يخدم بالتجنيد العسكري الاجباري بالغيرة والحسد ، فالشباب العربي لا يعيش الحياة العسكرية كالشباب اليهودي .
حادي عشر : الابتعاد عن الصراع الداخلي ، وتصدير الأزمة الداخلية اليهودية بافتعال العدو الخارجي المتأهب ، عبر التوجه الصهيوني لفرض التجنيد الاجباري على جميع اليهود بفلسطين المحتلة ، طوعا أو كرها ، في المجالين العسكري أو المدني ، والبدء بالشباب العربي كتجربة إنتقالية لافتعال الخطر المحدق باليهود ، وتوقع الردود العربية الغاضبة ضد الخدمة الاجتماعية أو الآفة المدنية الجديدة ( العدو الداخلي العربي ) ، لتحاشي الاقتتال الداخلي اليهودي ، لتطبيق التجنيد المدني أو العسكري بطريقة سهلة ، على اليهود المتدينين ( الحريديم ) الذين يعفون قانونيا من التجنيد العسكري الالزامي .
ثاني عشر : الدعاية الدبلوماسية الصهيونية العالمية المبرمجة ، والإدعاء بالسعي لمنح العرب حقوقهم المدنية والاجتماعية والاقتصادية . وحرف أنظار الإعلام العالمي عن حالة الاختناق والتضييق العنصري اليهودي على العرب الفلسطينيين في موطنهم الأصلي .


المواقف الصهيونية المتباينة حيال تجنيد العرب


تتباين المواقف الرسمية والحزبية والأهلية اليهودية العبرية الصهيونية تجاه فرض التجنيد العسكري والخدمة المدنية الإجبارية ، فقد جرى تشكيل لجنة رسمية  صهيونية – إسرائيلية ( لجنة بلاسنير ) التي أوصت بفرض التجنيد الاجباري على اليهود المتدينين ( الحريديم ) وفرض الخدمة المدنية الإلزامية على العرب في فلسطين المحتلة عام 1948 ، في مناطق النكبة الكبرى الأولى .
وقد تألفت توصيات خطة لجنة ( بلاسنير ) الصهيونية من 6 بنود ، من بينها بند خدمة العرب ، وفق قانون مقترح لسنه وإقراره بالكنيست العبري ( الخدمة الوطنية الإسرائيلية ) ، وتحديد مسارات الخدمة المدنية حتى أواخر عام 2012 ، وسن التشريع القانوني الجديد عبر البرلمان ( الكنيست ) بهذا الشأن في نهاية شهر آذار 2013 .
وتحاول الحكومة العبرية الصهيونية في تل أبيب ، سن قانون جديد من خلال السلطة التشريعية الصهيونية أو البرلمان الذي يطلق عليه باللغة العبرية ( الكنيست ) ، لفرض الخدمة العسكرية على الحريديم اليهود ، والخدمة المدنية على العرب وهي آفة مدنية حقيقية وليست خدمة مدنية ، ضمن الجيش الصهيوني بنهاية عام 2012 . ويريد حزب الليكود الحاكم في تل أبيب ، تطبيق التشريع الجديد مع حذف بعض البنود أو فرض بعض الإضافات باسرع وقت ممكن ، ويبرز هنا صراع داخلي يهودي كبير إلى العلن بعدما كان مستترا تحت الستار وخلف الكواليس . وطالب حزب كاديما ( المنشقين منذ عام 2005 من أشتات حزبي الليكود والعمل ) بضرورة فرض التجنيد العسكري الاجباري لأبناء وبنات الطوائف اليهودية ، الدينية ( الحريديم ) والعلمانية ، على السواء ، ويطالب بفرض الخدمة المدنية على العرب ، للحفاظ على بقاء الكيان الصهيوني وفق تصوره الجنوني الجهنمي .
ومن المعلوم أن اليمين الصهيوني المتطرف يرفض مبدئيا ، مشاريع التجنيد العسكري للعرب للحفاظ على الجيش الصهيوني نقيا خالصا من اليهود ، لأسباب عقائدية وأمنية .
والأحزاب الصهيونية ، اليهودية الدينية التوراتية والقومية العلمانية ، لا تعترف بفلسطيني عام 1948 كأقلية قومية ذات هوية خاصة ، وتنحاز إنحيازا كبيرا للقومية الشوفينية اليهودية .
وقد تسبب الخلاف الدائر حول هذه المسألة وغيرها من القضايا اليهودية الشائكة إلى حدوث أزمة سياسية صهيونية داخلية جديدة حادة ، بإنسحاب حزب كاديما بزعامة الجنرال شاؤول موفاز ، نائب رئيس الحكومة الصهيونية من الإئتلاف الحكومي الحاكم في تل أبيب أواسط تموز 2012 ، خاصة وأن حزب كاديما يطالب بفرض الخدمة العسكرية الاجبارية على اليهود المتدينين أسوة ببقية الشباب اليهودي وعدم إعفائهم من الخدمة العسكرية بذريعة أنهم يعلمون التوراة والتلمود للطوائف اليهودية أو ما يسمى بالخدمة الدينية اليهودية .


الخدمة المدنية على العرب .. بين النظرية والتطبيق


إن سياسة المناداة اليهودية الصهيونية العبرية المتطرفة ، بتطبيق نظام أو قانون الخدمة المدنية الاجبارية على العرب ، سياسة قديمة متجددة ، وتعثر تطبيقها منذ عشرات السنين ، لأسباب داخلية وخارجية ، فلسطينية عربية من جهة ، وعبرية صهيونية يهودية من جهة ثانية . فالعربي الفلسطيني ، المسلم أو النصراني ، يرفض الانسياق وراء الدعاية الصهيونية السفيهة المغرضة ، ولا يمتثل لأوامرها ونواهيها في الكثير من الأحيان ، وخاصة في القضايا القومية العامة . والساكن اليهودي بفلسطين المحتلة بدوره ، لا يثق بالمواطن العربي ، ولا يحترمه وينظر إليه نظرة دونية يشوبها الاستخفاف والاستهزاء ، وبالتالي لم يكن متشجعا لفرض الخدمة المدنية عليه كما لم يلزمه بالتجنيد العسكري الإلزامي .
وأمام السياسة الصهيونية الجديدة ، المتمثلة بفرض الخدمة المدنية على العرب ، أربعة  خيارات هي :
أولا : فرض الخدمة المدنية الإجبارية الكاملة على جميع العرب الفلسطينيين في الكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة ، بقانون صادر عن الكنيست أو بنظام عسكري عالي من أجهزة الجيش الصهيوني والشرطة اليهودية أو كليهما ، مع ما يصاحب ذلك من إبتزازات وتوترات وصدامات أمنية وعسكرية لدى الجانبين العربي والصهيوني .
ثانيا : إقرار الخدمة المدنية الطوعية وليس الخدمة المدنية الإجبارية كما هو مطروح الآن بعام 2012 . على أن تتولى الأحزاب اليهودية الدينية والعلمانية الصهيونية المؤيدة عملية الدعاية والترويج للخدمة آنيا أو مستقبلا .
ثالثا : تطبيق الخدمة المدنية الجزئية في بعض المسارات العربية المطروحة كالمدارس أو البلديات أو المشافي .. إلخ ، لاستقطاب الراغبين في تأدية الخدمة المدنية المجانية وتقديم الحوافز المادية والمعنوية لمن يستجيب لهذا النداء الرسمي أو شبه الرسمي أو الحزبي .
رابعا : الإبقاء على الوضع الراهن ، بلا قانون أو نظام خدمة مدنية ( وطنية إسرائيلية ) على العرب ، وتأجيل البت في هذا الأمر لاحقا ، ربما يستغرق الأمر عدة شهور أو سنوات ، ويخضع للبرامج الانتخابية القادمة في الانتخابات العامة للكنيست ، أو اللجوء للاستفتاء العام بين العرب واليهود كلا على حدة أو مجتمعين .


المواقف العربية من فرض الخدمة المدنية


يقول الله الواحد القهار تبارك وتعالى ، ناصر المؤمنين المستضعفين في الأرض : { لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)}( القرآن المجيد – آل عمران ) .
ينظر السواد الأعظم من العرب الفلسطينيين ، المسلمين والنصارى ، للإبتزاز السياسي الصهيوني الجديد بفرض تأدية الخدمة المدنية الاجبارية أو التطوعية الطوعية ، بالكيان الصهيوني ، بعيون الشك والريبة ، بجدية كاملة ، وخوف من الغول الصهيوني ، الذي يعيث فسادا وإفسادا بصورة مبرمجة شاملة في المجتمع العربي في فلسطين ، وذلك لعدة أسباب من أهمها :
أولا : السعي العربي الداخلي الدائب للحفاظ على الهوية الدينية للمسلمين والنصارى ( المسيحيين ) بعيدا عن الشوائب اليهودية ، ورفض تلقي الأوامر العسكرية والمدنية من قيادة الطوائف اليهودية ، الغربية أو الشرقية ، بأي حال من الأحوال .
ثانيا : الاحتفاظ بالهوية القومية العربية وعدم الذوبان في ثنايا المجتمع التقليدي اليهودي الصهيوني العنصري .
ثالثا : رفض قبول سياسة الأمر الواقع من الاستبداد والظلم والعنصرية اليهودية ضد العرب .
رابعا : رفض السياسة المرحلية الصهيونية في تدجين العرب ، هذه السياسة الظالمة التي ترفض الإعتراف بالعرب كاقلية قومية في البلاد لها حقوقهما السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها ، وبالتالي رفض منح الحكم الذاتي لهم .
خامسا : فرض الخدمة المدنية على العرب الفلسطينيين في فلسطين المحتلة 1948 ، هو مقدمة لفرض التجنيد العسكري الاجباري مستقبلا ، وفق السياسة المرحلية للاستراتيجية الصهيونية لابتلاع الثعبان الأزرق السداسي الصهيوني للشعب الفلسطيني .
خريطة فلسطين المحتلة بعد عام 1967


كيفية المواجهة العربية لفرض الخدمة المدنية الاجبارية عليهم


يقول الله السميع البصير جل ثناؤه : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) }( القرآن المجيد – البقرة ) .
وجاء في صحيح مسلم - (ج 1 / ص 167) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ " .
إن الخدمة المدنية بقانون صادر عن الكنيست أو عبر أمر عسكري صهيوني ، سواء أكانت مدة الخدمة المدنية الإلزامية أو الطوعية ، سنة أو سنة ونصف أو سنتين أو اقل أو أكثر ، فإنها مرفوضة جملة وتفصيلا من السواد الأعظم من المسلمين والنصارى الأقحاح من أهل فلسطين الأصليين ، ويصفونها بأنها ( آفة مدنية ) إذ يرفض العرب العنصرية اليهودية – الصهيونية الظالمة المستبدة منذ أكثر من ستة عقود زمنية ونيف منذ عام 1948 حتى الآن ، ونحن في صيف عام 2012 .
على العموم ، هناك عدة طرق وأساليب سياسية وبرلمانية ودبلوماسية وقانونية ودينية وشعبية ، منفردة أو متعددة متفرقة أو متجمعة مع بعضها البعض ، للتصدي للسياسة الصهيونية الجديدة المتمثلة بمحاولة فرض الخدمة المدنية على العرب ، لعل من أبرزها :
أولا : العصيان المدني الشامل . وعدم الاستجابة للتعليمات والأوامر العسكرية والسياسية الصهيونية مهما كلف الثمن من خسائر بشرية ومادية .
ثانيا : الانتفاضة أو المقاومة الشعبية العارمة . باللجوء لحالات سلمية وعنيفة شتى من أساليب المقاومة للسياسة الصهيونية الجديدة ، وما ينجم عها من توتر سياسي واعتقالات وإمتلاء السجون الصهيونية بآلاف المقاومين المناضلين العرب .
ثالثا : إصدار الفتاوى الدينية الإسلامية والنصرانية ، الداخلية والخارجية ، الرافضة للسياسة الصهيونية التي تحرم الخدمة بالكيان العنصري الصهيوني وتعتبرها ( آفة مدنية إجتماعية ) .
رابعا : إحداث معركة قانونية في البرلمان العبري ( الكنيست ) ، من النواب العرب المنتمين للأحزاب والحركات القومية واليسارية والوطنية والإسلامية العربية .
خامسا : المواجهة الإعلامية والنفسية ، وشن حملة مبرمجة ضد العرب الذين يخدمون بالجيش الصهيوني بالمجالين العسكري والمدني مستجيبين للترهيب والابتزاز تارة والترغيب الصهيوني تارة أخرى .
سادسا : الحرب الدبلوماسية العالمية المناهضة للسياسة الصهيونية ، وطلب الدعم المعنوي العالمي ضد العنجهية الصهيوني الى تحاول استبعاد واستعباد العرب .


الخلاصة


جاء في سنن الترمذي - (ج 8 / ص 442) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ : عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ " .
السواد الأعظم من عرب فلسطين المحتلة ، بديانتيهم الإسلام والنصرانية ، ولا نقول الأغلبية المطلقة فقط ، يرفضون بشكل قاطع الابتزاز والاستهزاء اليهودي السفيه الساخر بمصيرهم ومستقبلهم ومستقبل أبنائهم ، بفرض الخدمة المدنية من المؤسسة الصهيونية الحاكمة في تل أبيب ، تحت أي ظرف من الظروف وفي ظل أي اسم أو مسمى أو ذريعة إجتماعية أو اقتصادية أو غيرها ، ومن يقبل من العرب بقانون أو نظام الخدمة المدنية الاجبارية المجانية هم قلة قليلة لا تشكل نسبة هامة بل نسبة هامشية ثانوية ، يتمثلون بذوي المنافع والمطامع الحزبية الضيقة وذوي النفوس المريضة التي قبلت برضى خفي أو على مضض واستسلمت للعنجهية والوحشية الصهيونية الماكرة .
وهناك صعوبة بالغة في تطبيق التجنيد المدني المجاني الاجباري الصهيوني العبري الصهيوني على العرب ، لعدم قناعة العرب أولا بهذا الأمر الجلل ، فلن يحصلوا على العدالة الاجتماعية أو المساواة الاقتصادية أو السياسية ، مهما قدموا وخدموا الكيان الصهيوني طوعا أو كرها ، ولهم تجربة مريرة في هذا المجال لما يزيد عن 64 عاما . وثانيا لنظرة الأحزاب اليهودية العنصرية الدونية ضد العرب بإعتبارهم الأعداء الخطيرين القريبين ( الطابور الخامس ) في ثنايا المجتمع اليهودي بفلسطين المحتلة .
وأخيرا ، فالله نسأل التوفيق والسداد لأصحاب فلسطين الأصليين في الأرض المقدسة عامة ، وفي الجليل والمثلث والنقب والساحل الفلسطيني خاصة ، وأن يجنبهم عثرات الاحتلال الصهيوني البغيض ، وأن تقدم لهم الأمة العربية العون والمساعدة في الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية وأن تفتح لهم ذراعيها ليبقوا ثابتين على مواقفهم الرافضة للظلم والاستبداد العبري - اليهودي – الصهيوني في أرض آبائهم وأجدادهم .
وهذه الفئة الفلسطينية العربية والمسلمة ، مدعوة لتمتين العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية مع أهل فلسطين في كل مكان ، وخاصة في بقية أجزاء فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة .
ولا بد من الاستعانة بدعاء نبي الله نوح عليه السلام : { وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28) } ( القرآن المجيد - نوح ) .
وختاما ، نردد فنقول والله المستعان ، بما قال نبي الله شعيب عليه السلام ، كما نطقت الآيات القرآنية الكريمة : { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)}( القرآن المجيد – هود ) .
والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .