الجمعة، 20 أغسطس 2010

التقاعد الوظيفي المبكر والمتأخر .. وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ

التقاعد الوظيفي المبكر والمتأخر ..
وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس - فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44)}( القرآن المجيد – النجم ) . وجاء في صحيح البخاري - (ج 7 / ص 235) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ " .

استهلال

يلتحق عشرات إن لم يكن مئات آلاف الموظفين بالوظيفة العمومية بالقطاع الحكومي في كل دولة من دول العالم حسب عدد سكان كل دولة أو أمة من الأمم في قارات العالم . وهذا القطاع الحكومي العام ، يشرف على تسيير شؤون السلطات الثلاث في الدولة ، أي دولة ، من قطاعات السلطة التنفيذية كالرئاسة والوزارات المتعددة والسلطة القضائية من المحاكم والقضاة والسلطة التشريعية من البرلمانيين وموظفي المجالس النيابية أو التشريعية المنتخبة أو المعينة .
ويحكم عمل ووظيفة هؤلاء الموظفين في القطاع الحكومي العام قانون يطلق عليه عادة قانون الخدمة المدنية الذي يعالج شؤون العاملين بالوظيفة العمومية بجميع فئاتها : الأولى والثانية والثالثة وغيرها ، وهو يختلف عن قانون العمل الذي ينظم شؤون العمال وأصحاب بالقطاع الخاص ، ويختلف عن قانون النقابات العام في هذه الدولة أو تلك .

إنهاء العمل الطوعي والقسري

ومهما يكن من أمر ، فإنه يترتب على العمل الوظيفي بالقطاع الحكومي العام في أي دولة من الدول ، سواء أطالت الفترة الزمنية للعمل أو قصرت ، يوكون إنهاء العمل بإحدى :
أولا : الطرق الودية .
ثانيا : الطرق الظالمة التعسفية .
ثالثا : التقاعد الوظيفي ، المدني أو العسكري ، عند سن عمرية محددة ، وخاصة بعد بلوغ الموظف ، بغض النظر عن طبيعة عمله ودرجته الوظيفية ، منخفضة أو متوسطة أو عالية ، سواء بالإدارة الدنيا أو الوسطى أو العليا . ويعتبر سن أل 60 عاما هو سن التقاعد الطبيعي للسواد الأعظم من العاملين بالقطاع الحكومي العام في العالم ، بإستثناء نظام التقاعد المبكر بالعالم ايضا ، وفق مواد قانونية ولوائح تنفيذية تنظيمية لتنظيم شؤون التقاعد المبكر لبعض الموظفين ، حيث يقل سن المتقاعد المبكر عن الستين عاما .

التقاعد الوظيفي .. حق طبيعي للموظف

على أي حال ، إن نظام التقاعد المدني أو العسكري العادي ، هو حق طبيعي من حقوق الموظف ، بعد بلوغه سنا متقدما من العمر ( 60 عاما ) ، وخدمته لشعبه وأمته ، ردحا من الزمن لفترة لا تقل عن 15 عاما ، وربما تزيد عن الثلاثين عاما متواصلة من البذل والعطاء . فكما خدم الموظف بلده ووطنه وأمته ، فيجب أن يتم مكافأته ورعايته الرعاية الاجتماعية والصحية والاقتصادية الحقة دونما إنتقاص لكرامته الشخصية والوطنية والقومية والإنسانية والدينية العامة عندما يكبر ويبلغ سن الشيخوخة .
ويلتحق الكثير من الناس بالوظيفة العمومية لضمان الحصول على راتب منتظم ، والابتعاد عن سياسة الاستعباد والأوامر والنواهي المجحفة التي قد يلاقيها بالقطاع الأهلي والخاص ، والاستفادة من الخدمات العامة ، التعليمية والصحية وتخفيض الضرائب ، وضمان الحصول على الراتب التقاعدي بعد سن معينة من الزمن .

قلة الراتب الشهري .. لأجل التقاعد

يتحمل الكثير من الموظفين بالقطاع الحكومي العام ، مسألة قلة الراتب الحكومي الشهري عن الراتب الشهري بالقطاع الخاص ، وكذلك تتقلص الإمتيازات المالية والخدمية الخاصة ، للموظف بالقطاع العام ، وذلك بغية الحصول المأمول على الراتب التقاعدي من الدولة أو الحكومة الوطنية التي عمل لديها حقبة طويلة من الزمن .
وحسب الأنظمة واللوائح التنفيذية المفسرة لقانون التقاعد ، أي قانون تقاعد في العالم ، فإن الموظف الذي بلغ من العمر الستين عاما ، كمعدل طبيعي ، يحق له تقاضي راتبا ماليا تقاعدا بقية حياته ، ويحق لورثته الصغار حتى الإنتهاء من السن الجامعي ( 26 عاما ) وكذلك يحق لأرملة الموظف المتوفي ( وابنته المطلقة ) الحصول على هذا الراتب التقاعدي بعد وفاته ، طالما بقيت على قيد الحياة .
على العموم ، إن مسألة تقاضي الموظفين المواطنين الراتب التقاعدي من الوظيفة العمومية ، هي مكفولة ومضمونة في القوانين المدنية الوضعية التي سنتها البرلمانات أو المجالس النيابية أو التشريعية في العالم وخاصة بالدول الحضارية المتقدمة اقتصاديا ، وفق معايير وضوابط زمنية ومالية محددة . ويتقاضى الموظف المتقاعد في الحالات الطبيعية نسبة مالية تقاعدية تتراوح ما بين 70 % - 75 % من قيمة الراتب الذي كان يتقاضاه في الشهور الأخيرة من عمله الوظيفي منذ بلوغه الستين عاما حتى مماته .

محاسن التقاعد المبكر قبل أل 60 عاما

تتيح المواد القانونية واللوائح التنفيذية لقانون التقاعد المدني أو العسكري ، في الدولة ، أي دولة عصرية تهتم بحقوق الإنسان لديها ، مسألة التقاعد المبكر التي تعود بالفوائد العميمية على الأفراد والأسر والمجتمع المحلي ، بصورة عامة وإجمالية ، ومن أهم هذه الفوائد والمزايا الاجتماعية والاقتصادية والإدارية للتقاعد المبكر ، ما يلي :
أولا : إفساح المجال لإلتحاق موظفين جدد بالقطاع الحكومي العام ، وبالتالي تقليص نسبة البطالة في صفوف الشباب ذكورا وإناثا ، في المجتمع ، والسماح بإنشاء أسر جديدة .
ثانيا : إطلاق الطاقات الإبداعية ، في القطاع الحكومي ، وتبوأ قيادات شابة لمناصب قيادية وتحمل المسؤولية العامة في البلاد .
ثالثا : تجديد الدم في عروق وشرايين الوظائف الحكومية العامة عبر السماح بالإلتحاق المتجدد لموظفين جدد للإستفادة من مؤهلاتهم وتخصصاتهم العامة والخاصة المطلوبة .
رابعا : تمكين الموظفين العامين الذين خدموا الشعب والأمة من نيل قسط وافر من الراحة النفسية والاجتماعية والاقتصادية ، وتمكينهم من القيام بأدوار قديمة متجددة في الاقتصاد الوطني ، عبر إفتتاح مشاريع استثمارية وخدمية فردية وجماعية ، وبالتالي المساهمة في التقدم والإزدهار الحضاري للبلاد .
خامسا : تمكين المرضى وأصحاب العلل المزمنة ، من الاستراحة بكرامة خاصة وعامة ، مع الاحتفظ بحقوقهم المادية والمعنوية على السواء ، وتوفير راتب تقاعدي يقيهم شر الفقر والعوز ، ويوفر لهم الحد الأدنى من متطلبات الحياة الطبيعية العامة .
سادسا : تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية والاقتصادية بين أفراد المجتمع المحلي .


مساوئ رفع سن التقاعد العام إلى 65 عاما .. أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ


يقول الله الغني الوهاب جل جلاله : { كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192)}( القرآن المجيد – الشعراء ) .
هناك بعض الاقتصاديين ، من يضع الدراسات الاقتصادية أو الجدوى الاقتصادية ، بدعاوى إرتفاع معدلات الأعمار ، وتغير طبيعة التركيب السكاني ، وتطبيق خطة إصلاح نظام التقاعد ، سواء عن حسن نية أو سوء نية ، والنظر لها بمنظار اقتصادي بحث لا ثاني له ، والحرص على المصلحة العامة ، التي تجعل الحكومة أو أجهزة الدولة الأخرى ، تتردد في تنفيذ وتطبيق المواد القانونية لقانون التقاعد في البلاد ، الساري المفعول ، ويحاولون زيادة السن التقاعدي ورفعه ليصل إلى 65 عاما ، كما هو معمول به بالجامعات أو المؤسسات شبه العامة ( عدد العاملين بها نسبة قليلة إذا ما قورنت بنسبة العاملين بالقطاع الحكومي العام ) ، أي رفع 5 سنوات التقاعد لأعلى ، وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، ولكنها ضد مصلحة الموظف في غالب الأحيان ، مما يشكل عبئا ثقيلا على الموظفين بالوظيفة العمومية ( القطاع الحكومي العام ) ويقلل من الانتاجية الخدمية العامة ، لدى هذا القطاع الحكومي العام ، ويقلق نفسياتهم بإتجاه الأسوأ ويزرع فيهم الأمراض والعلل والجلطات والسكتات القلبية المفاجئة . ومن خلال متابعة سيرة حياة هؤلاء الناس ، أصحاب الجدوى الاقتصادية ، نراهم يتقاضون راتبا حكوميا عاليا ، بالإضافة إلى كونهم من القطط السمان التي تتشعب في منافعها ومصالحها الاقتصادية : الانتاجية والاستهلاكية العامة والخاصة ، في المجتمع المحلي أو الإقليمي أو الدولي الذي تعيش فيه .
ومن نافلة القول ، إن رفع السن التقاعدي للموظفين من الستين عاما إلى الخمسة وستين عاما ، يسبب اليأس والإحباط والقنوط ، لدى الفئة العمرية التي تجاوزت الستين عاما ، ويؤدي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر لما يلي :
أولا : النفور النفسي من الوظيفة العمومية ولعن الحكومة والدولة بانتظام ، لسن ما بعد الستين عاما .
ثانيا : المماطلة والتسويف في تأدية الواجبات الملقاة على عاتق هذه الفئة العمرية ، بل ومن الممكن لجوء البعض للتدمير والهدم داخل الوزارات والمؤسسات الحكومية العامة كانتقام من المسؤولين .
ثالثا : عدم الإخلاص في العمل ، وتأدية الأعمال والأفعال المطلوبة منهم بجاهزية شبه معدومة .
رابعا : ضعف أجهزة الدولة : يتمثل باستقالة أو إنصراف نسبة كبيرة من أصحاب الكفاءات العلمية وأهل الدراية والخبرة من القطاع العام ، في سن مبكرة ، وإقتصار الموظفين على الفئات العادية .
خامسا : الحقد والامتعاض والكراهية ضد الحكومة أو أجهزة الدولة المشرفة على تسيير الشؤون العامة أو ممن لم تجد لها مخرجا وظيفيا خاصا .
سادسا : صراع الأجيال : عبر تداخل الأجيال الثلاثة في العمل الحكومي : الأجداد والآباء والأحفاد ، من ناحية إفتراضية وحالات معاشة ، مع ما يسببه ذلك من سوء الإدارة الحكومية ، وعدم التفاهم بين الأجيال الثلاثة ، القدامى والحاضرين وجيل المستقبل الواعد ، فتتضارب الرؤى والسياسات العامة في البلاد ، فتدخل البلاد في أتون حرب اجتماعية مهنية خفية .
سابعا : الدخول في مظالم جديدة للموظفين الكبار في السن . فلنتخيل إلتحاق موظف شاب بالعمل في سن 24 عاما بعد إنهائه درجة الشهادة الجامعية الأولى ( البكالوريوس ) ونيله التقاعد عند سن أل 65 عاما ، هل يعقل أن يحصل هذا الموظف على تقاعد بعد جهد ومثابرة تستمر 41 عاما ؟ مالكم كيف تحكمون ؟؟؟ فالأجدى لمثل هذه الفئة التي عملت في شبابها أن تنال الراتب التقاعدي عند الستين كتقاعد طبيعي أو تقاعد مبكر قبل العقد السادس من العمر ، لراحتها معنويا وماديا .
ثامنا : تأخير التكاثر الطبيعي جراء التأخر في تشغيل قطاعات واسعة من الأجيال الشابة ، وإنتشار الكبائر والموبقات ، وخاصة عقوق الوالدين ، وجرائم الزنا والربا والقتل وما شابه ذلك .
تاسعا : الظلم العام للذكور والإناث ، والظلم الخاص لقطاع المرأة بالوظيفة العمومية . فالمرأة أو الرجل الكبيرين في السن ، كيف لهما أن يتوجها للعمل ، هل سيسيتأجرا موظفا أو أحد أبنائهم لتوصيلهم لمقر العمل الحكومي . وكيف للطبيب أو الطبيبة أو لممرض أو ممرضة كبير في السن أن يسهر بالمستشفى للحرص على راحة المريض . وكيف لمعلم المدرسة أو مديرها أن يحافظ على المسيرة التعليمية بالقطاع الحكومي ، عندما يبلغ من العمر ما بعد الستين عاما .
عاشرا : إنهيار القطاع الحكومي العام : فعندما يعلم الموظف أنه سيمكث معظم سني حياته في العمل الحكومي فإنه سيتركه في أول فرصة سانحة له .

فوائد ومزايا رفع سن التقاعد إلى 65 عاما

إن سياسة المناداة النظرية أو التطبيق الفعلي لنظام التقاعد المتأخر ، لسن أل 65 عاما ، يمكن أن يعود بالفوائد والمزايا الشكلية على الحكومة والدولة بصورة عامة ، من أهمها :
أولا : تقليل الضغوط الحزبية والعامة على الحكومة في مسائل التوظيف والتشغيل ، وهروب قطاعات واسعة من الموظفين من ذوي الخبرة والمؤهلات والكفاءة من القطاع الحكومي .
ثانيا : تقليل النفقات الحكومية على المتقاعدين ، عبر رفع سن التقاعد إلى 65 عاما ، وبالتالي استثمار أو قل استغلال الموظف لخمس سنوات إضافية زيادة عن الحد الطبيعي المعمول به عالميا ، بأجرة زهيدة تتراوح ما بين 25 % - 30 % ، على إعتبار أن الموظف المتقاعد يتقاضى راتبا تقاعديا يتراوح ما بين 70 % - 75 % من قيمه راتبه الإجمالي شهريا .
ثالثا : الحصول على مزايا وسمات القطاع الحكومي الهرم الهش الذي تكون إنتاجيته ضعيفة ، وتكثر به فئات المستضعفين في الأرض والمرضى والأرامل وسواها .
رابعا : تشجيع الخصخصة في البلاد : فرفع سن التقاعد الوظيفي لسن متأخرة يساعد في النهوض الاقتصادي للقطاع الخاص على حساب القطاع العام ، فيؤدي ذلك إلى تراجع الخدمات الحكومية ، وربما يقود ذلك للثورة وعدم الانصياع لقوانين وتعاليم ومراسم الحكومة والدولة الرسمية .
خامسا : الابتعاد والعزوف عن الخدمة العسكرية في أجهزة الأمن المختلفة كالجيش والشرطة والمخابرات والاستخبارات والدفاع المدني وخلافها . ويسبب ذلك ترهل الأمن وهشاشته وإنتشار الفساد والإفساد في البلاد . وهذه سياسة أجنبية خبيثة لإمبراطوريات الشر الاستعمارية ، لإبعاد المواطنين في الدول النامية عن الخدمة بالقطاع الأمني والعسكري العام .
سادسا : توفير مكان عمل وظيفي ثابت لبعض كبار السن ما بعد الستين عاما ، ممن يتمتعون بصحة جيدة وتوفير عناء البحث لهم عن راتب جديد ينضم للراتب التقاعدي لتوفير متطلبات الحياة المتزايدة . وهذه الفئة تكون نسبتها قليله.

رفع سن التقاعد .. القانون لا يسري بأثر رجعي .. واختياري ورفع نسبة مخصصات التقاعد

ويمكننا القول ، إنه في حالة رغبة الحكومة في البلاد ، برفع سن التقاعد من سن 60 عاما إلى سن 65 عاما ، فإن هذا القانون يجب :
أولا : أن يقر من البرلمان المنتخب .
ثانيا : مصادقة الرئاسة رسميا عليه .
ثالثا : لا يسري بأثر رجعي على الموظفين الحاليين بأي حال من الأحوال . فلا علاقة له بالموظفين القدامى مطلقا .
رابعا : البدء بتنفيذه على الموظفين الجدد ، حتى يقرروا مصيرهم منذ البداية ، ويعرفوا بالأمر قبل الدخول في السلك الحكومي العام ، مع ما يشكله من هضم لحقوقهم البدنية والعقلية ، وظلم مضاعف لهم ولأسرهم ومجتمعهم المحلي .
خامسا : يمكن أن يكون الإلتحاق بهذا النظام التقاعدي المعدل المقترح إختياريا وليس إجباريا من ناحية أولى .
سادسا : ينبغي أن تزيد نسبة مخصصات التقاعد الوظيفي لتصل نسبة أعلى من النسبة المئوية الحالية لتتراوح بالقانون المعدل الجديد المقترح ما بين 80 % - 85 % لتحقيق أدنى مبادئ الإنصاف والعدالة بين الجميع .
والنقابات والاتحادات الشعبية : العمالية والمهنية والعامة ستقف سدا منيعا أمام تنفيذ السياسة الجديدة المتمثلة برفع سن القتاعد الوظيفي لعمر 65 عاما .

الرزق والعمر بيد الله الواحد القهار

تطرقت بعض الايات القرآنية الكريمة لمسألة رزق الإنسان في حياته الدنيا ، حيث حض الله ذو الجلال والإكرام الرزاق ذو القوة المتين ، جل شأنه على السعي في طلب الرزق من خبايا الأرض ، فقال في محكم التنزيل :
- { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)}( القرآن المجيد – الملك ) .
- { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)}( القرآن الحكيم – الذاريات ) . ولكن ينبغي على الإنسان السعي لنيل رزقه المكتوب له سواء بالقطاع الحكومي العام أو الخاص أو كليهما ، فالإنسان لا يعرف رزقه من أين يأتيه !!! فلا يعرف مكانه وزمانه وكيفية تحصيله أو الاسترزاق به ليلا أو نهارا ، من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب .

كلمة أخيرة .. وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ

يقول الله السميع البصير تبارك وتعالى : { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) }( القرآن المجيد – هود ) .

لا بد من منح الموظفين العموميين الحقوق الطبيعية ، المقرة في قوانين وأنظمة العالم ، دونما انتقاص أو إبطاء أو مماطلة ، وعدم التجبر والاستفراد بهم في أي دولة من الدول أو منظقة معينة من بقاع العالم . فالحق أحق أن يتبع ، وكلما كان العاملون بالوظيفة العمومية من ذوي الفئة العمرية الصغيرة غير الهرمة كلما زادت الانتاجية العامة ، وبرزت الإبداعات ، وغابت المماطلات ، وكلما كان السن التقاعدي مبكرا كلما زادت عملية الاستفادة من الأجيال الشابة من الطاقة العاملة للمصلحة الفردية والأسرية والمجتمعية العامة .
وختامه مسك ، فإننا لا ننصح برفع سن التقاعد الوظيفي الحالي بتاتا ، سواء المدني أو العسكري ، تحت أي مسمى من المسميات ، بل نوصي بتبكير سن التقاعد عن الستين عاما ، ليصبح عند سن أل 55 عاما ، تجنبا لإستغلال فئة كبرى من الفئات الاجتماعية في المجتمع الواحد ، والحيلولة دون وقوع الظلم والغبن القانوني والنفسي والاجتماعي والاقتصادي عليها . وكلما كان التقاعد مبكرا فإن حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادية تكون مستتبة والعكس بالعكس . ونظام التقاعد هو نظام عالمي ، ولا يجوز الانتقاص منه أو استلاب الموظفين جزءا أصيلا من حقوقهم القانونية الطبيعية .
وجاء في صحيح البخاري - (ج 1 / ص 52) عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ " . فلا داعي لإستغلال الموظفين الكبار بالسن لفترات زمنية أطول ، وأرعوهم حق الرعاية الاجتماعية والصحية والاقتصادية ولا تكلفوهم ما لا يطيقون . وفقنا وإياكم الله العدل العزيز الحكيم الرزاق ذو القوة المتين ، وسدد على طريق الخير والصواب والحكمة خطاكم .

نترككم في أمان الله ورعايته . والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

السبت، 14 أغسطس 2010

وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ .. التنبيه للسحور بشهر رمضان

وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ..
التنبيه للسحور بشهر رمضان

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس - فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)}( القرآن المجيد – البقرة ) .
كما ورد بصحيح البخاري - (ج 1 / ص 67) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " . وجاء أيضا في صحيح البخاري - (ج 7 / ص 3) قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً " .

استهلال

يعتبر السحور ، وهي وجبة الصائم المسلم الأولى ، في ساعات ما قبل أذان الفجر ، وجبة طعام مباركة أمرنا بها وحضنا عليها الله العزيز العليم بالقرآن المجيد ، وأكد عليها المصطفى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، واعتبرها الغذاء المبارك ، حاضا الصائمين المسلمين على عدم التفريط فيها ، للتزود بالطعام والشراب تمهيدا لصيام يمتد لساعات طويلة تبدأ من تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر حتى دخول الخيط الأسود الليلي من المغرب مساء .
والسواد الأعظم من المسلمين يفيقون في ساعات الفجر الأولى لتناول طعام السحور ، في ساعات ليلية متباعدة ، مما كانوا قد أعدوه في اليوم الفائت من خضروات مطبوخة أو مقلية أو حواضر كالبيض أو الحلاوة أو البطاطا المشوية أو المسلوقة والمربى وبعض الفواكه كالموز والخيار والعنب والآجاص والتمر ، وبعض الصائمين لا يتسحر إلى على ماء أو أكواب من الشاب مع نوع من الخبز الحلو المصنوع من تشكيلة واسعة من القمح والسكر والبيض وما شابه ، أو تناول العصائر أو التمر أو غيره . ولكن عملية الاستيقاظ للسحور لم تكن بالمسألة العادية للكثير من الصائمين المسلمين في مختلف أرجاء الكرة الأرضية .



حض الإسلام على تناول طعام السحور



لقد حض الإسلام العظيم ، عبر رسول الله المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم على تناول طعام السحور ، كما جاء في مسند أحمد - (ج 35 / ص 8) عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى السَّحُورِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ : " هَلُمَّ إِلَى هَذَا الْغِذَاءِ الْمُبَارَكِ " . وجاء في رواية أخرى ، بسنن النسائي - (ج 7 / ص 333) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " عَلَيْكُمْ بِغَدَاءِ السُّحُورِ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ " . وورد في مسند أحمد - (ج 22 / ص 209) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ فَلَا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ " .

كما أن طعام السحور ، يميز الأمة المسلمة ، خير أمة أخرجت للناس عبر التاريخ البشري ، عن غيرها من الأمم كأهل الكتاب من اليهود والنصارى وغيرهم ، ويطلق أحيانا على الأمة الإسلامية ( أمة السحور ) . فقد ورد في صحيح مسلم - (ج 5 / ص 388) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ " .


أبرز طرق التسحير الإسلامي



تاريخيا ، لجأ بعض الصائمين المسلمين المتطوعين ، أو عينت بعض الدول والحكومات عبر التاريخ الإنساني جماعات سحور خاصة ، وذلك إتباعا لسياسة إيقاظ الصائمين الآخرين لتناول طعام السحور الفجري ، لفترة تتراوح ما بين ساعة وساعة ونصف الساعة . واتبعوا عدة طرق من أهمها :
أولا : المناداة الصوتية الجهرية للاستيقاظ ( أفيقوا للسحور يرحكم الله ) و ( تسحروا فإن في السحور بركة ) ، أو قراءة بعض آيات القرآن الحكيم كآيات الصيام وسواها ، عبر المشى في الشوارع والأزقة والحارات .
ثانيا : ترديد الأذكار الإسلامية الليلية : كالتسبيح والتحميد ، والتهليل والتكبير والحوقلة ( سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) عبر الإنطلاق والترديد بأصوات فردية أو جماعية للأذكار الإيمانية من الباقيات الصالحات ، من مكان واحد والتوجه لأماكن متعددة .
ثالثا : قرع أبواب البيوت ، بالطرق على الأبواب والشبابيك لتفييق الناس من النوم .
رابعا : قرع الطبول والدفوف وممارسة الأذكار الإسلامية ( أصح يا نايم وحد الدايم ) .
خامسا : ميكروفونات المساجد : وبعد تطور عملية بناء المساجد ووجود المآذن المرتفعة ، ونصب ميكروفونات عليها ، جرى استعمال هذه الآلات لتنبيه المسلمين وإيقاظهم لتناول غذاء السحور المبارك . ( أفيقوا للسحور يا أمة الإسلام ، ويا أمة القرآن ) ، والدعوة بأدعية قرآنية أو نبوية شريفة متعددة ، لمدة 10 – 20 دقيقة .
سادسا : الساعات المنبهة البيتية : وتشمل على ساعات التوقيت البيتية الصغيرة . عبر وضع توقيت معين للساعة الصغيرة أو ساعة الحائط ، فعند وصولها لساعة صباحية معينة تسبق أذان الفجر بساعة أو ساعة ونصف أو أقل ، تبدأ بإصدار موسيقى معينة ، وهناك برامج أذان توضع على هذه الساعات لتنبيه الناس للسحور .
سابعا : أجهزة الجوالات المنبهة : توصلت شركات الاتصالات وتصنيع الأجهزة المحمولة لأجهزة يركب عليها برامج أناشيد دينية أو تلاوة آيات قرآنية أو رفع الأذان أو ما شابه لإيقاظ النائمين من الصائمين المفترضين .
ثامنا : التنبيه الذاتي عبر الساعات اليدوية الصغيرة التي توضع في معصم الشخص . فهناك ساعات يدوية إلكترونية عصرية ترن رنينا هادئا متدرجا ما بين 30 أو 60 رنة عند ضبطها على ساعة محددة .
تاسعا : إيقاظ الجيران والأقارب سواء بالطرق على أبوابهم ، أو الاتصال بهم عبر الهواتف الثابتة أو الخلوية النقالة .
عاشرا : الإيقاظ العائلي : وهي من أنوع الإيقاظ الهادئة ، والمتعبة لرب الأسرة وللوالدين. وهي طريقة تقليدية للإيقاظ الفجري ، ولكن لا غنى عنها بأي حال من الأحوال .
حادي عشر : استعمال الطيور الأليفة : مثل ديوك الدجاج البلدي ، التي تصيح مرات عدة في ساعات الصباح الأولى ( كي كي كيس ) ، والوز ذو الصوت العالي ، والببغاوات .



تأخير السحور وتعجيل الإفطار



على أي حال ، إن جميع طريق التنبيه الليلي السابقة ، للإيقاظ الذاتي الفردي أو الأسري أو الشعبي ، كلها تهدف إلى إيقاظ المسلمين لتناول طعام السحور والتزود بالطعام الفجري للتمكن من الصمود لساعات صيام طويلة إلى حد ما ، تقربا للبارئ عز وجل ، والإلتزام بصيام شهر رمضان المبارك ، كركن هام من أركان الإسلام الخمسة . ولا بد من القول ، إن الجميع سواء بالأسرة المسلمة أو المجتمع المسلم ، ليسوا على مستوى واحد من الإستيقاظ أو الإيقاظ ، فهناك الكثير من الصائمين الذين يعتمدون على غيرهم ليصحوا لتناول طعام السحور الإسلامي كجزء هام لا يتجزأ من فريضة الصوم الرمضانية .
على أي حال ، إن من السنة النبوية المطهرة ، تأخير السحور وتعجيل الفطور . جاء في مسند أحمد - (ج 51 / ص 387) عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ قُلْنَا لِعَائِشَةَ : إِنَّ فِينَا رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ السُّحُورَ قَالَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ قَالَ فَقُلْتُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَتْ كَذَا كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

كلمة أخيرة

يا أيها المسلمون الصائمون ، لشهر رمضان المبارك كفريضة إسلامية ، أو الصائمين تطوعا ، لا تفرطوا أبدا في السحور ، فاستيقظوا لتناول طعام السحور كغذاء مبارك ، فهو مهم من الناحية الصحية لجسم الإنسان . فاستخدموا أي طريقة سهلة ومتاحة ترغبونها للإستيقاظ للسحور . وقد أمرنا الله الحميد المجيد ، بالصيام بشهر رمضان الكريم ، والأخذ بأسبابه بالأكل والشرب ، للمصلحة الفردية والإسلامية العليا ، صحيا ونفسيا وبدنيا ، ولطاعة الله رب العالمين . يقول الله العلي العظيم جل جلاله : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } ( القرآن المجيد – البقرة - الآية 187 ) .
وكذلك حثنا رسول الله المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم على تأخير الفطور ، وتعجيل الإفطار ، وذلك لتقليل ساعات الصوم ما بين السحور والفطور . كما جاء بمسند أحمد - (ج 43 / ص 316) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ " .

والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الجمعة، 13 أغسطس 2010

شَهْرُ رَمَضَانَ .. كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .. وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ

شَهْرُ رَمَضَانَ ..
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ..
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ .. فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ


د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس - فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)}( القرآن المجيد – البقرة ) .
وجاء في صحيح البخاري - (ج 1 / ص 11) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ " .

استهلال

الصيام الرمضاني هو أحد أركان الإسلام الخمسة ، وهي الشهادتان ( اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ) ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان ، وحج البيت من إستطاع إلى ذلك سبيلا . وتعتبر كلية الصيام من كليات جامعة الإسلام العظيمة ، التي تعود بالفوائد العميمة على بني الإنسان صحيا ونفسيا ، وهي كلية روحية وصحية ونفسية تضبط شؤون المسلمين من النواحي الفردية والجماعية والأممية ، على جميع الصعد الإيمانية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والإعلامية وسواها .
وبهذا فإن الإسلام العظيم دين متكامل للعبادات البدنية والمادية ، تقربا إلى الله رب العالمين ، العزيز الحكيم ، خالق الخلق أجمعين ، وممارسة الحياة الاجتماعية الجماعية للمؤمنين . ويترتب على هذه العبادات القيام بأقوال وأفعال معينة لتكون هذه العبادات صحيحة ، بعيدة عن الرياء والتكبر والمبالغة ، فالإسلام دين وسطي ، نزل لخير أمة أخرجت للناس ، يحترم إنسانية وكرامة الإنسان ، وينتقل بها من عبودية الخلق لعبادة الخالق جل شأنه .
والصوم هو الإمساك والابتعاد عن تناول المأكولات والمشروبات الحلال وتناول الدواء أو ممارسة الجماع للأزواج ، في ساعات متباعدة تتمثل بساعات ما بين أذان الفجر عند ساعات السحر حتى أذان المغرب مساء . وقد تمتد هذه الساعات لتصل ما بين 12 – 16 ساعة حسب البقاع الجغرافية ، وفصول السنة الأربعة وقارات العالم الست . ويتضمن الصيام كذلك الامتناع عن الكلام البذيء والشقاق مع الآخرين ، والابتعاد عن الغضب والعصبية التي تجتث العلاقات الطيبة بين الناس .

اسم رمضان بين الأسماء العربية

لم تكتف الأمة المسلمة ، بحب شهر رمضان المبارك ، وصيامه وقيامه ، وإضفاء صفة القداسة والخير العميم والبركة الربانية عليه ، بل برز إهتمام آخر برمضان ، فمن زيادة حب بعض المسلمين لشهر البركة والخيرات ، فإنهم يطلقون على أبنائهم اسم رمضان ، تيمنا بشهر رمضان الفضيل ، كما يسمون محرم ورجب وشعبان من الشهر القمرية العربية التي يتم التعامل بها على مدار الفصول الإسلامية الأربعة .

وجبات رمضان الأساسية

يقول الله العلي العظيم جل جلاله : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } ( القرآن المجيد – البقرة - الآية 187 ) . وجاء بمسند أحمد - (ج 43 / ص 316) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ " .
إسلاميا ، هناك وجبتان رئيسيتان للصائمين المسلمين ، في شهر رمضان المبارك ، هما :
أولا : السحور . طعام السحور هو طعام مبارك ، لا بد منه ، للتقوي على صيام ساعات تمتد من وقت أذان الفجر لساعات نهارية ممتدة متصلة غير منفصلة لما بعد غروب الشمس ، حتى أذان المغرب ، ويستطيع الإنسان المسلم أن يأكل من الطعام والشراب الحلال على السحور مما يشاء مما تقبله معدته ونفسيته ، خاصة أنه يكون مستيقظا من النوم . ويجوز أن يتسحر المسلم على ماء أو فاكهة أو خضار أو ما ترغب به نفسه .
ثانيا : الإفطار ( الفطور ) . ويمكن للفرد المسلم ، ذكرا أو أنثى ، أن يتناول ما تشتهي نفسه من الأطعمة والأشربة الحلال ما بين أذان المغرب حتى قبل أذان الفجر من اليوم التالي ، ونقول للذين يتذمرون من الصيام إن بإمكانكم تغيير مواعيد وجبات الطعام ، فلتكن ثلاث وجبات أو أكثر ما بين المغرب والفجر ، بدلا لما بين الفجر والعشاء ، فقد فرض الله الأحد الصمد الصيام على المسلمين ، لمصلحتهم الدينية الإسلامية والدنيوية ، لنيل ثواب الحياتين : الدنيا والآخرة ، والحفاظ على صحة قوية متماسكة بعيدة عن سموم الأطعمة المترسبة في بدن الإنسان طيلة 11 شهرا من شهور السنة القمرية . ويمكن للمسلم ، ذكرا أو أنثى ، أن يفطر على أي من طيبات الرزق التي رزقها الله بها ، كالفواكه والخضروات واللحوم الحلال والحلويات وغيرها مما لذ وطاب من الطعام الإسلامي . وينبغي التذكر أن الصائم عند الإفطار بحاجة لكمية معينة من السكر يتحصل عليها بدن الصائم من تناول الحلويات بكميات مناسبة وعدم الإفراط أو التفريط بها . وينصح إسلاميا ، بتناول الماء أو التمر أو اللبن منفردة أو مجتمعة بثلاثتها ، قبل تناول وجبة الإفطار الدسمة لتسهيل عملية الهضم وعدم تلبك الأمعاء حسبما ورد عن الحبيب المصطفى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم .

أولا : غذاء السحور .. أمة السحور المسلمة

جاء في صحيح البخاري - (ج 7 / ص 3) قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً " . وورد في صحيح مسلم - (ج 5 / ص 388) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ " .
تبدأ عملية صيام شهر رمضان المبارك ، سنويا عند أبناء الأمة المسلمة ، القادرين على الصيام ، دون أذى لأجسادهم أو نفسياتهم ، بتناول طعام السحور ، في الأول من رمضان حتى آخره ، وهو الطعام أو الغداء المبارك . وعادة لا يكثر المسلم من تناول الطعام في هذه الساعة المتأخرة من الليل ، ولا يعدد في أنواع وأشكال الأطعمة نظرا لأن جسده لا يكون مهيئا لاستقبال شتى الأطعمة والأشربة بعد استيقاظه من النوم الباكر .
وقد حث رسول الله المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم على تناول طعام السحور ، فقد جاء في مسند أحمد - (ج 35 / ص 8) عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى السَّحُورِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ : " هَلُمَّ إِلَى هَذَا الْغِذَاءِ الْمُبَارَكِ " . وجاء في رواية أخرى ، بسنن النسائي - (ج 7 / ص 333) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " عَلَيْكُمْ بِغَدَاءِ السُّحُورِ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ " . وورد في مسند أحمد - (ج 22 / ص 209) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ فَلَا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ " .

ثانيا : غذاء الإفطار ( إنتهاء الصيام اليومي )

جاء في سنن أبي داود - (ج 6 / ص 306) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ " .
تنتهي عملية صيام المسلم عند رفع أذان المغرب ، بالبدأ بكلمة الله أكبر ، حيث يبدأ المسلم أو المسلمة ، صغيرا أو كبيرا ، بتناول وجبة الإفطار الحلال طبعا . وحسب الوقائع الحياتية فإن وجبة الإفطار تكون متعددة الأطباق من الشوربات والخضار والفواكه واللحوم وما لذ وطاب من المأكولات الحلال التي أعدت خلال فترة الصيام أو ما بعد صلاة العصر سواء في البيوت أو المطاعم العامة أو الخاصة .

دعاء الصيام عند الإفطار

من أدعية الصيام الإسلامية الجامعة ، ما ورد على لسان المصطفى ، رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم الجامعة الشاملة في عدة أحاديث نجمعها في الآتي : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ ، ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى ، فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " .

أهمية صيام الصائمين المسلمين في رمضان

جاء في مسند أحمد - (ج 16 / ص 117) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ لَمْ تُعْطَهَا أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ : خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمْ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُفْطِرُوا ، وَيُزَيِّنُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ ثُمَّ يَقُولُ يُوشِكُ عِبَادِي الصَّالِحُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمْ الْمَئُونَةَ وَالْأَذَى وَيَصِيرُوا إِلَيْكِ ، وَيُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ فَلَا يَخْلُصُوا إِلَى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ ، وَيُغْفَرُ لَهُمْ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ قَالَ لَا وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ " .
للصيام الرمضاني المفروض ، بشهر رمضان الكريم ، وهو الشهر التاسع من شهور السنة القمرية الإسلامية ، وكذلك للصيام الطوعي بمختلف أيام السنة والمناسبات الإسلامية كيوم عرفة لغير الحجاج المسلمين ، ثواب جزيل ، يمنحه الله رب العالمين سبحانه وتعالى ، لعباده الصائمين ، الذين يلتزمون بصيام فريضة الصيام المباركة . وأهم أجر الصائمين ما يلي :
أولا : غفران الذنوب : يغفر الله ما تقدم للصائم من ذنبه :
فقد ورد بصحيح البخاري - (ج 1 / ص 67) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " . وجاء أيضا في صحيح البخاري - (ج 7 / ص 140) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " .
ثانيا : دخول الجنة من باب الريان : فباب الريان مخصص لدخول فئة الصائمين فقط لجنات النعيم المقيم عن درب العالمين :
جاء في صحيح البخاري - (ج 6 / ص 461) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ " .
كما ورد بصحيح البخاري - (ج 6 / ص 462) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا قَالَ نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ " .
ثالثا : خلوف ( رائحة ) فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك :
جاء في الحديث القدسي بصحيح البخاري - (ج 6 / ص 474) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ " . وفي رواية أخرى ، وردت بصحيح البخاري - (ج 23 / ص 11) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ " . وجاء في سنن الترمذي - (ج 3 / ص 234) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ رَبَّكُمْ يَقُولُ كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَإِنْ جَهِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ جَاهِلٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ " . كما ورد بمسند أحمد - (ج 29 / ص 191) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِيرُ بِهَا الْعَبْدُ مِنْ النَّارِ وَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ " .
رابعا : إجابة الله رب العالمين دعوة الصائم : جاء في سنن الترمذي - (ج 9 / ص 68) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا وَزَهِدْنَا فِي الدُّنْيَا وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ فَآنَسْنَا أَهَالِينَا وَشَمَمْنَا أَوْلَادَنَا أَنْكَرْنَا أَنْفُسَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ إِذَا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِي كُنْتُمْ عَلَى حَالِكُمْ ذَلِكَ لَزَارَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ كَيْ يُذْنِبُوا فَيَغْفِرَ لَهُمْ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ قَالَ مِنْ الْمَاءِ قُلْنَا الْجَنَّةُ مَا بِنَاؤُهَا قَالَ لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ مَنْ دَخَلَهَا يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ وَيَخْلُدُ لَا يَمُوتُ لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ ثُمَّ قَالَ : " ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ : الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ " .
خامسا : إبعاد الشياطين عن المسلمين : جاء في صحيح مسلم - (ج 5 / ص 337) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ " .
سادسا : إبعاد وجه المسلم الصائم عن النار بكل يوم سبعين سنة . جاء في سنن الترمذي - (ج 6 / ص 166) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَصُومُ عَبْدٌ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا بَاعَدَ ذَلِكَ الْيَوْمُ النَّارَ عَنْ وَجْهِهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا " .
سابعا : تزيين الجنة للصائمين . فيأمر الله الجنة أن تتزين لاستقبال المؤمنين الصائمين .
ثامنا : الصوم ضروري لصحة البدن الإنساني : جاء في المعجم الكبير للطبراني - (ج 19 / ص 497) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اغْزُوا تَغْنَمُوا ، وَصُومُوا تَصِحُّوا ، وَسَافِرُوا تَسْتَغْنُوا ". وجاء في سنن ابن ماجه - (ج 5 / ص 283) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْمُ زَادَ مُحْرِزٌ فِي حَدِيثِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصِّيَامُ نِصْفُ الصَّبْرِ " .
تاسعا : شفاعة الصيام لصاحبه : ورد في مسند أحمد - (ج 13 / ص 375) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ الصِّيَامُ أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ قَالَ فَيُشَفَّعَانِ " .

رمضان والقرآن وليلة القدر

يقول الله الواحد القهار سبحانه وتعالى عن تفضيل ليلة القدر في شهر رمضان المبارك وإنزال القرآن المجيد فيها : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)}( القرآن المبين ، القدر ) .
وأغلب التفسيرات الإسلامية ، تؤكد على أن ليلة القدر هي ليلة 27 رمضان ، فهي ليلة مباركة باركها الله عز وجل وعوض فيها لمن قامها وأحياها بالأذكار والصلاة والعبادات ، من عباده المتقين عن عبادة ألف شهر ( السنة تساوي 12 شهرا ) أي أن قيامها يعدل عبادة 83.33 سنة ، فما أعظم كرم الله ومنته على عباده المتقين المؤمنين المحسنين الأخيار ، في رمضان عامة وفي ليلة القدر خاصة .

عيد الفطر السعيد



جاء في سنن الترمذي - (ج 3 / ص 128) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ " .

الأمة المسلمة ، ليست كغيرها من الأمم في العالم ، لها عيدان يأتيان بعد فرضيتي : صيام شهر رمضان ، وحج البيت . فعيد الفطر السعيد ، يأتي مباشرة بعد الإنتهاء من موسم روحي ديني ، يتمثل بصيام شهر رمضان المبارك ، أي يجيء بعد صيام 29 أو 30 يوما هي أيام شهر رمضان ، فيكون الأول من شهر شوال العربي السنوي ، وهو الشهر المباشر لشهر رمضان ، هو عيد الفطر السعيد ، الذي يؤدي فيه المسلمون صلاة العيد بالمسجد أو بالساحات العامة . ثم يزورون المقابر لقراءة آيات من القرآن المجيد على الموتى وخاصة قراءة سورة الفتحة كطبق من نور يهدى للموتى في هذا العيد وغيره من الأيام ثم يصلون أرحامهم . وغني عن القول ، إن حركة تجارية رائجة في المجتمع الإسلامي تظهر في الأيام الأخيرة لشهر رمضان المبارك ، للإعداد للأطعمة الرمضانية الحلوة ، وتجهيز الملابس الجديدة لاستقبال عيد الفطر السعيد . وكلمة لا بد منها بهذا المجال : إن العيد لا يعني لبس الجديد ، بل هو احتفال رسمي وشعبي إسلامي ، للعبادة والصلاة والأذكار الإسلامية ، والتزاور البشري بين الأهل والأحباب والأقارب والأصحاب ، فيمكن أن يلبس المسلم لباسا قديما ولكنه نظيفا في أيام العيد .
كما ورد بسنن الترمذي - (ج 3 / ص 244) عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَنْهَى عَنْ صَوْمِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ أَمَّا يَوْمُ الْفِطْرِ فَفِطْرُكُمْ مِنْ صَوْمِكُمْ وَعِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا يَوْمُ الْأَضْحَى فَكُلُوا مِنْ لُحُومِ نُسُكِكُمْ " .

تصفيد الشياطين في رمضان

جاء في صحيح البخاري - (ج 3 / ص 231) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا مَا لَكُمْ فَقَالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ قَالُوا مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا يَا قَوْمَنَا { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا } فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ } وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ .
على أي حال ، يعتبر شهر رمضان ، شهرا إسلاميا مباركا ومقدسا ، لا شك ولا جدال فيه ، لدى أبناء الأمة المسلمة في جميع أنحاء العالم ، ومن تكريم الله لبني آدم بشهر رمضان حجز الشياطين عنهم ، فالشياطين تؤز الكافرين أزا ، وتوجه الفاسقين والمنافقين ، وتسلك الشياطين فجا ( طريقا ) غير فج المؤمنين . وقد جاء في صحيح البخاري - (ج 6 / ص 465) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ " . كما جاء بالمعجم الكبير للطبراني - (ج 12 / ص 64) عَنْ عُتْبَةَ بن فَرْقَدٍ السُّلَمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ : " إِذَا جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَنَادَى مُنَادٍ يَا طَالِبَ الْخَيْرِ هَلُمَّ، وَيَا طَالِبَ الشَّرِّ اقْتَصِرْ، حَتَّى يَنْسَلِخَ الشَّهْرُ " .

أمور إسلامية واجبة في رمضان المبارك

هناك العديد من الأمور الواجبة المستحبة في شهر رمضان الكريم ، التي ينبغي ممارستها وحفظها يوميا في شهر رمضان المبارك وهي :
أولا : تناول وجبتي السحور والفطور ، من طيبات رزق الله ذو الفضل والمنة على عباده ، لما يجلب ذلك من فائدة بدنية وصحية على الصائم طيلة فترة صيامه ، مع الأخذ بمبدأ تأخير السحور وتعجيل الفطور . يقول الله ذو الجلال والإكرام تبارك وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)}( القرآن العظيم – البقرة ) . وجاء بصحيح البخاري - (ج 7 / ص 59) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ " .
ثانيا : تناول السوائل اللازمة لجسد الإنسان وفي مقدمتها الماء واللبن والعصائر الطبيعية والفواكه سهلة الهضم التمر وغيرها .
ثالثا : الولائم والعزائم الرمضانية : تبادر عشرات ملايين الأسر المسلمة وأصحاب القدرات المالية من المسلمين لتنظيم العزائم والولائم الرمضانية للعائلات نفسها أو تنظيم موائد الرحمن في البيوت أو المساجد أو المراكز الإسلامية وغيرها ، لتجميع أكبر عدد ممكن من الصائمين بفترة واحدة ومكان واحد . يقول الله الغني الحميد عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) }( القرآن المبين – البقرة ) . وجاء في سنن الترمذي - (ج 3 / ص 301) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا " . كما ورد بمسند أحمد - (ج 34 / ص 414) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا صَلُّوا فِيهَا وَمَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ وَمَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الْغَازِي فِي أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الْغَازِي شَيْءٌ " .
رابعا : الاعتدال في إعداد الأطعمة والأشربة ، وعدم الإسراف والتبذير . يقول الله السميع البصير عز وجل : { يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)}( القرآن الحكيم – الأعراف ) .
خامسا : عدم أثقال البدن بالأطعمة والأشربة عند الإفطار لما يسبب ذلك من تخمة ، وأمراض آنية ومستقبلية وصعوبة الحركة . جاء في سنن الترمذي - (ج 8 / ص 387) عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ " . فالنظام الغذائي الإسلامي الصحي هو ثلاثي الأبعاد : ثلث للطعام وثلث للشراب ، وثلث للهواء أو الأكسجين للتنفس . وعلى النقيض من ذلك ، نلاحظ بعض الصائمين يتخمون بطونهم بالطعام والشراب ، ثم يتعرضون للتعب والإرهاق البدني ، فلا يتمكنون من الوقوف على أرجلهم ، فيذهبون للأطباء والعيادات الصحية والمشافي ، وهم في غنى عن هذه الأمور الطارئة .
سادسا : الإهتمام بالفقراء والمساكين والأيتام والغرباء . وتخصيص جزء من وجبات رمضان لهم عبر مدار الشهر الفضيل عبر تنظيم الموائد الرمضانية العائلية والشعبية ليأخذوا نصيبهم من مزايا رمضان الكريم . جاء في مسند أحمد - (ج 16 / ص 91) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لِلطَّاعِمِ الشَّاكِرِ مِثْلُ مَا لِلصَّائِمِ الصَّابِرِ " .
سابعا : تلاوة القرآن المجيد ، كتاب الله المقدس ، الدستور الرباني للأمة المسلمة عبر التاريخ البشري . فينبغي على المسلم متابعة قراءة وتجويد وتلاوة القرآن العظيم لمواصلة مسيرة الرسالة الإسلامية العظمى .
ثامنا : صلاة قيام رمضان ( التراويح ) : إن تأدية صلاة التراويح ( 8 – 20 ركعة يوميا ) بعد صلاة فرض العشاء ، هي من الأمور الصحية والرياضية المستحبة ، فهي تزيد من حسنات الإنسان في بنك الحسنات ليوم القيامة ، وتساعد على رشاقة البدن ، وتساهم في هضم الطعام الذي تناوله المسلم الصائم . وصلاة التراويح أو قيام رمضان ، هي رياضة روحية وبدنية طبيعية في الوقت ذاته ، وهي أفضل من تناول الأشربة الغازية المهضمة التي تساعد على هضم الطعام كالمشروبات الغازية المليئة بالصودا الكاوية والتي يحتوي بعضها على بقايا من شحوم ولحوم الخنازير .
تاسعا : تعويد الأطفال على الصيام في سن مبكرة على الصيام لينشأوا النشأة الإسلامية الحقيقية .
عاشرا : متابعة المسلسلات الرمضانية الإسلامية الملتزمة ، كالمعارك الإسلامية ، والفتوحات الإسلامية ، والحياة الطبيعية الإسلامية ، البعيدة عن الإثارة الجنسية الهابطة ، وقراءة كتب التاريخ الإسلامي التليد للعبر والعظات والتجديد الإيماني الجهادي .
حادي عشر : استعمال السواك الطبيعي من أراك ( أو معجون الأسنان والفرشاة ) بعد السحور وبعد الإفطار الرمضاني من الأمور الواجبة لتنظيف الأسنان من بقايا الطعام وإبعادها عن التسوس . جاء في صحيح البخاري - (ج 7 / ص 18) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ " . وَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جَابِرٍ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِهِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ " .
ثاني عشر : اللجوء لنوم القيلولة ما بين صلاتي الظهر والعصر ، ما أمكن ، لتعويض النقص بساعات النوم ، والقيلولة تعمل على تنشيط الجسم وتعطيه حاجته من الراحة الضرورية .
ثالث عشر : إخراج الزكاة : يقوم الكثير من الناس بإخراج زكاة أموالهم في شهر رمضان الكريم علما بأن الزكاة هي ركن من أركان الإسلام الخمسة ، وهي فريضة ربانية على كل مسلم يمتلك نصاب الزكاة لمدة سنة قمرية كاملة ، كما يقره أهل الحل والعقد والعلماء من المسلمين في كل قطر من الأقطار الإسلامية وفقا لأوزان الذهب وأسعارها العالمية بصورة سنوية . وإخراج الزكاة في رمضان من الأمور المستحبة ، يجمع فيها المسلم الإلتزام والإلزام النفسي الذاتي بين فريضتي وركني صوم رمضان وإيتاء الزكاة . يقول الله العليم الحليم جل جلاله : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)}( القرآن المبين – التوبة ) . ويقول الله تبارك وتعالى : { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)}( القرآن المجيد – البقرة ) .
رابع عشر : صلة الأرحام : من كرامات شهر رمضان تبادل الزيارات الاجتماعية بين الأهالي والأقارب والأرحام ، وتنظيم الولائم للأرحام وخاصة الوالدين والأخوات والعمات والخالات والمحرمات وغيرها . جاء في صحيح البخاري - (ج 18 / ص 386) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ " . وجاء في مسند أحمد - (ج 26 / ص 469) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ وَأَنْ يُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ " .
خامس عشر : إخراج الصدقات والتصدق عن النفس . يجب أن يتصدق الإنسان المسلم على نفسه فصدقة الفطر واجبة على كل فرد مسلم صغيرا أو كبيرا أو جنينا . وكذلك ينبغي التصدق المالي على المحتاجين في مطالع وأواسط شهر رمضان وليس بآخره ، لتوفير طعام السحور والإفطار لهم وتدبير شؤونهم الحياتية من المأكل والملبس والمأوى .
يقول الله الغني المغني عز وجل : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)}( القرآن العظيم – التوبة ) .
وجاء في صحيح مسلم - (ج 1 / ص 232) عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ : الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ قَالَ قُلْتُ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا قَالَ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ قَالَ : " تَكُفُّ شَرَّكَ عَنْ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ " . وفي رواية أخرى ، وردت بصحيح مسلم - (ج 5 / ص 229) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ " . وورد في صحيح مسلم - (ج 5 / ص 231)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ فَقَالَ : " أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ " .

عادات اجتماعية خاطئة غير مستحبة برمضان المبارك

تنتشر في المجتمع المسلم ، الكثير من العادات والتقاليد الخاطئة السيئة أحيانا ، أثناء شهر رمضان المبارك ، وهناك عادات وتقاليد غير مستحبة وسوية لدى بعض المسلمين في إعداد وجبات الإفطار المسائية ، نذكر منها :
أولا : التدخين بتناول سيجارة أو أكثر بعد رفع الأذان الإسلامي ، قبل تناول طعام الإفطار مع ما يلحق ذلك الضرر البالغ ببدن الصائم ويسبب له الأمراض المتعددة وينفر الصائمين الآخرين منه .
ثانيا : تناول شراب الكوكا كولا أو البيبسي كولا ( الأمريكي ) أثناء وبعد الإفطار ، مع ما يلحق ذلك من أذى جسدي ببدن الإنسان الصائم ، ويسبب هشاشة العظام ، وبروز داء السكري أو تزايده .
ثالثا : الإكثار من أصناف الطعام نوعا وكما ، وزيادة هذه الأطعمة عن حاجة الصائمين ، ورميها بحاويات القمامة ، فليس من أهداف الصيام سياسة تعدد الأطعمة والأشربة بل التقرب لله رب البرية والحفاظ على الصحة البدنية والإحساس مع الفئات المستضعفة في الأرض .
رابعا : اللهو بالأمور غير المباحة ، كمتابعة المسلسلات التلفزيونية والفضائية الرمضانية الهابطة ، التي يلهو بها بعض الصائمين ، عن حسن نية لتعبئة أوقات فراغهم ، فتنتشر بها الأزياء الفاضحة للنساء ، والعادات القبيحة والرذائل القاتلة ، فبدلا من تكثير الحسنات تكثر سيئات الإنسان المسلم ، فيسلي صيامه بالنظر للمحرمات في الإسلام العظيم .
خامسا : الإكثار من شرب الماء البارد أو المثلج مما يضر بالمعدة بإنقباض عضلاتها ، ويسبب المغص الحاد أحيانا ، ويسبب الحاجة المتزايدة لتناول الماء مما يقلل الكالسيوم بالجسم .
سادسا : الإكثار من تناول الحلويات مما يسبب السكري وتسوس الأسنان وارتفاع ضغط الدم ، ومعاناة الصائم من أمراض الفم المتعاقبة .
سابعا : تعجيل السحور وتأخير الفطور في الأيام العادية : هناك من المسلمين من يتسحر عند السهرة قبل أن ينام في ساعات ما بعد العشاء ، عند الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة أو الواحد فجرا ، وهي من العادات الخاطئة ، إذ لا بد من النوم مبكرا وعدم إطالة السهر لراحة الجسد والنفس ، ولدواعي العبادة بالاستيقاظ لصلاة الفجر حاضرة على وقتها ، فصلاة الفجر ( الصبح ) ينبغي أن تأتي مباشرة بعد السحور فأذان الفجر . جاء في مسند أحمد - (ج 51 / ص 387) عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ قُلْنَا لِعَائِشَةَ : إِنَّ فِينَا رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ السُّحُورَ قَالَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ قَالَ فَقُلْتُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَتْ كَذَا كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثامنا : النوم المباشر بعد صلاة الفجر في شهر رمضان المبارك ، مما يسبب خمولا وكسلا عند الاستيقاظ لاحقا للسعي في طلب الرزق .
تاسعا : اللهث وراء كابونات أو معونات الصيام العينية ، بشهر رمضان من الآخرين ، من الموسرين والجمعيات والمؤسسات الخيرية ، والموائد الحزبية الرمضانية ، فالإنسان المسلم الصائم يجب أن يوفر للأسرة السحور والفطور على مدار الشهر من كده وعرق جبينه ، وأن لا يزاحم الفقراء والمحتاجين بأي حال من الأحوال على ما يخصص لهم من أصحاب الخير هنا وهناك . فكن يا أيها المسلم الصائم ممن يعتمد على نفسه قدر الإمكان لتوفير قوته وقوت عياله ، ودعك من الصدقات والزكوات إن لم تكن محتاجا لها . فقد ورد بصحيح البخاري - (ج 5 / ص 321) أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى قَالَ حَكِيمٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تُوُفِّيَ " . كما ورد بصحيح مسلم - (ج 5 / ص 246) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ " .

الصدقات والأنفاق في شهر رمضان المبارك

حض الإسلام العظيم على ضرورة إخراج الصدقات النقدية والعينية كالأطعمة والأشربة والملابس الجديدة ، للناس المحتاجين من ذوي الاحتياجات الخاصة ، سواء في شهر رمضان المبارك ، أو بقية أيام السنة .
يقول الله الغني الوهاب جل جلاله : { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) }( القرآن الحكيم – البقرة ) .

وجاء في موطأ مالك - (ج 6 / ص 156) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ : " الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ " . كما ورد بصحيح البخاري - (ج 5 / ص 248) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ " .
وورد في صحيح مسلم - (ج 5 / ص 249) عَنْ بَيَانٍ أَبِي بِشْرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنْ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ " . و حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَعِيلَ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ قَالَ أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَاللَّهِ لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهُ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ بَيَانٍ " .
وفي رواية أخرى ، جاءت بمسند أحمد - (ج 15 / ص 57) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَاللَّهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلًا فَيَحْتَطِبَ فَيَحْمِلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَأْكُلَ أَوْ يَتَصَدَّقَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا أَغْنَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى " .
كما ورد بسنن ابن ماجه - (ج 5 / ص 411) فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ " .

شهر رمضان بأيامه المعدودات .. والنظام الغذائي الرباني القويم

بعض الأمم الأجنبية في العالم ، تلجأ عبر الأطباء لوضع حميات غذائية متصلة أو منفصلة ، لتقليل الوزن وإزالة السمنة الزائدة وتقليل الأمراض ، وخاصة لدى النساء والشباب من كلا النوعين الاجتماعيين ، والحصول على القوام البدني المناسب ، البعيد عن الأمراض والأدران الشحمية على البطن والصدر والأرداف والساقين وغيرها ، فتحدد فترة زمنية تتراوح ما بين 3 – 4 أسابيع متواصلة فيما يعرف بالنظام الغذائي البشري – الريجيم ) . وقد حبا واختص الله الحميد المجيد جل جلاله ، الأمة المسلمة ، بحبه العميق ، وخصص لهم شهرا سنويا صحيا مقدسا ومميزا ، هو شهر رمضان المبارك ، شهر القرآن المجيد ، بأيامه المعدودة التي تمتد ما بين 29 يوما إلى 30 يوما بالسنة القمرية الواحدة ، البالغة 354 يوما ، فيتداور مجيئ شهر رمضان الفضيل ، على مدار أيام السنة القمرية بفصولها الأربعة : الشتاء والربيع والصيف والخريف ، وتتزاور فيه الأرواح والأبدان المسلمة وفق تعاليم وضوابط إسلامية رائعة ، وتتزايد فيه أواصر التقرب للبارئ عز وجل ، والشعور بمشاعر المسلمين الآخرين .
ففي شهر رمضان الكريم ، حمية غذائية واجبة ، وتباعد بين الوجبات ، وإقتصارها على ساعات الليل الأولى والهزيع الأخير من الليل ، فالنظام الغذائي الرمضاني الرباني هو الأفضل والأمثل لبني الإنسان عبر القرون الخالية والحالية واللاحقة ، إن كان هناك قرون زمنية آتية .
فبالإضافة لسعي الإنسان المسلم ، ذكرا أو أنثى ، لنيل رضى الله رب العالمين ، ودخول الجنة من ( باب الريان – وهو باب بالجنة مخصص لدخول الصائمين ) ، فإنه يعمل على تنظيم وجبات غذائه بصورة صحية لائقة ، فيحصل على جسيم رشيق ، ويتخلص من السموم الغذائية التي لحقت ولصقت ببدنه وشحمه ولحمه ودمه ، طيلة 11 شهرا بالتمام والكمال ، فيأتي شهر الصيام ليذيبها ويزيلها ليتمكن المسلم أو المسلمة من التمتع بصحة قوية بعيدة عن الأدران البدنية والأضغان النفسية وغيرها ، بصورة منتظمة طالما بقي الإنسان قادرا على الصيام . وهناك من الجهلاء ، من يستنكف عن هذا النظام الغذائي الإسلامي ( رمضان الكريم ) كنظام راحة غذائي ونفسي سنوي ، لفترة معينة ، فيصاب بعشرات الأمراض والأوبئة الطارئة المؤقتة والدائمة ، فتأتي عليه من حيث يدري ولا يحتسب .
فشهر رمضان المبارك ، ذو الطلة السنوية الذهبية البهية المتواصلة ، على الأمة المسلمة ، يساعد في راحة أجهزة الجسم : الهضمية والسمعية والبصرية والهرمونية والتناسلية والعضلية والدورية الدموية واللمفاوية والبولية والتنفسية والعصبية وغيرها ، وهو علاج للكثير الكثير من الأمراض البشرية التي لا تزول أو لا تخف وطأتها إلا بالصيام المتوسط أو شبه الطويل كرمضان الفضيل . فالصوم علاج وقائي ممتاز لبدن بني آدم عبر العصور ، ولم يكن ليفرضه الله الواسع الحكيم ، لولا فوائده البدنية الصحية والنفسية الجمة .
وأفادت الكثير من الدراسات العلمية المعاصرة من العلماء المسلمين وغير المسلمين ، بأن الصيام لفترة شهر ، وهي فترة شهر رمضان المبارك ، هي فترة صيانة سنوية لبدن الإنسان ، كما هي فترة علاج بدني ناجحة للوقاية من الأمراض المستعصية أو لعلاجها ، وتجديد بناء الخلايا ، وتجديد الدورة الدموية الإنسانية ، ولتقليل أو الحد من بعض العوارض البدنية ، مثل : إرتفاع ضغط الدم ، وارتفاع الكوليسترول ، والتخلص من الدهون والشحوم الضارة ، وأمراض الجهاز الهضمي وأمراض الكبد والكلى وتورم الساقين وغيرها الكثير من الأمراض الطارئة أو المزمنة .

لماذا التهرب من صيام رمضان ؟؟! .. وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

الصيام جنة ، فقد فرض الله صيام شهر رمضان على جميع الأمم السابقة ، للرسالة الإسلامية الشاملة الخاتمة والناسخة لما قبلها ، للمصلحة الفردية والجماعية والأممية الإنسانية والمجتمعية العليا ، فالخالق جل شأنه أدرى بخلقه . ورغم هذا نجد الكثير من الناس ، من المسلمين وأهل الذمة كالنصارى واليهود ( على طريقتهم ) ، يتهربون ويتملصون من صيام شهر رمضان الكريم ، بدعاوى وحجج واهية ، وهي القيام العمل أو عدم المقدرة الجسمية أو إصدار بعض الدول قرارات وفتاوى باطلة بعدم الصيام للحفاظ على الاقتصاد الوطني ، وهي مبررات هروبية ، ليس لها رصيد مادي على أرض الواقع ، بالمسلم يزداد إنتاجه بشهر رمضان أصلا ، كما إنه يستطيع تكييف وقته مع العمل ليلتحق به في ساعات مضبوطة ومحددة . ويمكن القول إن معظم الانتصارات العسكرية والسياسية والاقتصادية الإسلامية ضد الكفار الأعداء وقعت في أيام شهر رمضان المبارك في القرون الخالية .
فمثلا ، تلجأ الكثير من الحكومات بالوطن العربي الكبير أو الوطن الإسلامي الأكبر إلى تأخير دوام القطاع الحكومي العام وتقصير أمده ، لما يتراوح ما بين 5 – 6 ساعات يوميا ، بدلا من 8 ساعات ، قد تبدأ من الثامنة أو التاسعة صباحا لتستمر حتى الثانية أو الثانية والنصف قبل العصر ) وفقا لما يتناسب ومتطلبات العمل اليومية في هذا الشهر الكريم ، كما تلجأ بعض الشركات والمصانع والمنشآت بالعديد من الدول لتقديم ساعات دوام العمال والموظفين ، من الساعة السادسة صباحا حتى الثانية عشرة ظهرا . وهناك نوع ثالث يلجأ لجعل شهر رمضان إجازة سنوية جماعية ، لجميع أبناء الطاقة العاملة للتفرع للصيام والعبادة . وكلها إجتهادات صائبة ، تصب في مصب المنبع الإسلامي العظيم ، لتقليص ساعات الدوام ، والتخفيف على الصائمين ، قدر الإمكان .
ولا يجوز التذرع بأي حال من الأحوال بأي ذريعة أو حجة غير شرعية ، للتهرب من صيام شهر رمضان المبارك ، الذي فرضه الله على جميع الأمم من الأولين والآخرين ، باستثناء الرخص الإلهية للمرضى بمرض شديد ، والمسافرين والنساء الحوائض والنفساء ووقت نزول الدورة العادة الدموية الشهرية ، ومن ماثلهم ، ولكن هذا الإعفاء قد يكون مؤقتا يجب فيها الإعادة ، أو دائما وفي حالة ديمومة إعفاء المرضى من ذوي الأمراض الفتاكة المزمنة ، أو الكبار في السن ، من الصيام فهناك فدية الصيام اليومية وهي إطعام صائم آخر وجبتين ( سحور وفطور ) من أواسط ما يأكل الصائمون في البلد ذاته .

فتاوى رمضانية باطلة

تتعدد الفتاوى الرمضانية ، من بعض المشايخ المسلمين ، المتمكنين أو غير الضليعين بإصدار الفتاوى ، وتظهر فتاوى متناقضة أحيانا ، فتسود حالة من الفوضى لدى بعض المسلمين ، فهناك من يتجرأ ويفتي بجواز التدخين برمضان أثناء ساعات الصيام ، وهي فتوى منكرة لا أساس لها من الصحة ، وهناك من يفتي بضرورة إفطار العمال في العمل بدعاوى الحفاظ على الإنتاج الاقتصادي ، وهناك من يفتي بإعفاء بعض القادرين على الصيام ، ويطلب منهم دفع فدية الصيام وهي إطعام مسكين وجبتين ( السحور والإفطار ) . وهناك من يفتي بضرورة ابتعاد الصائمين عن تناول اللحوم كلحم الخراف والماعز والأبقار والاقتصار على الخضروات والبقوليات ، أو تناول ( الخبز والزيت والخل فقط ) وهي فتاوى غير صحيحة .
والإنسان المسلم ، لا بد أن يعرف أن الحدود الإسلامية في هذا المجال واضحة للعيان ، ولا داعي للمزايدات والمناقصات الرمضانية في هذا المضمار . فالآيات القرآنية واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار . وغني عن القول ، إنه لا يجب الاصغاء للأطباء غير المسلمين من أهل الذمة أو الكفار لإصدار ترخيص بالإفطار لأبناء المسلمين ، بل يجب أخذ الحيطة والحذر واللجوء للطبيب المسلم الصائم ، لأخذ رخصة الإفطار المؤقت بالصوم . ومن المعروف أن الإسلام يعطي رخص بالإفطار في رمضان للكبار بالسن ، والمرضى والجرحى ، من الذكور والإناث ، والنساء بفترة الحيض أو العادة الشهرية ، والسفر لمسافات بعيدة وغيرها من الحالات المقرة إسلاميا . وكل ذلك يبنى على وقائع الضرر للمسلمين الذين يتضرروا من الصيام . فمثلا ، ليس من الضروري أن لا يلتزم بالصوم كل مريض بالسكري ، فداء السكرى على درجات ويمكن لمرضى به تنفيذ التعاليم الإلهية والصيام .

كلمة أخيرة


جاء في سنن ابن ماجه - (ج 10 / ص 107) عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَلْمَانَ وَأُكْرِهَ عَلَى طَعَامٍ يَأْكُلُهُ فَقَالَ حَسْبِي أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " .

شهر رمضان الفضيل ، هو شهر عبادة وتقرب إلى الله ، وقراءة القرآن المجيد ، كما يعتبر شهر رمضان شهرا اقتصاديا مزدهرا ومتقدما في الحياة الإسلامية العامة والخاصة ، وتتزايد التجارة في شهر رمضان ، وخاصة تجارة المواد التموينية والغذائية ، والملابس والأحذية . فرمضان أساسا يقوم على التزود بالزادين المباركين : الغذاء والتقوى ، في ثنائية إسلامية متلازمة ، الغذاء البدني والغذاء الروحي في الآن ذاته ، فهو يقوم على الإنفاق المالي الواجب على أبناء الأسرة الواحدة ، ومساعدة الفقراء والمحتاجين والأيتام والأرامل والكبار في السن . وهو شهر اجتماعي ، يعمق ويعزز العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين جميع أبناء الأمة المسلمة . كما يعزز شهر الصيام الوحدة الإسلامية في التوقيت الإلهي العظيم ، لفرض صيام رمضان ، ما بين ساعات النهار والليل ، بصورة مستمرة لشهر كامل يتواصل لفترة تمتد في أدناها 29 يوما ، وأقصاها 30 يوما حسب المطالع القمرية . ولأهمية ضبط النظام الغذائي في الإسلام فقد طلب الحبيب المصطفى رسول الله محمد صلى الله عليه من المسلمين صوم 6 أيام من شهر شوال ، بعد شهر رمضان ، وصيام 3 أيام بكل شهر من أيام الاثنين والخميس أو الأيام القمرية الثلاثة البيض 13 و14 و15 من الشهر القمري عندما يكون بدرا ، وصوم يوم عرفة وصوم يوم عاشورا ، وصيام أيام من شهر محرم ، وصيام أيام من شهر شعبان ، وغيرها ، وهي أيام صوم طوعية تطوعية غير ملزمة ولكنها مفيدة للجميع ، تساهم في القبول الرباني للمسلم ، ولمواصلة الاستفادة من عبادة الصيام الروحية والبدنية في المجالات الصحية المتعددة .
وختامه مسك ، ندعو ونقول والله المستعان ، كما قال نبي الله شعيب عليه السلام ، كما نطقت الآيات القرآنية الكريمة : { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)}( القرآن المجيد – هود ) .
تقبل الله طاعاتنا وطاعاتكم ، وكل رمضان ونحن وأنتم إلى الله أقرب .
والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الأربعاء، 11 أغسطس 2010

حفلات الأفراح والأتراح المضادة .. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا

حفلات الأفراح والأتراح المضادة ..
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس - فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)}( القرآن المجيد – الملك ) .
وجاء في سنن أبي داود - (ج 13 / ص 325) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ " . وورد في صحيح البخاري - (ج 16 / ص 164) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " فُكُّوا الْعَانِيَ وَأَجِيبُوا الدَّاعِيَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ " .

استهلال

الحياة الدنيا الفانية ، مليئة بالمتضادات الاجتماعية ، راحة وتعب ، صحة ومرض ، سعادة وشقاء ، فرح وترح ، ولادة وموت ، نجاح وفشل ، عمل وبطالة ، غنى وفقر ، ومنة وحاجة .. إلخ . والإنسان والأسرة والمجتمع ، أي مجتمع ، مسلما أو نصرانيا أو يهوديا أو بوذيا أو هندوسيا أو غيره ، يمر بهذه المتضادات الحياتية بين الحين والآخر ، في حالات من المد والجزر المعهودة كمتتاليات ومتواليات يومية وفصلية وسنوية وفق سنة الله في خلقه لأن دوام الحال من المحال . فالحياة الدنيا زائلة ، لكل إنسان ، ذكرا أو أنثى ، لأن البقاء لله وحده ، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن ، والمقدم والمؤخر ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم .

وفي فصل الصيف من كل عام ، تكثر الأفراح في الأرض المقدسة ( فلسطين ) والوطن العربي الكبير والوطن الإسلامي الأكبر ، وقد يصاحب إقامة عرس شعبي جماهيري أو عائلي محدود ، موت أحد الأشخاص من الأهالي أو الأقارب أو الأصدقاء ، أو الجيران أو أبناء القرية الواحدة أو المدينة الواحدة أو المخيم الواحد . وكتحصيل حاصل لا بد من تقديم واجب العزاء من أهل العرس أولا ، ثم إبلاغ أهل المتوفى ، كنوع من المشاركة الوجدانية والاجتماعية عامة والإسلامية خاصة ، بأنهم أعدوا العدة لحفلة العرس ، من توزيع دعوات العرس ، والاستعداد لإقامة الوليمة ، وحجز صالة الأفراح مسبقا في ساعات محددة ودفع مبالغ مالية كعربون لذلك ، والإعتذار لأهل المتوفى ، وأنهم يطلبون منهم الإذن لإستكمال حفلة العرس ، وكما هي العادة لن يمانع أهل المتوفى غالبا ، من متابعة أهل العريس لحفلتهم ، وإن كانت تارة بإيمان بقضاء الله وقدره وكظم الغيظ لدى الفئة المؤمنة ، أو على مضض للفئات الأضعف إيمانا تارة أخرى . ولكن القيم والمثل الإسلامية العليا تحتم أن يبتعد أهل العريس بحفلتهم عن مكان بيت العزاء ، ولا يقيمون حفلة صاخبة بجواره أدبيا وقيميا ، بميكروفونات عالية ، مليئة بالأغاني الهابطة الماجنة ، التي لا تنم إلا عن نفوس مريضة ، وسفاهات هائشة ، فيجب أخذ الحيطة والحذر فالمسألة حساسة للغاية ، وليس من السهل التلاعب بعواطف الآخرين ، سواء أكانوا من الأقارب أو الأباعد ومن لا ينتقدك جهارا نهارا يمكن بل ربما ينتقدك وراء ظهرك مليا ويكيل لك الشتائم والسباب عن ظهر غيب .
جاء في سنن النسائي - (ج 12 / ص 487) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا لَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدِهَا فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَدْعُو إِلَى عَصَبِيَّةٍ أَوْ يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ " .

أبرز آيات الموت بالقرآن المجيد

حسب تعاليم الرسالة الإسلامية العظمى الغراء ، لا يمكن الفرار من قدر الله إلا لقدر الله ، فلا أحد يستغني عن أحكام الله والقضاء والقدر الرباني المتمثل لحتمية الموت عاجلا أو آجلا ، ولا يستثني الموت الفرد الصغير أو الكبير ، الذكر أو الأنثى ، فملك الموت عزرائيل بالمرصاد لمن سقطت ورقته في السماء وانتهى أجله ورزقه من عند رب العالمين ، ولكن بعض الناس ، كبارا أو شبابا ، لا زالوا مراهقين ، لا يحسنون التصرف ، فيتعاملون مع حالة الوفاة ، بلا مبالاة وبدائية ، لا تمت للإحسان أو الصلات الاجتماعية أو الإنسانية بصلة ولو بسيطة . فلا تختلف تصرفاتهم عن التصرفات الهوجائية التي لا تعير الأحاسيس والمشاعر الإنسانية أي إنتباه ، فيغرق المجتمع المحلي بحالات من النفور الاجتماعي والحقد والكراهية والضغائن الخفي والعلني ، وتضعف العلاقات الاجتماعية ، وتسود حالة من الفوضى الاجتماعية والنفسية والإنهزامية ، وتسود حالة التوتر واللا استقرار بين أفراد وعائلات المجتمع مع إنعكاس ذلك على الصلات الاجتماعية والأجيال الشابة مستقبلا .
وهناك العديد من الآيات القرآنية المجيدة التي تبين أن الموت حتمي لا مفر منه ، سيصيب جميع الناس بلا استثناء ، وهاكم أبرز هذه الآيات :
يقول الله العلي العظيم جل جلاله في محكم التنزيل :
- { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)}( القرآن المجيد – آل عمران ) .
- { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) وَإِذَا رَآَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) }( القرآن المجيد – الأنبياء ) .
- { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60)}( القرآن المجيد – العنكبوت ) .
- { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28)}( القرآن المجيد – الرحمن ) .
- { وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) }( القرآن المجيد – القصص ) .
- { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) }( القرآن المجيد – الزمر ) .

إعلان الإسلام وإتباع الحق

يقول الله الغني الحميد : { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)}( القرآن المجيد – الكهف ) .
وورد في صحيح البخاري - (ج 7 / ص 287) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً " .

وثيقة إجتماعية مقترحة للحد من تضاد الأفراح والأتراح

على أي حال ، لتقليل الأضرار النفسية والاجتماعية ، لمصاحبة حفلات الأفراح والأتراح ، داخل الحي الواحد أو القرية الواحدة أو المنطقة الجغرافية المتقاربة ، لا بد من إتباع الأمور التالية بالحد الأدنى :
أولا : المشاركة في الصلاة على المتوفى ومرافقة الجنازة حتى الإنتهاء من دفنها . جاء في صحيح البخاري - (ج 5 / ص 92) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ قِيلَ وَمَا الْقِيرَاطَانِ قَالَ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ " .
ثانيا : زيارة بيت الأجر ( بيت العزاء ) لتقديم واجب العزاء لأهل المتوفى من ممثلين لأهل العرس .
ثالثا : إبعاد حفلة العرس قدر الإمكان عن بيت العزاء ، لتحاشي إسماع أهل العزاء صراخ الميكروفونات الصاخبة . إذا كان بيت العزاء قريب من بيت أهل العريس فيفترض أن يبادر أهل العرس بإبعاد ضجيج حفلتهم في مكان بعيد .
رابعا : أخذ الإذن أو ما يسمى بإبلاغ أهل المتوفى بالأمر لأخذ الاحتياطات اللازمة ، فقد يتم تقديم العزاء لبعض أهل المتوفى عبر الجوالات أو الهواتف الثابتة ، فيضطرون لعدم الرد عليها جراء أصوات الشهيق والزفير الصاخبة غير المرغوبة من بعض الأعراس الماجنة .
خامسا : العمل على جعل الأعراس إسلامية ووطنية والابتعاد عن تقليد الغرب بتنظيم الأعراس السافلة الفاجرة الهابطة الماجنة . ووجوب إجابة الدعوات للأعراس الملتزمة غير الفاجرة . وقد جاء في صحيح البخاري - (ج 16 / ص 165) قالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ وَإِجَابَةِ الدَّاعِي وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ وَعَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَعَنْ الْمَيَاثِرِ وَالْقَسِّيَّةِ وَالْإِسْتَبْرَقِ وَالدِّيبَاجِ " . وورد في صحيح مسلم - (ج 7 / ص 277) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا " . وجاء في مسند أحمد - (ج 17 / ص 363) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَشُهُودُ الْجِنَازَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ " .
سادسا : عدم مبالغة أهل المتوفى ، وتحميل الأمور ما لا تحتمل ، والإتزان والتعقل وإتباع الحكمة ، وعدم إفتعال مشاكل مع أهل العريس ، فالأيام دول ، فكما تدين تدان ولو بعد حين .
نقول هذا الكلام ، للإبقاء على أواصر التواصل الاجتماعي ، بين جميع أفراد المجتمع والأسر والحمائل والعشائر الفلسطينية في الأرض المقدسة وفي الوطن العربي الكبير والوطن الإسلامي الأكبر ، خاصة في ظل الفلتان الاجتماعي الذي بدأ يغزو المجتمع العربي المسلم في فلسطين وسواها ، وأنهكته المتضادات الاجتماعية العابرة ، العفوية والمقصودة على السواء ، ونتيجتها كلها واحدة ، وهل توليد الخصام بدل الوئام .
ومن نافلة القول ، إن الحداد الإسلامي على الميت هي فترة ثلاث أيام ما عدا حداد الزوجة على زوجها فتصل فترة الحداد فيها أربعة أشهر وعشرة أيام متصلة غير منفصلة ثم تفك حدادها . ولا يوجد لعادة الحداد على الميت بما يسمى بالأربعين أو السنة ( 12 شهرا ) المتصلة غير المنفصلة ، فالفترة الطويلة ، من الحداد ترهق أهل المتوفى والشباب الفلسطيني ولا داعي للمبالغة فيها . وليس من الإسلام في شيء بدع تنظيم بيوت العزاء أيام الأعياد الإسلامية ( عيد الفطر السعيد وعيد الأضحى المبارك ) فالجميع من الكائنات الحية مصيره إلى الموت والزوال للانتقال لحياة البرزخ كمعبر حتمي للحياة الآخرة . يقول الله المحيي المميت عز وجل : { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55)}( القرآن المجيد – طه ) .
كما ورد في مسند أحمد - (ج 55 / ص 499) عَنِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ : لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ أَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " أُمِّي الْبَسِي ثَوْبَ الْحِدَادِ ثَلَاثًا ثُمَّ اصْنَعِي مَا شِئْتِ " .
وورد في سنن أبي داود - (ج 6 / ص 230) عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" لَا تُحِدُّ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ وَلَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا أَدْنَى طُهْرَتِهَا إِذَا طَهُرَتْ مِنْ مَحِيضِهَا بِنُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ " .

ما يتبع الميت وما يرجع

جاء في صحيح مسلم - (ج 14 / ص 209) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ " . وورد في سنن أبي داود - (ج 8 / ص 76) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " .
وبهذا يجب أخذ العبر والعظات وعدم الإكثار من السيئات بل المبادرة لتجميع وتعظيم الحسنات لدخول جنات النعيم عند بديع السماوات والأرض ، وعامل الناس كما تحب أن يعاملوك بالحسنى .

ثناء الملائكة على النفس الطيبة

ورد في مسند أحمد - (ج 17 / ص 456) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَالُوا اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ قَالَ فَلَا يَزَالُ يُقَالُ ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ مَنْ هَذَا فَيُقَالُ فُلَانٌ فَيَقُولُونَ مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ ادْخُلِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ قَالَ فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السَّوْءُ قَالُوا اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ اخْرُجِي ذَمِيمَةً وَأَبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ وَآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٍ فَلَا يَزَالُ حَتَّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ مَنْ هَذَا فَيُقَالُ فُلَانٌ فَيُقَالُ لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيثَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ ارْجِعِي ذَمِيمَةً فَإِنَّهُ لَا يُفْتَحُ لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَتُرْسَلُ مِنْ السَّمَاءِ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ فَيُجْلَسُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَيُقَالُ لَهُ مِثْلُ مَا قِيلَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَيُجْلَسُ الرَّجُلُ السَّوْءُ فَيُقَالُ لَهُ مِثْلُ مَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ " . كما جاء بمسند أحمد - (ج 22 / ص 119) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ " .

وصايا إسلامية عامة

ورد في صحيح البخاري - (ج 1 / ص 21) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ " .
في ظل التداخل الاجتماعي والمجتمعي ، وبروز ظاهرة اللامبالاة بتنظيم حفلات الأفراح الضخمة قرب بيوت العزاء لتقبل التعازي بالميت ، وتجنبا للإحراج والتنابذ الاجتماعي بين الأسر والعائلات والعشائر والحمائل والقبائل الاجتماعية والسياسية ، وفي ظل تسرب محاولة بعض الناس إرتكاب جنايات أو مجازر ضد العريس وأهله ، لتنظيمهم حفلات ماجنة قرب بيت العزاء أو أثناء دفن الميت أو الصلاة عليه ، لا بد من وضع دليل إرشادات وقائية عامة يتفق عليها الجميع ، لتبقى لبنات المجتمع الفلسطيني والعربي والمسلم متماسكة فيما بينها ، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، وتجنب وقوع الجرائم والمشكلات العويصة بين أهل الميت ومنظمي الأعراس الشعبية أو الماجنة .
وبرأينا ، يجب أن يكون من أهم بنود هذه الوثيقة الاجتماعية التي يتوجب تبنيها اجتماعيا ، شعبيا ورسميا ، وبثها وترديدها مرارا وتكرارا ، عبر وسائل الإعلام المطبوعة والمسموعة والمرئية والانترنت ، ما يلي :
أولا : الإحترام والاحترام المتبادل وتحريم التنابذ والتنابز بالألقاب والفرقة والإنقسام . فالموت حق على الجميع ، والفرح الملتزم لا بد منه لزف العريس ، وفقا لتعاليم الرسالة الإسلامية الغراء . يقول الله السميع البصير عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) }( القرآن المجيد – الحجرات ) .
ثانيا : مشاركة أهل الميت وأهل العرس جنبا إلى جنب ، بالصلاة على الميت ودفنه وعدم البدء باحتفال العرس قبل دفن المتوفى .
ثالثا : عدم المبالغة في بيوت العزاء ، فالجميع مصيره إلى الموت ، فالموت كأس سيمر على كل الناس وكل يعيش لأجل محتوم .
رابعا : عدم الإسراف والتبذير والتهويل والتطبيل الفج في تنظيم حفلات الأفراح عامة وعند مصاحبتها لبيوت العزاء للموتى خاصة لئلا يفهمها أهل المتوفى أنها نوع من الاستخفاف والاستهزاء والاحتقار والشماتة ، فلا شماتة بالموت أصلا ، فلا أحد يعرف ساعة موته هل هي قريبة أم بعيدة . ومن العمل الطيب أن تكون الأعراس صامته عند اقترابها من بيت العزاء رغم أن الحل الأمثل هو تأجيلها أو إلغائها واستثمار هذه الفرصة الربانية لتقليل المصاريف والنفقات الباهظة .
خامسا : عدم إعلان الحداد على الميت أكثر من 3 أيام متصلة غير منفصلة فلا وجود للأربعينة أو للذكرى السنوية .
سادسا : إبعاد حفلات الأفراح عن بيوت العزاء لئلا تتداخل أصوات القرآن المجيد بأصوات الأغاني الصادرة عن العرس من وشعراء ماجنين ، وفرق موسيقى وزجل شعبي وغيرها .
سابعا : في حالة وجود ميت ، ينبغي تقديم مشاركة السواد الأعظم بالصلاة على الميت ودفنه والتعزية به قبل المشاركة قبل حفلات الأعراس الاجتماعية .
ثامنا ، تولي العقلاء والحكماء في المجتمع لدورهم الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، وعدم ترك الأمور على الغارب للمراهقين من الفئات الصغيرة في السن أو التي لا تفكر جيدا ، أو تجنب توجيهات النساء المتعصبة للأفراح التي تفلت من عقالها ، لتلك النسوة الآمرات النهايات في أسرها ، كإجراءات وقائية لا علاجية لتجنب الفتن ما ظهر منها وما بطن .
جاء في صحيح مسلم - (ج 1 / ص 159) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ أَوْ قَالَ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ " .

إحتمالية هجوم أهل المتوفى على العرس وتخريبه

على العموم ، ماذا يستفيد أهل العرس الفاجر الماجن إن ظهر شاب لم يتمالك نفسه ، من أبناء الميت ، أو أحد أقاربه ، واتبع مبدأ الهجوم العنيف ( علي وعلي أعدائي يا رب ) ، من الشباب المراهقين ، الطائشين أو المستفزين ، من أحد بيوت العزاء ، لأحد الموتى ، وأطلق نيرانه الرشاشة ، أو ألقى قنبلة يدوية ، يحسبها أهل العريس مفرقعات أو ألعاب نارية ، أو فخخ سيارة بالمتفجرات ، أو هجمت مجموعة من الشباب بالسلاح الأبيض من السكاكين والبلطات والآلات الحادة ، على حفلة العرس الضخم غير الفخم دون مراعاة لحالة الموت العادية أو المباغتة السائدة في زمان ما ومكان ما ، ليقتلوا ويجرحوا من أمامهم وعن إيمانهم وشمائلهم فيتركون بعض القتلى المصروعين والجرحى المكلومين دون ذنب لهم سوى أنهم شاركوا في عرس لم يراع القيم والأخلاق النبيلة السامية .

إحتمالية إقتحام نساء أهل المتوفى لصالة الأفراح

وماذا يفيد أهل العرس إن اقتحمت نساء وأطفالهن من اليتامى ، من أهل المتوفى ، فعاليات العرس غير المتزن وحولن العرس لمأتم ، بنقلهن بيت العزاء النسائي لصالة أو ساحة الفرح القريبة ، وبدأن يندب حظهن ، ويولولن ويصرخن داخل قاعة الأفراح أو الساحة العامة أو الديوان العائلي ، حيث تتمزج المآتم والأفراح مع بعضها البعض ، فكيف سيتصرف هؤلاء الناس من أصحاب العرس ، الذين يتصرفون بلا حياء أو ضمير أخلاقي وبعيدا عن تقوى الله الحي القيوم .
وهذا نذير خطير مزدوج رجالي ونسائي ، في الآن ذاته ، يمكن أن ينفجر في أي لحظة إذا ما توالت إزدواجية حالات الموت والأعراس ( الأفراح والأتراح ) المتضادة المتناقضة فيما بينها . ورب كلمة طيبة تطيب نفوس المفجوعين بالميت ، وتبني علاقات اجتماعية قوية وربما تتراجع علاقات اجتماعية قوية لتصبح ضحلة ويحل محلها الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق . يقول الله الحميد المجيد جل جلاله : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)}( القرآن المجيد – فصلت ) . وكما جاء بسنن الترمذي - (ج 7 / ص 277) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا " . وأكد ذلك ما جاء ب المعجم الكبير للطبراني - (ج 11 / ص 348) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا ، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا ، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا ، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا " .

دعاء للميت

كما جاء بمسند أحمد - (ج 17 / ص 495) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ قَالَ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَ ذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ " .

كلمة أخيرة

جاء في صحيح البخاري - (ج 7 / ص 287) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً " .
يا أيها الإنسان أحب لغيرك ما تحبه لنفسك ، ولا تستفز مشاعر الآخرين ، وأكظم غيظك ، وأعرض عن الجاهلين ، ولا تنجر لترهات وسفاهات وخزعبلات وهرطقات الجاهلين ، ولا تغضب ، وكن صابرا متأنيا ، وزن الأمور بعقل وحنكة حكمة وعقلانية ، فالشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب وليس الشديد بالسرعة ، ولا تلحق الضرر أو الأضرار بالمسلمين من بني جلدتك . وشارك الناس في أفراحها وأتراحها ما استطعت إلى ذلك سبيلا ، وكن من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، والساعين لإعلاء كلمة الله لتكون هي الكلمة العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى . وتذكر أن دوام الحال من المحال ، فالدهر يومان : يوم لك ويوم ذلك . فأتق الله أينما كنت وحيثما حللت ، وخالق الناس بخلق حسن ، ولا تحترم الكافرين والمنافقين والظالمين والفاسقين والأفاكين ومن ذوي الوجهين أو الوجوه المتعددة . ولا تندم على الإحسان سابقا لمن أساؤوا إليك لاحقا .


ألف ألف مبارك للعرسان . ومليار مليار رحمة للموتى الذين نداء ربهم والتحقوا بالرفيق الأعلى ، راجين من الله الغفور الرحيم أن يتغمدهم بواسع رحمته ومغفرته ويدخلهم فسيح جناته .
وختامه مسك ، لا بد من الاستعانة بدعاء نبي الله نوح عليه السلام : { وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28) } ( القرآن المجيد ، نوح ) .

وندعو ونقول والله المستعان ، كما قال نبي الله شعيب عليه السلام ، كما نطقت الآيات القرآنية الكريمة : { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)}( القرآن المجيد – هود ) .

والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .