بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 5 مارس 2010

الإبتعاد عن النزاعات العشائرية والقبلية .. وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا

الإبتعاد عن النزاعات العشائرية والقبلية ..

وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا


د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
فلسطين العربية المسلمة

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) }( القرآن المجيد ، المائدة ) .
وورد في صحيح البخاري - (ج 19 / ص 11) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا " .

استهلال

تندلع بين الحين والآخر المشاحنات والمشاجرات والنزاعات العائلية المقيتة ، بين أبناء الحي الواحد أو القرية الواحدة أو المدينة الواحدة أو بين عائلتين من حمولة واحدة أو حمولتين من قرية واحدة أو مدينة واحدة ، ويتم استخدام السلاح الأبيض من الفؤوس والشرخات والبلطات والشفرات والسكاكين والسيوف ، وفي بعض الحالات يتم استخدام السلام الناري من المسدسات والرشاشات والبنادق العادية وبنادق الصيد ، فيصيد البعض البعض الآخر ، ويجرح في هذه الجولة أو الصولة العدائية الطائرة بين الجانبين العديد من الجرحى ويدخلون المشافي والعيادات الصحية للتداوي والعلاج ، أو ربما يصرع بعض القتلى ، فيدخلون ثلاجات الموتى في المشافي بانتظار التشريح والتصريح بالدفن في المقبرة . وتتأجج مناطق المشاجرات فيحضر الناس من كل حدب وصوب ، فمنهم من يحاول ثني الطرفين عن الشجار المقيت وقد يتعرض للأذى من أحد الطرفين بقصد أو دون قصد ، ومنهم من يبقى متفرجا على الأبراج والبيوت والساحات والسيارات عن بعد ، ومنهم من يشارك بعضلاته وسلاحه ويحشد الحشود بالهواتف النقالة والسيارات ، والاستدعاءات العشائرية حيث تجره عصبيته العشائرية أو القبلية أو قرابة الدم ، ومنهم من المنافقين المذبذبين بين هؤلاء وهؤلاء ، فيعمل بنفاقه على زيادة الشحنات الكهربائية ومواصلة القتال ، ويأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه آخر وقد خاب المتفرجون والمنافقون وأهل العصبية القبلية .

أسباب النزاعات الاجتماعية

جاء في صحيح مسلم - (ج 9 / ص 392) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَدْعُو عَصَبِيَّةً أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ " . وفي رواية أخرى جاءت في
سنن أبي داود - (ج 13 / ص 325) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ " .
كما جاء في سنن النسائي - (ج 12 / ص 487) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا لَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدِهَا فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَدْعُو إِلَى عَصَبِيَّةٍ أَوْ يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ " .
تكمن عوامل وأسباب الصراع الداخلي العشائري أو القبلي في الأرياف أو المدن أو المخيمات ، في حادث طارئ فجائي لا وجود لثارات سابقة ، وقد يكون نتيجة خلافات عائلية سابقة بين الآباء والأجداد ، أو بين أبناء الجيل المراهق الحالي وقد يكون خلاف على معاكسة فتيات أو نساء أو بقضايا الشرف ، أو تهديدات وسباب وشتائم بين ولدين أو مراهقين أو نزاع مالي أو وظيفي عرقي أو طائفي اجتماعي أو ديني أو حزبي أو سياسي أو صراع داخلي على الميراث وما شابه . وتنجر بعض العائلات والعشائر لهذه المشاحنات العدائية ( الطوشة ) وكأنهم في ( غو طو 101 ) أيام أفلام غوار الطوشة في الأفلام والدراما والمسلسلات الاجتماعية فتدخل هذه العائلات والحمائل في صراع بدائي ثنائي سرعان ما يتطور لصراع جماعي ينخر بنيان المجتمع العربي من الأساس كمرض إجتماعي مزمن ، وتحضر الشرطة المحلية وأحيانا الأجهزة الأمنية والجيش لفض الإشتباك العنيف المسلح بين أبناء المجتمع الواحد أو الحمولة الواحدة أو القرية الواحدة أو المدينة الواحدة أو بين أبناء الوطن الواحد ، ويتم اعتقال المشاركين في ( الحرب المستعرة ) من كلا الجانبين ، ويحتجزون ليوم أو يومين ، أو أسبوع أو شهر أو أكثر أو اقل ، وتنتشر الواسطات وسياسة الإصلاح بين المتخاصمين ، فيوقعون على كفالات مالية أمام الشرطة العربية المحلية بمقادير مالية ضئيلة بخسة .

من يرتكب العدوان على الآخرين

جاء بصحيح البخاري - (ج 1 / ص 59) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ " .

ينقسم المجتمع إلى قسمين ، القسم الصالح والآخر الطالح ، وجناح الأخيار يفوق جناح الأشرار عددا وعدة ، ولا يخلى المجتمع من الشريرين الذي يحبون الإعتداء على الغير سواء عبر العدوان المعنوي أو البدني أو الاقتصادي أو غيره . ويقوم بالإعتداءات بعض الفئات الاجتماعية الجاهلة أو المهمشة أو ذات الجينات الشريرة التي توارثت المشاجرات أبا عن جد . وتضم القائمة السوداء للعدوانيين كلا من الأصناف الآتية :
أولا : الجهلة والسفهاء والمنافقين .
ثانيا : السكارى الذين يعاقرون الخمرة والمحظورات الإسلامية .
ثالثا : أصحاب المخدرات ومروجيها ومتعاطيها .
رابعا : أصحاب مهن التسول والسرقة والاحتيال والتزييف .
خامسا : العدوانيين والمراهقين المبتعدين عن تعاليم الرسالة الإسلامية السمحة .
سادسا : بعض الفئات التي تنجر جرا للنزاعات وهذه الفئة يجب أن يتم معاملتها بالحسنى وتخفيف الأحكام الصادرة بحقها وهذه الفئة في أغلب الأحيان تكون مدافعة عن نفسها والبادئ أظلم .
سابعا : القبليون الجدد : من هواة السيطرة العشائرية على الآخرين بلا وجه حق ، المنادين بتعزيز الولاءات العشائرية والقبلية في المجتمع . وهناك مثل شعبي عربي دارج يغذي العشائرية الغبية المقيتة ، يقول : ( أنا وأخوي على ابن عمي ، وأنا وابن عمي على الغريب ) ، وهو مثل لا يمت للإسلام بصلة بأي حال من الأحوال بل يفكك المجتمع العربي الإسلامي السوي .
ثامنا : عملاء الدول الأجنبية الاستعمارية الكبرى التي تشجع النزاعات والمشاجرات الداخلية في المجتمعات العربية . لتنخر أوصال المجتمع العربي الأصيل ، وتجعله مفتتا يسهل فيه عملية إبتلاع هذه الفريسة السهلة المتمثلة بالمجتمع العربي أو ذاك للولوج كاحتلال أو استعمار جديد .
تاسعا : أهل البدع والشائعات والإشاعات المغرضة التي تهدف للانتقام من بني فلان بجعلهم يتشاجرون مع بني علان لتستعر الحرب الضروس بينهم دون سابق إنذار .
عاشرا : هناك فئة المدافعين عن أنفسهم الذين يريدون صد العدوان الوحشي الهمجي عليهم بشتى الوسائل والطرق الدبلوماسية والحربية .

أنواع الجرائم

جاء في صحيح البخاري - (ج 18 / ص 373) ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَبَائِرَ أَوْ سُئِلَ عَنْ الْكَبَائِرِ فَقَالَ : " الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ فَقَالَ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قَالَ قَوْلُ الزُّورِ أَوْ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ " .
على أي حال ، تتعدد أشكال وصور الجرائم والجنح الاجتماعية في المجتمع لتشمل الآتي :
أولا : الجرائم والجنح الاجتماعية : مثل القتل ، عبر قتل شخص أو أشخاص آخرين . وقد يكون القاتل والقتيل أو الجارح والجريح من أسرة أو عائلة أو حمولة واحدة أو قرية أو مدينة أو مخيم واحد وفي هذا الفعل القبيح هدم للبنيان الإسلامي المرصوص للمجتمع . جاء في صحيح البخاري - (ج 21 / ص 178) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ : مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ ، وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ " .
ثانيا : الجرائم والجنح الاقتصادية : كالتدمير الاقتصادي أو الحرق للمصانع أو المنشآت أو الممتلكات العامة أو الخاصة أو كليهما كالبيوت والسيارات وسواها .
ثالثا : الجرائم المتعددة المتشابكة التي تشمل الأشكال الاجتماعية والاقتصادية .
ويجب التذكر والعلم دائما أن قتل النفس بغير حق هي من الكبائر الموبقة التي توبق صاحبها وتدخله في نار جهنم خالدا فيها .

إصلاح ذات البين بين الناس

يقول الله الحميد المجيد جل شأنه : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) }( القرآن العظيم ، الحجرات ) .
وجاء في سنن أبي داود - (ج 13 / ص 78) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ " .
بعد حدوث الإشكالات المجتمعية العشائرية أو الحزبية الصغيرة أو المتوسطة أو الكبيرة ، يتدخل رجالات إصلاح ذات البين ، ويتصالح الطرفان في ( بوسات اللحى ) بين الرجال ولكن تبقى النار تحت الرماد لتندلع معارك أخرى أشد فتكا وعنفا ، ويأتي رجال الإصلاح لإصلاح ذات البين مرة أخرى لأنهم لم يبتوا في المعضلة الأولى على الشكل السوي ، و لا يمتلكون القول والفعل الفصل في هذا الأمر ، فيقومون بالدور الإصلاحي الذاتي ، وتمارس الضغوط على الجانبين للتنازل عن القضية ، وأحيانا يتم تعويض المنكوبين ، وتنشر صكوك الصلح في الصحف المحلية وتحضر الجاهات وشيوخ العشائر والقبائل الاجتماعية والسياسية لا فرق ، ويتم شرب القهوة وتناول طعام الصلح والإصلاح بين العشيرتين المتخاصمتين في بيت ثالث كديوان أو حديقة عامة أو مجلس أو قاعة عامة أو غيرها . وعلى الجانب الآخر ، تضيع حقوق المضروبين بالسكاكين أو الرصاص ببوس اللحى ، ولا يأخذ القضاء مجراه ، وتظن الوجاهات والواسطات أنها فعلت خيرا في ردم الهوة بين المتخاصمين ، ولكن بدراسة الأمر بصورة عقلية والتمعن فيها من جميع الجوانب ، نرى أن الإصلاح أمر لا مفر منه ، ولكن لماذا تضيع حقوق المظلومين في متاهات العشائرية والقبلية المقيتة ؟ فيجب أن يأخذ كل ذي حق حقه ، فمثلا ، يجب أن يأخذ المذنب حسابه وعقابه من القضاء المدني ولا يترك على غاربه ، ليمارس سياسة النزاع مجددا ، فالصلح لا يثني هذا الفرد الشرير أو ذاك أو تلك العائلة الشريرة عن إرتكاب الجنح والجرائم والموبقات المهلكات ولهذا ينبغي أن يأخذ كل ذي حق حقه ، دون إهمال أو تجاهل أو مماطلة أو تسويف ، وينص القانون المدني المعمول به في بلدان الوطن العربي على تنفيذ العقوبات الرادعة نوعا ما سواء بالسجن الفعلي أو الغرامات المالية أو كلتا العقوبتين معا ، ولكن القانون شيء وتنفيذه على أرض الواقع شيء آخر .
وقد مجد الإسلام العظيم سياسة الإصلاح بين الناس ، لغربلة المجتمع المسلم من الحقد والاقتتال والأدران والخصام ، وبث روح التعاون والإخاء والمودة والتكافل الاجتماعي ليكون المجتمع كالبنيان المرصوص المتعاضد الذي يشد بعضه بعضا . يقول الله الرحمن الرحيم : { لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)}( القرآن العظيم ، النساء ) .
وحسب الدين الإسلامي القويم ، فإن المصلحين يلجأوا إلى إبراز مظاهر الألفة والمحبة بين المتخاصمين ، لا نقل المماحكات والتهديدات من طرف لآخر . جاء في مسند أحمد - (ج 56 / ص 126) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا يَصْلُحُ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ : كَذِبُ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ لِتَرْضَى عَنْهُ أَوْ كَذِبٌ فِي الْحَرْبِ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ أَوْ كَذِبٌ فِي إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ " .

ومن جملة الإهمال القضائي والتجاهل الشرطي ، الصلح والتصالح بين الجانبين المتشاكسين ، قبل أن يعاقب المذنبون وينال أصحاب المظالم حقوقهم ، وكما يقول المثل الشعبي العربي ( الضربة لمن يسبق ) ويتناسون أن لكل مجرم حساب طال أو قصر الأمد ، فالصلح خير بل هو خير الخير ولكن يجب أن ينال الظالمون جزءا من العقاب الدنيوي قبل الأخروي ليكونوا عبرة لمن يعتبر ، وذلك لردعهم وردع غيرهم عن افتعال النزاعات بين أبناء الوطن الواحد .

التأخير بالحكم القضائي .. يؤجج النزاعات

غني عن القول ، إن التأخير والمماطلة في إصدار الأحكام القضائية تشجع المجرمين وأصحاب الجنح والقتل أو غيرهم على معاودة إرتكاب الجرائم والجنح مجددا بشتى الأنواع والطرق دونما حسيب أو رقيب ، لأنهم أفلتوا من العقاب في المرة الأولى ، وكذلك تحض المظلومين على التنازل عن حقوقهم لتحاشي الوقوف في قاعات المحاكم المدنية ساعات طويلة لمرات متعددة .

وصايا للحد من المشاجرات المجتمعية

يقول الله السميع العليم تبارك وتعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)}( القرآن المبين ، آل عمران ) .
وبناء عليه ، ولتجنيب المجتمع العربي الإسلامي ويلات الدمار والعنف الاجتماعي فإننا نوصي بالآتي :
أولا : معاقبة المشاركين في النزاعات الاجتماعية بالحبس أو الغرامة المالية أو الضرب بالجلد حسب الحاجة وطبيعة المشكلة . ويكون ذلك بالأمر القضائي عبر المحاكم المدنية في الوطن العربي . وبالتالي فإن تطبيق مبدأ العقاب هو أمر ضروري بل ضروري جدا ، للحد من النزاعات والمشكلات العائلية والعشائرية والقبلية بين أبناء المجتمع الواحد ، وحماس بنيان وأسس المجتمع المسلم من الإنهيار .
ثانيا : عدم السماح بالتنازل عن الحق العام ، فالحق الشخصي لكل فرد فيه الحرية في التنازل عن حقوقه المالية والبدنية والمعنوية . فمثلا إذا حدث نزاع وأطلق فيه أحد المجرمين الجدد أو القدامى النار أو استخدم سكينا لجرح آخرين وتنازل هذا الشخص عن حقوقه فهو حر في ذلك ، ولكن يجب أن لا يغيب عن البال الحق العام وهو تهديد الأمن الاجتماعي والاستقرار والطمأنينة وهذا الأمر غير قابل للتنازل . فتطبيق سياسة الحق العام يحد من المشكلات كثيرا بصورة ملفتة للنظر . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، فإن رجال الإصلاح مطالبون بتطبيق مبادئ إسلامية رادعة وشاملة وجامعة للحيلولة دون حدوث النزاعات مرة أخرى ، وعدم موالاة الأقوياء أو معاقبة الضعفاء ، بل يجب الحكم بالعدل وفق الإسلام العظيم لا وفق الأعراف والتقاليد البدوية الجاهلية التي تسود هنا أو هناك ، وإذا لاحظوا أن المشكلة قد تتجدد فليتنحوا جانبا ، ليأخذ القضاء المدني مساره الطبيعي .
وفي المضمار القضائي ، ينبغي حث الخطى على تطبيق المواد القانونية الرادعة لجعل المجتمع العربي خاليا من الشوائب والأدران الاجتماعية القبيحة التي تتفجر في أية لحظة ، محدثة البركان الاجتماعي الرهيب ، مخلفا الأكوام من الجثث والمصابين من جميع الفئات الاجتماعية من الأطفال والنساء والكبار في السن والشباب ، دون ذنب إقترفوه سوى أنه من عائلة معينة أو حزب سياسي معين . والحق أحق أن يتبع ، والقضاة مطالبون بتنفيذ الأحكام القانونية الفعالة دون إبطاء أو تأخير وعدم إنتظار توقيع صك الصلح بين المتخاصمين ، لأن التأخير في الحكم القضائي يفجر المشكلات الاجتماعية ويجعلها تنتشر بين ظهراني الناس في جميع الأوقات دون الخوف من العقاب . فالعقاب ضروري للوقاية والعلاج في الآن ذاته .
ثالثا : تعويض المتضررين من التدمير الاقتصادي والمالي العام والخاص ، لردع المعتدين عن الأفعال والأقوال القبيحة ، ويكون التعويض من المعتدين ومن مالية الدولة أيضا .
رابعا : السماح للسجناء الذين إرتكبوا جرائم كبيرة بتكوين عائلات نووية بالزواج أو التعليم الجامعي وهم داخل السجون التأهيلية لينالوا حظهم ولو جزئيا في حياتهم ، وردعهم عن التفكير في جرائم أخرى وهم في قلب السجون . وكذلك تقليل انتقام ذوي السجناء من العائلات المتضررة الذين فقدوا أحد أقاربهم بسبب غزوات الفجور ضد أبناء الأمة الإسلامية الواحدة .
خامسا : الابتعاد عن الجرائم : أيها الناس فكروا ألف مرة قبل أن تخوضوا الشجار الاجتماعي مع الآخرين وحكموا العقول لا العواطف . ولا تشاركوا في نزاعات عشائرية وقبلية بأي حال من الأحوال ولتكونوا من أولي الأبصار والألباب ، فلا وألف لا كبيرة ، لمن ينجر لكلمات هائمة وطائشة من سفهاء حمقى ، من هنا وهناك . وحياة المؤمن تكون خالية من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق . ولكن في حالة فرضت عليكم المشاجرات فدافعوا عن أنفسكم وهذا حق مكفول في القرآن المجيد والقانون الوضعي أيضا ، ولا تفجروا عند مخاصمتكم للآخرين دون سابق إنذار وحاولوا إجتناب الإحتراب الداخلي والحرب العشائرية التي لا تبقي ولا تذر .
سادسا : تجنب الخوض بأعراض الناس ، والابتعاد عن قذف المحصنات . جاء في سنن أبي داود - (ج 8 / ص 68) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ " .
سابعا : الابتعاد عن أكل حقوق الآخرين العامة والخاصة : جاء في صحيح مسلم - (ج 12 / ص 426) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ " .
ثامنا : تجنب لعنة الملائكة : جاء في صحيح مسلم - (ج 13 / ص 42) قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ " .
تاسعا : تجنب لعن الوالدين : جاء في صحيح مسلم - (ج 1 / ص 245) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ : نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ " .
عاشرا : تجنب الإفلاس من الحسنات والصالحات يوم القيامة . ورد في صحيح مسلم - (ج 12 / ص 459) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ " .

سجون أم مراكز إصلاح وتأهيل

يقول الله ذو الجلال والإكرام سبحانه وتعالى : { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)}( القرآن الكريم ، هود ) .
على العموم ، فإن السجون في البلدان العربية والإسلامية التي تضم بين ثناياها المجرمين وأصحاب الجنح الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية ، المختلفة يفترض أن تكون مراكز للتأهيل الأخلاقي والمهني والاجتماعي ، عبر جعل السجون مصحات إنفتاح عربي إسلامي للقيم والمثل العليا والأخلاق الحميدة ، بتوفير الإخصائيين النفسيين والاجتماعيين والمرشدين الإسلاميين في تلك المراكز الإصلاحية . وكذلك توفير مهن للعمل داخل السجون التأهيلية والتصحيحية لتوفير جزء من المال يستعمله السجناء بعد خروجهم والإفراج عنهم لينخرطوا مجددا في الحياة الطبيعية العامة . ولا ننسى إتاحة المجال أمام المحبوسين لإكمال مسيرتهم التعليمية العامة والعليا وفق نظام تعليمي خاص بهذه الفئة من فئات المجتمع ، وذلك ليخرج السجناء من محكومياتهم مؤهلين للتعاون المجتمعي والابتعاد عن الجرائم في حياتهم بعد خروجهم من السجون .

كلمة أخيرة

نثمن جهود رجال ونساء الإصلاح على السواء سواء بسواء ، لراب الصدع بين ثنايا المجتمع العربي الإسلامي ، ونبارك عملية الإصلاح بين المتخاصمين ، ولكن يجب أن لا يكون ذلك على حساب الطرف الضعيف بأي حال من الأحوال . والقضاء مطالب بأخذ دوره الفعال وعدم التأخير في إصدار الأحكام ، مع توخي العدل والعدالة الاجتماعية والاقتصادية الشاملة والدقة المطلوبة والابتعاد عن المحسوبية والواسطة لإخراج الظالمين وجعلهم لا ينالون العقاب المناسب لإعتداءاتهم الهمجية . وليكن الجميع من أهل الوئام والابتعاد عن أهل الخصام . يا عباد الله فابتعدوا عن الشر والأشرار واستعينوا بالله الواحد القهار ، لقهر الشيطان وجنده وكونوا من جند الرحمن لتحاربوا جند الشيطان إبليس الرجيم في جميع الأحيان . وابتعدوا عن الغضب والعصبية القبلية . والقرآن المجيد هو الحكم الفصل والفاصل في النزاعات بين الناس لأنه الدستور الكريم ، لا المشيخات القبلية والعشائرية التي لا تحكم بما أنزل الله في الدستور الرباني القويم .
يقول الله الحي القيوم عز وجل : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)}( القرآن الحكيم ، البقرة ) .
والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ليست هناك تعليقات: