الاثنين، 5 أكتوبر 2009

دولة هرتزل وليس إسرائيل

دولة هرتزل وليس إسرائيل

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
فلسطين العربية المسلمة

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) }( القرآن المجيد ، البقرة ) .

إستهلال

ألف تيودور يعقوب ( جاكوب ) سيمون هرتزل ، الصحافي اليهودي المجري الأوروبي المولد والنشاة ما بين عام 1860 – 1904 م ، وحامل درجة الدكتوراه في التشريع الروماني ، كتاب ( دولة اليهود ) باللغة الألمانية عام 1896 ووضع آلية لتنفيذ هذا المشروع اليهودي العلماني الأوروبي في الأرجنتين بقارة أمريكا الجنوبية أولا ، أو في فلسطين بقارة آسيا كخيار ثاني . وفي المؤتمر الصهيوني اليهودي التأسيسي في مدينة بال ( بازل ) السويسرية المنعقد في 29 – 31 آب – أغسطس 1897 م ، الذن ضم ممثلين عن الجاليات اليهودية في 15 دولة من دول العالم ، في أوروبا والأمريكيتين الشمالية والجنوبية وغيرها . وأنشأ هذا المؤتمر الصهيوني الأول ( المنظمة الصهيونية العالمية ) بزعامة تيودور هرتزل . وجاءت كلمة الصهيونية لتحمل اسم جبل عربي فلسطيني في القدس العربية ، وهو ( جبل صهيون ) وكذلك اتفقوا على أن يكون ( الشاقل ) وهو وحدة العملة الكنعانية العربية عملة صهيونية جديدة لبني صهيون الجدد ، واتخذ العلم الصهيوني ( وهو عبارة عن لوحة بيضاء فيها خطين أزرقين ، وبينهما نجمة سداسية ( درع نبي الله داود عليه السلام ) ، وقرر المؤتمرون اتخاذ نشيد قومي صهيوني يهودي هو ( الأمل – هتكفاه باللغة العبرية ) وأسس الصندوق القومي اليهودي للإنفاق على الدولة الاستعمارية الأوروبية اليهودية الجديدة ( دولة اليهود ) المقبلة . وبعدما فشلت المؤتمرات الصهيونية الأولى في إتخاذ الأرجنتين كبقعة جغرافية نواة لدولة اليهود التي رسم خطوطها تيودور هرتزل ( هرتسل ) تم التحول لفلسطين ، ووافق المؤتمر الصهيوني الأول على هذه الخطة ، ولكن سرعان ما تم تحويل المنطقة المقترحة لدولة اليهود إلى جزيرة قبرص في البحر الأبيض المتوسط ، ثم صحراء سيناء والعريش بمصر ، ثم انتقل الأمر إلى مشروع شرق إفريقيا ( أوغندا وكينيا ) أو العراق أو البحرين أو ليبيا وغيرها .
وفي 2 تشرين الثاني 1917 استطاع يهود أوروبا بالضغط على بريطانيا التي تحتل فلسطين أن تعطيهم وعدا سياسيا أو براءة دولية لإنشاء ما سمي آنذاك وطنا قوميا يهوديا في فلسطين حيث كان عدد اليهود بفلسطين المحتلة 55 ألف بينما بلغ عدد أهل فلسطين الأصليين حوالي 690 ألف عربي ( مسلم ونصراني ) . وبعد ذلك تم إقرار صك الانتداب ( الاحتلال ) البريطاني على فلسطين عام 1922 من عصبة الأمم كهيئة استعمارية دولية ، نتجت عن تداعيات الحرب الكونية الأولى ، رغما عن أهل البلاد الأصليين ، وهم شعب فلسطين الأصيل في أرض آبائه وأجداده ، وعملت قوات الاحتلال البريطاني على مقاومة الثورة العربية الفلسطينية خلال فترة هيمنتها على الأرض المقدسة ، 1917 – 1948 ، ومكنت الجاليات اليهودية المستعمرة القادمة من أوروبا وأشتات العالم من إيجاد بنية تحتية استيطانية يهودية جغرافية واقتصادية وسياسية وعسكرية لإنشاء الكيان اليهودي الغريب في أرض فلسطين المباركة .
وفي مساء يوم 14 أيار – مايو 1948 أعلن دافيد بن غوريون ، رئيس منظمة الهاغاناة الصهيونية من على مبنى بلدية تل الربيع اليهودية ( تل أبيب ) على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ، قيام كيان سياسي جديد في فلسطين ، أطلق عليه ( دولة إسرائيل ) في تزييف وتزوير تاريخي وجغرافي وعسكري وسياسي وحضاري وتراثي شامل وجامع لاسم فلسطين الأرض المقدسة مع بقاء أهلها الأصليين فيها رغم الإرهاب والعدوان المتغطرس . وجاء هذا الإعلان التزويري قبل جلاء قوات الاحتلال البريطاني من أرض فلسطين بيوم واحد ، إذ انسحبت قوات الاحتلال البريطاني يوم 15 أيار 1948 وقد أتى هذا الإعلان السياسي والعسكري كنتيجة حتمية لوعد بلفور وزير الخارجية البريطاني إلى اللورد روتشيلد أثرى أثرياء يهود بريطانيا في 2 تشرين الثاني – نوفمبر 1917 الذي نص على إنشاء وطن قومي يهودي بفلسطين ، العربية المسلمة ، لمنافع ومصالح استعمارية بريطانية – صهيونية مشتركة منها إنفاق أموال يهودية على تسليح جيوش الحلفاء ضد دول المحور في الحرب العالمية الأولى ما بين 1914 – 1918 م ، وإحداث تمرد يهودي ضد ألمانيا وأوروبا ، وإبقاء أرض فلسطين مشتعلة الحرب وعدم تمكين العرب من توحيد جناحي الوطن العربي في آسيا وإفريقيا .
واستند بن غوريون في إعلان قيام دولة اليهود ، دولة هرتزل فيما أطلق عليه زورا وبهتانا ( دولة إسرائيل ) إلى الآتي : الحق التاريخي القومي المزعوم علما بأن اليهود عاشوا في جميع أنحاء الأرض وطردوا من فلسطين عام 135 م على أيدي الرومان نهائيا ، وقرار المؤتمر الصهيوني الأول ( بازل ) بسويسرا 1897 ، ووعد بلفور البريطاني لليهود ، وصك الاحتلال ( الانتداب ) البريطاني من عصبة الأمم ، وقرار تقسيم فلسطين الصادر عن الجمعة العامة للأمم المتحدة عام 1947 ، والإرهاب الصهيوني عام 1948 وتشريد وطرد حوالي مليون فلسطيني من أرض آبائهم وأجدادهم ، على شكل نازحين ولاجئين . وهذه كلها قرارات وحيثيات باطلة قانونيا وسياسيا بطلانا مطلقا ، ولا يمكن الاستناد التاريخي أو الديني أو القانوني أو السياسي أو الاجتماعي إليها وعليها بأي حال من الأحوال .

على أي حال ، لقد كانت الخطة الجهنمية الأوروبية اليهودية التي وضع لبناتها الخيالية الأولى تيودور هرتزل ، المؤسس الأول الصهيونية وأباها العلماني ، تقضي بتسمية الكيان اليهودي الجديد ( دولة اليهود ) ، ولا بد من القول ، إن هرتسل كتب كتابه ( دولة اليهود Der Judenstaat ) وليس ( الدولة اليهودية Der Judischestaat ) باللغة الألمانية ، ولا تعني الدولة اليهودية . فهناك فرق بين مصطلح ( دولة اليهود ) والدولة اليهودية . إذ أن دول اليهود تعني كما أراد لها هيرتسل هي : " دولة يظل فيها اليهود أغلبية لها حكم ذاتي فيها، يستطيعون الحياة كما يشاؤون آمنين من المذابح " . أي يقيمون فيها حياة عادية حسبما يريدون ، بينما تعني الدولة اليهودية وهي الترجمة التي يستخدمها الأجانب ( والصهاينة الجدد الآن مثل ايهود أولمرت وبنيامين نتانياهو وتسفي ليفني وأفيغدور ليبرمان من شتى الأحزاب اليمينية المتعجرفة ) أنها دولة يهودية خالصة وهذا ما لا يمكن تصوره أو تحقيقه على ارض الواقع كونه مستحيلا من الأساطير اليهودية الخيالية . ومع مرور ثلاث سنوات على تأليف هرتزل كتابه ( دولة اليهود ) أي في عام 1899 استخدم تيودور هرتزل نفسه الترجمة الفرنسية والإنجليزية للكتاب الذي موله هو ( الدولة اليهودية The Jewish State ) لأسباب تتعلق بسهولة اللغة إضافة للأسباب السياسية بالدرجة الأولى ، حيث لم يوافق اليهود الصهاينة المتدينون إلا على دولة تحكمها التوراة بينما استساغ اليهود العاديين وغير المتزمتين تسمية دولة اليهود .
على العموم ، عندما أراد رئيس الوكالة اليهودية الفعلي دافيد بن غوريون ، وزعيم الهاغاناة اليهودية العسكرية ، وهو أول رئيس وزراء صهيوني للكيان اليهودي الجديد بفلسطين المحتلة إعلان اسم كيانه اليهودي الأوروبي العلماني الاشتراكي الجديد تردد لعدة أيام ، ووردت عدة تسميات من أهمها : دولة اليهود ، أو دولة صهيون ، أو دولة يعقوب ، أو دولة هرتزل ، أو دولة إسرائيل ، أو دولة إبراهام أو ارض الميعاد أو الأرض الموعودة وغيرها ، من مشاريع التسمية السياسية والجغرافية ، ولكن الأمر استقر نهائيا من المجلس التأسيسي على اتخاذ اسم ( دولة إسرائيل ) لعدة أسباب وعوامل جغرافية ودينية وتاريخية من أهمها :
أولا : إن نبي الله ( إسرائيل ) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام جميعا ، سكن بفلسطين الأرض المقدسة ، لفترة من الوقت ، قبل سفره لمصر مع ابنه يوسف وجميع أبنائه وعائلته المؤلفة من 55 فردا ، وإقامتهم الدائمة في مصر حتى وفاتهم جميعا ، حيث مكث بنو يعقوب ( إسرائيل ) 400 عام حتى أخرج أحفادهم نبي الله موسى عليه السلام من تسلط فرعون مصر ، وبالتالي فإنه من السهل حسب الرؤية الصهيونية إقناع يهود العالم بالمجيء على الأرض المقدسة كون إسرائيل عاش فيها جغرافيا برهة من الوقت .
ثانيا : إن إسرائيل نبي من أنبياء الله في فلسطين ومصر ، ورغم علمانية واشتراكية وماركسية الكيان اليهودي الجديد ، إلا أن المعلنين عن الكيان الصهيوني أرادوا استغلال الصبغة الدينية لإسرائيل عليه السلام لجلب اليهود بعشرات ومئات الآلاف لأرض فلسطين العربية المسلمة ونزع إسلامية البلاد وعروبتها .
ثالثا : إن إطلاق أسماء أخرى كصهيون وهرتزل أو أرض الميعاد أو الرض الموعودة بالتوارة وغيرها على دولة اليهود في فلسطين لن يتيح المجال لقادة اليهود في قارات أوروبا وأمريكا وغيرها من تجميع أعداد ضخمة من يهود العالم في المستعمرة اليهودية – الأوروبية – الغربية الجديدة مثلما فشلوا في جعل الأرجنتين أو أوغندا أو قبرص أو سيناء قبلة دينية وسياسية واجتماعية لهم .
رابعا : ومن أجل إضفاء صبغة اقتصادية على الكيان اليهودي الجديد فقد جرى اعتماد التراث العربي الكنعاني الفلسطيني كالعملة الكنعانية ( شاقل ) واطلق عليها آنذاك الليرة لفترة من الوقت ثم اعتمد اسم ( الشيكل أو الشاقل أو الشيقل ) للدلالة على وحدة العملة اليهودية الجديدة . وقد رسم على وحدة العملة الصهيونية لاحقا ( الأغورة ) خريطة جغرافية تضم أجزاء كبيرة من المشرق العربي من فلسطين والأردن وسوريا والجزيرة العربية حتى المدينة المنورة وخيبر جنوبا وحلب وحماة ولبنان شمالا ونهر النيل غربا وكتب عليها ( أرض إسرائيل الكبرى – أرض الميعاد ) وهي المملكة الخيالية المنتظرة ليهود العالم .
خامسا : جرى استعمال ترس أو درع نبي الله داود عليه السلام وهو السداسي الشكل ( النجمة السداسية ) وسط خطين أزرقين ( نهري النيل والفرات ) ، واللون الأزرق يرمز للون السماء ، ولون الماء في النهرين ، وهما تواجد الجاليات اليهودية في العراق ( أرض الرافدين ) عندما تم سبيهم من قبل سرجون الثاني حيث سبى يهود من فلسطين الشمالية ( السامرة ) في جزء من الضفة الغربية اليوم عام 722 قبل الميلاد ، وفي السبي الكبير الثاني ل ( يهودا ) زمن نبوخذ نصر الكلداني البابلي حيث سبى واتخذ حوالي 70 ألف يهودي كعبيد في مملكة بابل القديمة عام 586 قبل الميلاد . وكذلك تواجد اليعقوبيين ( أبناء يعقوب – إسرائيل ) من نسل اسحاق عليه السلام في أرض مصر وعيشهم في أرض النيل . وبهذا فإن الإسقاط الديني والتاريخي والجغرافي الصهيوني لهذه الأسماء على مناطق عربية ما بين نهري النيل والفرات لتشمل ( جزءا من مصر وجميع فلسطين والأردن وجزءا من العراق وسوريا ولبنان ، وجزءا من السعودية ) وإستخدام أنبياء الله ( يعقوب وداود وسليمان – جاكون ودافيد وشلومو ) على التتابع لكسب ود اليهود المتدينين ليقودوا عملية تهجير يهود العالم لما يطلق عليه زورا وبهتانا ( أرض الميعاد أو الأرض الموعودة لنسل إبراهام ) .
وكل هذه الاسقاطات الصهيونية والاستخدامات اليهودية الأوروبية على فلسطين الأرض المقدسة ، العربية المسلمة ، منذ عهد تيودور هرتزل حتى الآن ، هي لذر الرماد في العيون ، وإيجاد كيان يهودي احتضنته الماسونية العالمية ووليدتها الصهيونية بدعم الإمبريالية العالمية ، الأوروبية والأمريكية والسوفياتية ، لتكوين كيان يهودي استعماري ، يعمل على تجميع اليهود ، في قومية وكيانية يهودية جديدة ، تكون يدا طولى للإستعمار الجديد المعاصر بثوب ولباس ديني يهودي مدعوما من إمبراطورايات الشر الغربية البريطانية والأمريكية والفرنسية والسوفياتية بعدها .
على أي حال ، لا يعترف أبناء فلسطين ، وأبناء الأمتين العربية والإسلامية ، دينيا وشعبيا ورسميا ، والسواد الأعظم من دول العالم في الأمم المتحدة البالغة ( 193 دولة ) بالكيان اليهودي – الصهيوني الجديد في فلسطين المحتلة منذ إنشائه ككيان استعماري حتى الآن للأسباب الآتية :
أولا : إن إسرائيل ، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام جميعا ، هو نبي ابن نبي ابن نبي ، وجلهم أنبياء مسلمون ، وكلمة ( إسرائيل ) تعني عبد الله ، والمسارعة في فعل الخيرات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والكيان اليهودي المعلن فوق التراب الوطني الفلسطيني ، هو كيان إلحادي لا ديني ، لا يعترف بوحدانية الله التي دعا إليها نبي الله إسرائيل ، ويقوم على الاستغلال والقهر والظلم وعالم المافيا والزنا واللواط والمخدرات وبالتالي فمن الناحية الإسلامية الدينية لا يمكن المسلمين والعرب أن يعترفوا بهذا الكيان الاستعماري الغاصب . وعلى العكس من ذلك فإن المسلمين يجلون جميع أنبياء الله ورسله . يقول الله السميع البصير جل وعلا : { آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)}( القرآن المجيد ، البقرة ) . وجاء في صحيح البخاري - (ج 11 / ص 183)
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمْ السَّلَام " .
ثانيا : إن نبي الله يعقوب ( إسرائيل ) لم ينشأ كيانا يهوديا في الأرض المقدسة ، طيلة حياته ، بل هاجر مع أبنائه لمصر وعاش فيها حتى مماته ، ودفن في ارض مصر ، وبالتالي تعتبر عملية إنشاء كيان جديد باسمه هرطقة دينية واجتماعية ونفسية ، لا تقوم على إسناد تاريخي أو قومي بل هي نزوة استعمارية استغلت الدين اليهودي بشكل فظ وغير مسبوق .
ثالثا : إن آل إسرائيل القدماء ، قد هلكوا وانتهوا ولم يدخلوا فلسطين ( الأرض المقدسة ) ، زمن موسى وهارون ابنا عمران عليهما السلام ، وعندما دخل بنو إسرائيل بقيادة يشوع بن نون لفترة تاريخية بسيطة ثم أقام يهود من بني إسرائيل الموحدين لله جل جلاله مملكة داود وسليمان ، انتهوا وطردهم الرومان عام 135 م ولم يبقى لهم باقية ، بل هاجروا على بحر الخزر حيث أقاموا كيانا يهوديا لهم هناك ، ويهود فلسطين المحتلة الآن الذين يطلقون على أنفسهم زورا وبهتانا ، سكان ( دولة إسرائيل ) هم من بقايا يهود الخزر في سيبريا ولا يمتون أو ينتسبون لبني إسرائيل الأصليين بصلة دم أو قرابة أو عنصر أو جنس أو دين .
يقول الله الغني الحميد جل في علاه : { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) }( القرآن المجيد ، المائدة ) .
رابعا : إن يهود فلسطين المحتلة الآن هم في السواد الأعظم من اليهود الاشتراكيين والعلمانيين الروس والأوروبيين والإفريقيين والإيرانيين والعرب والآسيويين واللاتينيين والأمريكيين ، ولا يعيرون الدين اليهودي أي اهتمام ، بل جاؤوا لمنافع ومصالح اقتصادية وعسكرية وسياسية استعمارية للتسلط على الآخرين وهم أبناء فلسطين الأصليين .
وغني عن القول ، إن التمكين الرباني هو لعباده المتقين الأخيار كمثل يعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان وليس لغيرهما من بني يعقوب ( إسرائيل ) فتفحصوا هذا الكلام الإلهي الجليل عن يوسف وإخوته : { لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10) قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14)}( القرآن الحكيم ، يوسف ) .
وجاء في آيات قرآنية كريمة أخرى : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)}( القرآن الكريم ، يوسف ) .
خامسا : هذا الكيان اليهودي الصهيوني دعا لإنشائه يهودي علماني أوروبي غريب عن فلسطين وقارة آسيا برمتها ولم يزرها إلا مرة واحدة طيلة فترة حياته ، حيث جاء سائحا أوروبيا . واقترح اسم ( دولة اليهود ) وليس اسم إسرائيل ، على الكيان المصطنع الحديث ، ليكون حديث الناس والإعلام والسياسيين . فإذا كان كبير الصهاينة الذي علمهم السحر وارتكاب المعاصي والكبائر والآثام ، واصفا أنبياء ورسل الله بصفات قاذعة ومجحفة ، لا يعترف بإسرائيليتهم فكيف للعرب والمسلمين والفلسطينيين أن يعترفوا بهذه الإسرائيلية المصطنعة الحديثة المحدثة المزيفة ؟؟؟
سادسا : لقد انتهت عملية تفضيل بني إسرائيل القدماء على العالمين حيث مسخ الله القوي الجبار القهار يهود إلى قردة وخنازير ، وبهذا فلم يعد لهم وجود ديني وأخلاقي وتاريخي رسالي في فلسطين زمن تكريم أنبياء الله المسلمين ، من نسل اسحاق ويعقوب حتى الآن ، وجاء التكريم الإلهي النهائي لخير أمة أخرجت للناس وهي الأمة الإسلامية .
يقول الله ذو الجلال والإكرام سبحانه وتعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)}( القرآن العظيم ، البقرة ) .
ويقول الله العلي العظيم تبارك وتعالى : { قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88)}( القرآن المجيد ، آل عمران ) .
سابعا : إن نسل بني إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ، ومنه حفيدهم رسول الله المصطفى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، هم ورثة الأنبياء وورثة الرسالة الإسلامية الصحيحة فهم أمة التوحيد ، وقد نسخ الإسلام العظيم جميع الديانات السابقة وألغى القرآن المجيد جميع الكتب السماوية السابقة كالتوراة والزبور وصحف إبراهيم وموسى ، والإنجيل وغيرها ، وهي الكتب السماوية التي أدخلت عليها عمليات التحريف والتزييف دون وجه حق ، فالإسلام هو دين الله الخالد على يوم القيامة يوم الحساب العظيم . يقول الله الحي القيوم : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)}( القرآن العظيم ، آل عمران ) .
ثامنا : ومن الناحية التاريخية الأثرية لم يثبت ولم يتم اكتشاف بقايا أثرية يهودية تعطي الدلائل والبراهين على أحقية اليهود الصهاينة في الأرض المباركة ، ولغة حق القوة تختلف عن لغة قوة الحق التي يمتلكها العرب والمسلمون ومن بينهم أهل فلسطين الأصليين .
لقد وردت هذه الآيات القرآنية الحكيمة ، حيث توحي لنا جميعا بضرورة إتباع الإسلام العظيم والإيمان بالله خالق الخلق أجمعين ، لنيل الرضا الرباني ودخول جنات النعيم . يقول الله الحميد المجيد عز وجل : { وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141) }( القرآن المجيد ، البقرة ) .
وبهذا نقول ، إننا كفلسطينيين وعرب ومسلمين ، نؤمن بأن الله هو الواحد الأحد ، وأن ارض فلسطين هي الأرض المقدسة ، أرض الأنبياء والمرسلين ، أرض الإسراء والمعراج ، وارض المحشر والمنشر ، وارض تلاقي الحرب العالمية الأخيرة ، وأن المسيح عيسى بن مريم سيقتل المسيخ الدجال في مدينة اللد بفلسطين ، وأن الحق سينتصر على الباطل ، وأن مملكة بني صهيوني الحالية ، هي مملكة خاطئة ، ستزول إن عاجلا أم آجلا ، وما ذلك على الله ببعيد ، بل هي نهاية حتمية آتية لا ريب فيها ، وأن مملكة اليهود المزيفة التي يطلق عليها غربيا واستعماريا ( دولة إسرائيل ) بالأرض المقدسة ، أرض الأنبياء والمرسلين ، هي كيان استعماري مصطنع ، يعيش فيه 5.3 مليون عربي فلسطيني ( مسلم ونصراني ) من أهل البلاد الأصليين ، وهو حق أبدي وأزلي لهم ، ويقطن فيه 5.6 مليون يهودي مستعمر طارئ ، من أصل 15.5 مليون يهودي في العالم ، ويشتغل فيه حوالي 400 ألف أجنبي أوروبي وصيني وروسي وكوري وتايلندي وهندي وغيرهم ، من الوثنيين والملحدين ومن شتى المذاهب والملل والنحل العالمية ، وبهذا اقتربت نهايته ، بالدلائل والبراهين الحالية ، فمن يسيطر على هذا الكيان الصهيوني من الأقليات العنصرية القومية الأوروبية والأمريكية ، المسنودة والمحشوة بخشبة وسلاح وذخيرة الاستعمار الأمريكي والأوروبي الحديثة ، ستهوى في أسفل سافلين ، هم من الكفرة الفجرة من 102 دولة في العالم ، ويتحدثون 83 لغة من لغات العالم ، وبالتالي فهذا التجميع اليهودي الاستعماري هو تجميع اقتصادي وعسكري واجتماعي فظ لا يمكنه الاستمرار بأرض الغير ، في فسيفساء متباينة متلاطمة الأمواج والأماني والطموحات وستكون نهاية الظالمين من المحتلين الصهاينة قريبة لا محالة بإذن الله مالك الملك ذو الجلال والإكرام . يقول الله العليم الحكيم جل شأنه : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)}( القرآن العظيم ، الأعراف ) .
ويقول الله الغني الحميد جل ثناؤه : { وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) }( القرآن المجيد ، الأعراف ) .
ولا شك بأن كل من يعترف بالكيان الصهيوني – اليهودي ب ( دولة إسرائيل ) أيا كان دينه أو جنسه أو عرقه أو موطنه ، أو أصله الاجتماعي ، أو اللغوي ، فهو يشهد شهادة زور ، وهي من الكبائر الكبيرة الموبقة إسلاميا . فقد جاء في صحيح البخاري - (ج 18 / ص 372) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ " .
وليعلم الجميع ، شاء من شاء وأبى من أبى ، أن الأرض المباركة فلسطين هي مركز ونواة الدولة الإسلامية في نهاية الزمان ، وأن دولة الاحتلال الصهيونية اليهودية الخاطئة زائلة لا ريب فيها ، ولا نشك بذلك شكا بسيطا ، بل هي يقينا ميقنا مؤزرا إن شاء الله وسيأتي إليها المسلمون فاتحين ولو بعد حين ، فانتظروا إنا منتظرون . فأقرؤوا إن شئتم كما جاء في مسند أحمد - (ج 45 / ص 471) عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ زُغْبٍ الْإِيَادِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ : نَزَلَ عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوَالَةَ الْأَزْدِيُّ فَقَالَ لِي وَإِنَّهُ لَنَازِلٌ عَلَيَّ فِي بَيْتِي بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَقْدَامِنَا لِنَغْنَمَ فَرَجَعْنَا وَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا وَعَرَفَ الْجَهْدَ فِي وُجُوهِنَا فَقَامَ فِينَا فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تَكِلْهُمْ إِلَيَّ فَأَضْعُفَ وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى النَّاسِ فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ لَيُفْتَحَنَّ لَكُمْ الشَّامُ وَالرُّومُ وَفَارِسُ أَوْ الرُّومُ وَفَارِسُ حَتَّى يَكُونَ لِأَحَدِكُمْ مِنْ الْإِبِلِ كَذَا وَكَذَا وَمِنْ الْبَقَرِ كَذَا وَكَذَا وَمِنْ الْغَنَمِ حَتَّى يُعْطَى أَحَدُهُمْ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَسْخَطَهَا ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي أَوْ هَامَتِي فَقَالَ : " يَا ابْنَ حَوَالَةَ إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ فَقَدْ دَنَتْ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَايَا وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ إِلَى النَّاسِ مِنْ يَدَيَّ هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ " .
وكما ورد بمسند أحمد - (ج 45 / ص 281) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ " .
وجاء في صحيح مسلم - (ج 14 / ص 140) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ " .
والله ولي التوفيق . نترككم في أمان الله ورعايته . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الجمعة، 2 أكتوبر 2009

تحرير أسيرات فلسطين من سجون الاحتلال الصهيوني

تحرير أسيرات فلسطين

من سجون الاحتلال الصهيوني

2 / 10 / 2009


د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
فلسطين العربية المسلمة

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)}( القرآن المجيد ، يوسف ) .
وجاء في صحيح البخاري - (ج 10 / ص 257) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فُكُّوا الْعَانِيَ يَعْنِي الْأَسِيرَ وَأَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ" .

في خطوة مفاجئة للجميع ، مرنة وغير منتظرة بهذه الطريقة ، وبهذا الإخراج الفني والسياسي الدقيق ، وبعد طول انتظار ، تمت عملية تبادل جزئية بين المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة حماس ، وحكومة الاحتلال الصهيوني شملت 20 أسيرة فلسطينية ، من عدة حركات وفصائل فلسطينية مجاهدة إسلامية ووطنية مقابل شريط فيديو يمتد لأكثر من دقيقتين زمنيتين ، خرجت بموجبها بعض الأسيرات الماجدات الفلسطينيات اللواتي تعرضن للقهر والظلم الصهيوني وعاشت حياة أسرية غير طبيعية في سجون الاحتلال الصهيوني ، صودرت فيها حريتهن ، ودفعن ضريبة السجن والاعتقال وأطلق على هذه العملية التحريرية ( صفقة الحرائر – حرائر فلسطين ) وتستحق هذه التسمية الطيبة .
لقد تمت صفقة غلعاد شاليط المصورة عبر عشرات الثواني من تصوير فيديو مقابل حرية بعض أسيراتنا المسلمات الفلسطينيات المجاهدات المرابطات القابضات على الجمر . هذه الحادثة تذكرنا بطلب المرأة المسلمة النجدة من خليفة المسلمين المعتصم في حاضرة الرافدين ببغداد الأبية ، فقالت ( وامعتصماه .. وامعتصماه ) فكانت الاستجابة الفورية مع الفرق في الزمان والمكان وتجييش الجيوش ، وإستكانة البعض للذل والخنوع وعدم تلبية استغاثة ونجدة الفلسطينيات الماجدات المدافعات في الصف الأول من جمع المجاهدين ، بالقلب واللسان والكلمة واليد .
وللتذكير ، هجمت مجموعة إسلامية فلسطينية متعددة الأجنحة العسكرية ، مؤلفة من 3 حركات مقاومة على معسكر صهيوني قرب قطاع غزة ، مكونة من عناصر من كتائب الشهيد عز الدين القسام ، وألوية الناصر صلاح الدين ، وجيش الإسلام في عملية الوهم المتبدد في 25 حزيران 2006 ، فقتلت جنديين يهوديين وجرحت آخرين ، وأسرت الجندي اليهودي غلعاد شاليط ، ذو الجنسيتين الفرنسية والإسرائيلية ، واحتفظت به منذ ذلك التاريخ حتى الآن ، لتستثمره في عملية تبادل جزئية بانتظار عملية التبادل الكبرى في وقت لاحق إن شاء الله تبارك وتعالى .
لقد جاءت هذه الصفقة الجزئية ، بين المقاومة الفلسطينية ، لتخرج 20 أسيرة فلسطينية ( أسيرتان اثنتان من قطاع غزة المحاصر و18 أسيرة من الضفة الغربية المحتلة ) من خلف قضبان الأعداء ، أعداء الله ، وأعداء الإنسانية ، وأعداء الحرية ، وأعداء الشعب الفلسطيني ، لتؤكد مرة أخرى ، استطاعة المقاومة تحقيق ما لم تستطع ولن تستطيع المفاوضات العبثية الثنائية أو المتعددة مع الكيان الصهيوني من إخراج أسرى أو أسيرات من براثن الاحتلال الهمجية الوحشية ، في هذا الوقت بالذات ، وكذلك تعيد التأكيد على أن عملية التبادل ما كانت لتتم لولا إصرار المفاوضين المخلصين للأسرى ، ودخول الوساطة الألمانية الصادقة الطيبة ، كما أنجزت صفقة التبادل بين حزب الله في لبنان ، والحكومة الصهيونية في تل أبيب ، ورغم الوساطة المصرية الفاشلة التي بدأت منذ أمد بعيد ، كانت بعيدة عن تحقيق أماني وطموحات الأسرى وذويهم وشعبهم الفلسطيني العربي المسلم ، وكنا نتمنى أن لا تقبل مصر بالتوسط ، فهي غير مؤهلة لذلك لعدة أسباب وعوامل موضوعية وذاتية ، داخلية وخارجية وإقليمية ، ولا تتمتع بالثقة الشعبية الفلسطينية ، وكذلك لا تتمتع بالأهلية السياسية والدبلوماسية لما تم تحقيقه يوم الجمعة 13 شوال 1430 هـ / 2 تشرين الأول – اكتوبر 2009 ، حيث خرجت 20 حرة من حرائر فلسطين الماجدات من براثن الظلم والوحشية والعنجهية الصهيونية .
وهذه الصفقة التبادلية الفلسطينية – الصهيونية بوساطة ألمانية حقيقية ، رأت النور في يوم الجمعة المباركة ، لتقبل شفاه بنات فلسطين الحرية ، وأرض فلسطين الأبية ، والأهل والإخوة وتصافح أرواحهن أرواح الأسيرات الباقيات في السجون العنصرية الصهيونية ، وأرواح الشهيدات الفلسطينيات في جنات النعيم في الفردوس الأعلى عند رب العالمين ، بعيدا عن المنغصات والمعوقات الصهيونية اللئيمة ، التي احتجزت أجساد الفلسطينيات الماجدات اللواتي رفضن الذل والمهانة ، وسطرت بحياتهن بعض أمجاد المقاومة الجسورة الإسلامية والوطنية ، فقد ضمت هذه الكوكبة من حرائر فلسطين المفرج عنهن : 4 أسيرات من حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) و5 أسيرات من حركة التحرير الوطني الفلسطيني ( فتح ) ، و3 أسيرات من حركة الجهاد الإسلامي ، و7 أسيرات مستقلات ممن قاومن الاحتلال الهمجي الوحشي الصهيوني لأرض فلسطين العربية المسلمة .
ومهما يكن من أمر ، كانت ثمن هذه الصفقة على الجانب الصهيوني هو معرفة مسألة حياة أو موت غلعاد شاليط ، والإطمئنان على صحته ، بعد جرحه أثناء اقتياده مخطوفا لقطاع غزة ، في زنزانة أو سجن فلسطيني هو الأول من نوعه عبر التاريخ المعاصر ، إذ لم تستطع آلة الحرب الصهيونية البرية والجوية والبحرية من معرفة مكان وجود وإخراجه من الأسر بالطرق الوحشية الإرهابية والمخابراتية الخبيثة ، فاضطرت قيادة الاحتلال الصهيوني بزعامة الليكودي اليهودي المتطرف بنيامين نتانياهو رئيس حكام تل أبيب خاصة والكيان الصهيوني عامة ، لاختصار الطريق وإلهاء قوات الاحتلال الصهيوني وإرضائهم بالاطمئنان على مصير غلعاد شاليط كجند من جند الظلم والظلام الصهيوني في أرض فلسطين الطيبة . فخرج غلعاد شاليط عبر شريط فيديو فلسطيني ببزة عسكرية خضراء كناية عن وضعه العسكري ، كأسير حرب ، وهو يبتسم ، وبيده صحيفة ( فلسطين ) يوم 14 أيلول - سبتمبر 2009 فقرأ رسالته ثم وقف على كرسيه في نهاية الشريط المتلفز وسط هلام فضائي مبهم .
على العموم ، تمثلت استغاثة الأسيرات الفلسطينيات الماجدات ، ب : ( واإسلاماه .. واعروبتاه وافلسطيناه .. وامقاومتاه .. واإنسانيتاه ) وهن يصرخن بملء الفم ، من وراء القضبان اليهودية – الصهيونية المتعجرفة ، فجاءت تلبية النداء المبحوح من خلف قضبان النذالة والاستغلال والقهر السياسي والاجتماعي والنفسي ، استجابة نصر مؤزر ، وفخر وعز وكرامة إسلامية وقومية ووطنية وإنسانية مشهودة ، فخرجت بعض أسيرات فلسطين رافعات رؤوسهن ، من سياط الجلادين الصهاينة ، من يهود فلسطين ، الطارئين على بلاد كنعان ، الأرض المقدسة .. فكسر القيد إذ أنه لا بد للقيد أن ينكسر ولو بعد حين ، وجاء هذا الحين ، من أحايين الفرح والسعادة ، الممزوجة بالحزن والبكاء وتساقط الدموع فرحا وبهجة للخارجات من السجن وللباقيات في السجن على السواء ، في ثنائية فلسطينية غير مسبوقة ، بهذه الدرجة من الحماسة والشجاعة والعنفوان ، وخرجت الحرائر لمشاهدة سماء فلسطين ، وأرض فلسطين المباركة ، بعزة وكرامة وشموخ إسلامي مشهود .
لقد تعودت الأسيرات والأسرى من أهل البلاد الأصليين ، أن الخروج من براثن المعتقل والسجن تكون بعد إنتهاء فترة الحكم الصهيوني العسكري الخيالي ، وهذه المرة كانت حالة استثنائية لخروج 20 أسيرة فلسطينية من حرائر فلسطين الشريفات ، تم تأجيل تحرير الأسيرة العشرين منهن ( روضة حبيب ) ليوم الأحد 4 تشرين الأول 2009 ، أي بعد يومين من الإفراج عن الأسيرات التسعة عشرة أسيرة ، بعملية تبادل فريدة من نوعها وشكلها ومضمونها ، فكان الثمن شريط مدته دقيقتين للجندي اليهودي المختطف جندي الدبابة الصهيونية غلعاد شاليط ، مقابل حرية أسيرات فلسطينيات في يوم مباركة بساعة مباركة ، لتنسم نسيم هواء الحرية العليل . وتأتي عملية تأجيل تحرير الأسيرة روضة حبيب ، ليومين لشد الأعصاب وتوتير الأجواء وإنقاص فرحة صفقة الحرائر الفلسطينيات ، والاحتلال كعادته يفتعل توتير الأجواء والحرب النفسية ولكن أساليبه الجهنمية الخبيثة الشيطانية مفضوحة ومكشوفة للجميع .

وفيما يلي أسماء الأسيرات الفلسطينيات المحررات من السجون الصهيونية يوم الجمعة 2 تشرين الأول 2009 : زهور حمدان ، آيات القيسي، روجينه جناجرة، ريما أبو عيشة ، صمود عبد الله ، ليلى البخاري ، كفاح بحش ، لنان أبو غلمة ، من نابلس ، ميمونه جبرين ، سناء صلاح حجاجرة ، نيفين دقة، من بيت لحم، شرين محمد حسن، منال سباعنة، من جنين، هيام بايض، ناهد دغرة، براءة ملكي ، من رام الله، نجوي عبد الغني، من طولكرم. هبة النتشة، جهاد أبو تركي ، من الخليل، وفاطمة الزق وطفلها يوسف من قطاع غزة.
ومن ضمن الأسيرات المحررات ، لقد خرجت الأسيرة فاطمة الزق ، من غزة هاشم ، وطفلها يوسف ( السجين الصغير ) الذي أنجبته في زنازين الاحتلال بعدما كانت حاملا في الشهر الثاني لدى اعتقالها في 17 آب 2008 ، خرجا من سجون الاحتلال الصهيوني المجرمة ، فكانت الحرية مضاعفة ضعفين اثنين ، للأسيرة الماجدة فاطمة ، وللفطيم يوسف أسير الحرية ، منذ ولادته فصرخ صراخا عظيما أن لا بد له من استنشاق نسيم الحرية في حضن والده ووالدته وأقربائه وأحبابه ، وممارسة طفولته البريئة في أرض وسماء غزة هاشم الأبية مثله مثل بقية أطفال شعبة المكلوم ، فاستجاب لهما الخالق سبحانه وتعالى ، من فوق سبع سماوات طباقا ، فخرجا من خلف القضبان الحديدية القذرة ، لينالا حريتهما بعد حين من السجن ، فجاءت الأيام الخضراء بدلا عن الأيام الزرقاء ، ومحيت سنوات السجن العجاف .
فمليون تحية وتحية ، لجميع أسرى وأسيرات فلسطين ، فردا فردا ، أسيرا أسيرا ، وأسيرة أسيرة ، في معتقلات وسجون الاحتلال الصهيوني ، وبالصبر والمصابرة والمرابطة ، ستخرج إن شاء الله العلي العظيم ، كوكبة تلو كوكبة من أسرى الحرية في سجون الأعداء ، لتنسم هواء الحرية ، وأكسجين الحياة الدافئة ، البعيدة عن جراثيم وميكروبات السجون الصهيونية .
فتهنئة حارة وتحيات طيبة مباركة ، إسلاميا وإنسانيا ، لأخواتنا الكوكبة الجديدة من الأسيرات الماجدات المحررات من بنات فلسطين ، راجين من الله العلي العزيز الحكيم ، أن يفرج هموم وغموم بقية الأسيرات الفلسطينيات وأسرى فلسطين والوطن العربي في سجون الاحتلال والمحتلين اليهود ، البالغ عددهم حوالي 11 ألف أسيرة وأسيرة ، منهم وزراء سابقين ونواب حاليين في المجلس التشريعي الفلسطيني ، الذين سطروا ملاحم الحرية ، ولا زالوا ينتظرون فرج الله بالإفراج عنهم من غياهب سجون الاحتلال الصهيوني قريبا ، بعون الله الحي القيوم .
وختاما نقول ، لقد جاءت عملية ( صفقة حرائر فلسطين ) استجابة لنداء نبوي شريف دعا به المصطفى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث جاء في صحيح البخاري - (ج 16 / ص 164) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " فُكُّوا الْعَانِيَ وَأَجِيبُوا الدَّاعِيَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ " . فأتت عملية فك كوكبة نسائية طيبة من العانيات الأسيرات المرابطات من إناث فلسطين الطاهرات الماجدات بشكل مفاجئ ، من حيث لم يحتسبن ولم يحتسب شعب فلسطين الأصيل في الأرض المقدسة . فطوبى للمحررات الفلسطينيات ، وأياما هادئة وهانئة نرجوها لهن في أرض فلسطين الطيبة المباركة وفي ظل التآلف والتكاتف الأسرى والشعبي والرسمي الفلسطيني ، بعيدا عن قضبان وتعسف الاحتلال الصهيوني الوحشي .

والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


البدائل الإسلامية للربا ..من الحلال وبالحلال وللحلال .. اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

البدائل الإسلامية للربا ..
من الحلال وبالحلال وللحلال

اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

د. كمال إبراهيم علاونه
الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
أستاذ المعاملات المالية في الإسلام
فلسطين العربية المسلمة
يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) }( القرآن المجيد ، البقرة ) . وجاء في صحيح البخاري - (ج 19 / ص 9) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ " .
تنتشر في العالم مئات آلاف المؤسسات الربوية في شتى قارات الكرة الأرضية ، التي تتعامل مع الإنسان باحتقار مالي ونفسي ، وترغبه في الميل والقبول والخنوع للاستغلال الاقتصادي ، وتخترق هذه المؤسسات أو المصارف المالية أعماق الحاجة المالية للإنسان فيلجأ لها قسريا نظرا لحاجته الماسة للمال النقدي أو العيني أو طوعيا لتضخيم ممتلكاته وأمواله بشكل سريع بالاعتماد على أموال الآخرين . وتستغل البنوك أو المؤسسات المالية الصغيرة أو المتوسطة أو الكبيرة حاجة الناس للمال فتضع لهم جميع وسائل الترغيب للحصول على أموال ليست أموالهم ، بدعاوى الاستثمار والتشغيل الاقتصادي الاستهلاكي أو الإنتاجي . فيقع الإنسان فريسة سائغة للأكل في بطون هذه المؤسسات عندما يلجأ لها ، فلا ترحمه وتظهر له ما لا تبطنه ، فتبين وتروج نفسها بأنها تريد مساعدته وتحقيق رغباته التطويرية واالإزدهار والوقوف بجانبه ، وهي في حقيقة الأمر تريد مص دمه واستغلاله أبشع إستغلال . ولهذا فقد منع وحرم الله الغني الحميد على عباده التعامل بالربا بالاتجاهين ، لآخذ أموال الربا ولمعطيها ، فالله هو خالق الخلق أجمعين ، ويريد تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية بين البشر ، ولا يريد أن يكون هناك طرفا ظالما وطرفا مظلوما بأي حال من الأحوال . واللجوء للتعامل بالربا هو ظلم مجحف بحق آخذ المال ، واستغلال دون وجه حق . وقد نهت التعاليم الإلهية العظيمة عبر التاريخ من خلال بعث الأنبياء والرسل لأقوام معينين في أزمان محددة ، وجاء الإسلام العظيم كرسالة خاتمة وناسخة لجميع الرسائل الربانية للأقوام السابقة في القرون الخالية ، وحرم الربا تحريما قطعيا بصورة واضحة لا لبس فيها ، كونه تولد الحسد النفسي والحقد الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي والقهر السياسي والمعنوي ، والمنافسة غير الشريفة ، واستغلال حاجة الإنسان لأخيه الإنسان . وجاء النهي والحض الإسلامي القويم للجميع بلا استثناء بضرورة عدم تعاطي الربا تحت أي ظرف من الظروف العادية ، وطلب من الذين يتعاطون الربا من الجانبين تسوية أمورهم والابتعاد عن الربا كليا . والإسلام إذ يمنع ويحرم الربا تحريما قطعيا فقد أوجد البدائل الشرعية التي لا تظلم ولا تغبن المحتاج للأموال ، وهي طرق متعددة للكسب الحلال ، بعيدا عن شر أشرار المرابين ومن والاهم .
وقد حرم الله الربا على جميع الأمم والشعوب عبر القرون الخالية . يقول الله الرزاق ذو القوة المتين سبحانه وتعالى : { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162) }( القرآن العظيم ، النساء ) .
على أي حال ، إن من أهم بدائل الربا في الإسلام الآتي :
أولا : البيع والشراء : تتمثل بممارسة مهنة البيع والشراء ، سواء ميدانيا بشكل فردي أو جماعي عبر الشراكة الجماعية ، أو عبر فتح المحلات التجارية في الأسواق بمشاركة آخرين ، ووفق أسس المضاربة أو المشاركة في الربح والخسارة ، أو الاستفادة من الأرباح المتأتية عن عمليات البيع والشراء . يقول الله السميع العليم : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)}( القرآن المجيد ، البقرة ) .
ثانيا : العمل اليدوي أو العقلي أو كليهما : يتمثل ذلك بتقديم خدمة عضلية أو عقلية أو استشارية أو كلها مجتمعة في توفير المال عبر الالتحاق بفرص العمل المشروعة إسلاميا ، كالوظائف في الوزارات والشركات والمؤسسات ، والعمل اليدوي في المصانع والمنشآت الاقتصادية حيث يتقاضى الإنسان معاشا أو راتبا شهريا يستطيع عبره توفير مستلزمات الفرد والأسر خاصة وعامة ، دون اللجوء لمتاهات الربا أو وسائل الكسب غير المشروع .
ثالثا : الإدخار وتوفير الأموال : فمن خلال إدخار الفرد أو الجماعات لجزء من الأموال التي يتقاضونها يوميا أو أسبوعيا أو شهريا أو سنويا ، بعد تقديم للعمل والتفاهم والتعاون فيما بينهم لإنشاء مشاريع استهلاكية أو استثمارية أو إنتاجية في جميع أجنحة الاقتصاد المتعددة دونما الحاجة لاستعمال المال الحرام ، المعروف بالربا المقيت .
رابعا : القرض الحسن . وهو استلاف مبلغ من المال من الأقرباء والأصدقاء والأحباء بلا فائدة أو زيادة ربوية ثم إعادته لأصحابه لاحقا . يقول الله العزيز الوهاب : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) }( القرآن المجيد ، البقرة ) .
خامسا : تقسيط المشتريات : وهو من باب التيسير لا التعسير في حياة المسلمين . فإذا كنت أخي المواطن .. اختي المواطنة .. موظفا أو عاملا أو حرفيا أو مواطنا عاديا ، فلا تذهب للبنوك والمؤسسات الربوية الرأسمالية الجشعة ، التي تفتتح المكاتب المنمقة لها ، في هذا الحي من المدينة أو ذاك ، وإذا احتجت لشراء اثاث أو سيارة أو أدوات كهربائية أو إنشاء بيت للأسرة أو غير ذلك ، فاستعن بسياسة التقسط في الشراء بالاتفاق مع صاحب الشأن ولا مانع أن تستعين بالشيكات في البنوك غير الربوية لطمأنة البائع ، وكن صادقا في أقوالك وأفعالك لتنال رضى الله أولا ثم رضى وموافقة وثقة البائع ثانيا وتصبح امينا وصادقا في تسديد التزاماتك المالية تجاهه ، فذلك أفضل لك من اللجوء للبنوك والمؤسسات والجمعيات الربوية بألف مرة ، حيث لا تزيد عليك أثقال الديون وهمومها بالليل والنهار وفروق العملة المتقلبة في البلاد ، وتتضاعف في حال كونها أموال ربوية .
سادسا : إنشاء وتفعيل البنوك الإسلامية : في سنوات العقد السابع من القرن العشرين الماضي ، تم تأسيس أو بنك إسلامي هو البنك الإسلامي للتنمية ، وهدفه تقديم الأموال بطرق شرعية إسلامية للمحتاجين لهذا المال . وقد أخذت المصارف الإسلامية تنتشر بسرعة في شتى أنحاء العالم ، لتقدم خدمات مالية للأفراد والجماعات والشعوب والأمم جليلة بصورة شعرية لا تستند إلى الاستغلال الاقتصادي أو الظلم الاجتماعي ، وتستخدم هذه البنوك الإسلامية العصرية طرق المرابحة والمضاربة والمشاركة للاستغناء عن الأموال الحرام التي قد يحتاجها الفرد بين الحين والآخر .
سابعا : إيتاء الزكاة : فلتقليل حاجة الناس للمال من الفقراء والمحتاجين والمعوزين ، فرض الله سبحانه وتعالى فريضة الزكاة كركن أساسي من أركان الإسلام الخمسة . وهذه العبادة المالية تغني كثيرا من الناس من اللجوء لأساليب الباطل الشيطاني باللجوء للتعامل بالربا المحرم في العقيدة الإسلامية السمحة . وفي حال تأدية الزكاة ممن يملك نصاب الزكاة على المستوى المجتمعي والعالمي للمسلمين ، فإن حاجة المسلمين تقل للمال ، ويتم توفير مصدر دخل لمن يتعرض لأزمات مالية أو اقتصادية طارئة أو عادية . يقول الله العزيز الوهاب : { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)}( القرآن العظيم ، الروم ) . ويقول الله مالك الملك جل شأنه : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)}0 القرآن العظيم ، التوبة ) .
ثامنا : إخراج الصدقات : ويكون ذلك بالعمل الإسلامي على إخراج الصدقات المالية المقصود بها التقرب لله جل جلاله ، ومساعدة الآخرين ، ماديا ومعنويا ، وترغيبهم في الرسالة الإسلامية السمحة القائمة على التكامل والتكافل الإسلامي المنتظم . وهذه الصدقات تغني الكثير من الناس من الفاقة والعوز وطلب المال الحرام ، سواء عبر السرقة أو إغتصاب أموا الآخرين أو اللجوء لممارسة القمار والميسر أو الربا . يقول الله العظيم الحليم سبحانه وتعالى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)}( القرآن المجيد ، التوبة ) . وجاء في صحيح البخاري - (ج 4 / ص 26) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ تُلْقِي الْمَرْأَةُ خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا . وورد في صحيح البخاري - (ج 10 / ص 58) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدْ اضْطَرَّتْ أَيْدِيَهُمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا فَكُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَتِهِ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ وَكُلَّمَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ انْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا وَتَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ فَسَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلَا تَتَّسِعُ " .
تاسعا : الهبات والتبرعات : وتتمثل بتبرع المسلم لأخيه المسلم لسد حاجته من المال ، والإنفاق المالي الإسلامي عبر هذه التبرعات أو الهبات معروفة زمن صدر الإسلام الأول كحادثة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة . حيث تبرع كل إنصاري بنصف ما يملك من أموال وأطيان وعقارات لأخيه المسلم المهاجر من مكة المكرمة ، وهي عبرة تاريخية عظمى لمن يرغب في تعزيز الدور الإسلامي في المجتمع المحلي والإقليمي والعالمي . وفي الوقت الحاضر ، يمكن أن تكون التبرعات المالية أو النقوط المالي للأزواج أو خريجي الثانوية العامة أو العاطلين عن العمل أو المرضى وغيرهم من الفئات الاجتماعية ، تحل مشكلة جزئية أو كلية في حال كانت هذه التبرعات والهبات المالية مجزية ، ويثاب فاعلها من رب العالمين . يقول الله ذو الجلال والإكرام : { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) } ( القرآن الكريم ، البقرة ) .
عاشرا : توزيع الميراث : عند توزيع الميراث يفترض توزيع جزء من التركة على فئات محتاجة ، يقول الله عز وجل : { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)}( القرآن الحكيم ، النساء ) . وورد في سنن الترمذي - (ج 7 / ص 50) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اعْبُدُوا الرَّحْمَنَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَأَفْشُوا السَّلَامَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ " .
حادي عشر : جمعيات التسليف العامة والمتخصصة : تتمثل هذه الطريقة في إنشاء مؤسسات مرخصة أو مؤسسات اجتماعية عادية في الوزارات والمؤسسات والأحياء والقرى والمدن والمخيمات بين الأصدقاء ، وذلك بغية توفير المال لمن يحتاجه ، فيدفع المشترك في هذه الجمعية أو الهيئة أو الجماعة الاجتماعية ، مقدارا معينا متفقا عليه من المال أسبوعيا أو شهريا أو موسميا ، ويتم تداور هذه الأموال ، بين أعضاء هذه الدائرة الاجتماعية ، والجميع يصله دور تجميع الأموال شهريا أو حسب الاتفاق . وهي طريقة إسلامية عصرية مقنعة في الاستغناء عن اللجوء للمال الحرام المتمثل بالربا . وهذا النوع من التكامل الاقتصادي والاجتماعي هو نوع من أنواع التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان . يقول الله العلي العظيم عز وجل : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) }( القرآن المبين ، المائدة ) .
ثاني عشر : الهدايا : وهي تقديم هدية مالية أو عينية في مناسبات معينة أو في الزيارات الاجتماعية . فمثلا ، يمكن أن تكون الهدايا للعروسين كأدوات المطبخ أو الأدوات الكهربائية أو ما يحتاجه البيت كنوع من أنواع المساعدة غير المباشرة لههما لقطع الطريق أمامها من اللجوء لسياسة الربا المدمرة في المجتمع . ويمكن أن تكون الهدايا عاملا مشجعا للدخول في الإسلام العظيم أفواجا أفواجا وهي وسيلة للتحابب والتقارب بين الناس . وكذلك يمكن أن تلعب الهدايا المتمثلة بالملابس على الأعياد أو موسم المدارس أو بعد التخرج من الجامعة دورا فعالا في تقليل حاجة الناس للمال وتنقذهم من براثن الديون الربوية وخاصة لذوي الأسرة الكثيرة العدد . جاء في صحيح البخاري - (ج 9 / ص 36) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا " . وورد بصحيح مسلم - (ج 5 / ص 330) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ فَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ أَكَلَ مِنْهَا وَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا . وجاء في مسند أحمد - (ج 8 / ص 180) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَجِيبُوا الدَّاعِيَ وَلَا تَرُدُّوا الْهَدِيَّةَ وَلَا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ " . وجاء في مسند أحمد - (ج 18 / ص 425) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَغَرَ الصَّدْرِ " .
ثالث عشر : توزيع غنائم الحرب : ويكون ذلك بتوزيع غنائم الحرب على المشاركين فيها ، من المسلمين وفي مقدمتهم المجاهدين وعائلات الشهداء والأسرى والجرحى . يقول الله الواسع الكبير : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) }( القرآن العظيم ، الحشر ) . ويقول الله تبارك وتعالى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)}( القرآن الحكيم ، الأنفال ) .
على العموم ، إن الربا فساد وإفساد في الأرض بين العباد ، فكن أخي المواطن أختي المواطنة ، ممن يحبون التعامل المالي من الحلال وبالحلال وللحلال ، لتكون من المتقين الأخيار الأبرار الذين يبارك الله لهم في أموالهم وممتلكاتهم النقدية والعقارية . وليعلم الجميع ، أن ما يسمى بالقروض المالية البنكية من البنوك الرأسمالية ، وهي أموال ربوية ، يمحقها الله محقا بصورة عاجلة أو آجلة ، فلا تدخل في هذه الزمرة المغضوب عليها ربانيا ، والمال الحرام لا يجلب مالا حلالا بل هو يزهق بالباطل .فيا أيها المسلمون ، ذكورا وإناثا ، في كل زمان ومكان .. إبتعدوا عن وسائل الكسب غير المشروع إسلاميا ، وعليكم بتعاليم الإسلام الصحيحة بعيدا عن المكابرة والاستغلال ، فابتعدوا عن الربا خاصة فإنه مهلك للمال والنفس الفردية والجماعية والإنسانية ويولد الحقد والضغائن والحسد ، فكونوا عباد الله إخوانا . يقول الله الغني الحميد تبارك وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)}( القرآن الحكيم ، آل عمران ) .
عقوبات إلهية للمرابين والمتعاملين بالربا
هناك العديد من العقوبات الإلهية للذين يتعاطون الربا ،فرادى وجماعات ، من المودعين أموالهم للربا ولآخذي أموال الربا على السواء ، من أهم هذه العقوبات الدنيوية والأخروية الآتي :
أولا : محق أموال الربا ، والمستخدمة فيه .
ثانيا : الحياة المعيشية الدنيوية الضنك المتعبة .
ثالثا : القيام يوم البعث كمن يكون مجنونا يتخبطه الشيطان من المس .
رابعا : عذاب القبر بعد الموت .
خامسا : عذاب جهنم في الحياة الآخرة .
فيا إخوتي وأخواتي في الله .. لا تلقوا بايديكم إلى التهلكة ، ابتعدوا عن الربا المباشر وغير المباشر ، فإذا كنت ممن يمتلك مالا فلا تستخدمه في الربا ، فلا تضعه في البنوك الربوية ، واستعمله في الحياة الإسلامية الصحيحة ، والانفاق الحلال ، وانتفع بمالك وحاول أن ينتفع بها الآخرون من أبناء المسلمين قدر الإمكان بإحدى طرق الكسب الحلال والبيع والتجارة الحلال وإنشاء المهن الحلال . وإذا كنت ممن قل ماله فلا تلجأ لمهاوي الردى ، فاجتنب الربا ، اجتنابا قطعيا مطلقا ، وحاول أن تطرق أبواب الحلال من الرزق أو استعمال المال الحلال دون الحرام .. وإياكم أن تجروا أنفسكم لمهالك الدنيا ومهلكاتها الربوية ، فالربا يقود لجهنم الدنيا والآخرة ، وأسلك بهمتك السبيل الشرعي ، وإلجا إلى الله في جميع أحوالك ، ولا تلجأ للاستعانة بالبشر ، فهم مخلوقات مثلها مثلك ، والله هو الرزاق ذو القوة المتين . ولندع الله دائما : اللهم أرزقنا الرزق الحلال الطيب المبارك .. اللهم أكفنا بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عمن سواك .. اللهم فارج الهم وكاشف الغم ومجيب دعوة المضطرين ، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ، انت ترحمنا فأرحمنا برحمة تغننا بها عن رحمة من سواك .. ويا مفرج الكروب فرج كربنا يا الله يا عزيز يا حكيم . آمين ، آمين ، آمين .. يا رب العالمين .
وحياة سعيدة حميدة هانئة وهادئة نرجوها لكم بعيدا عن الربا والمرابين والمؤسسات والبنوك الاستغلالية الربوية في العالم . عافانا الله وإياكم من الربا وتبعاته المهلكة الدنيوية والأخروية إنه قريب سميع مجيب الدعاء . فبمقدار اقترابكم من الربا في التعامل المالي بمقدار تقربكم من نار جهنم والعياذ بالله من نارها في الدنيا والآخرة .
والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ .. في ذكرى المولد النبوي

لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ

عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ..

في ذكرى المولد النبوي الشريف
( 570 – 633 م )


عدد ممتاز جدا جدا جدا
جددوا البيعة للإسلام العظيم ..
جددوا البيعة للمصطفى صلى الله عليه وسلم

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس – فلسطين العربية المسلمة

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) }( القرآن المجيد ، التوبة ) .
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

{ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37 } ( القرآن المجيد ، الجاثية ) ، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين رسول الله محمد بن عبد الله البشير والنذير للعالمين كافة في كل زمان ومكان من بعثته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها في يوم جمع الخلائق والأمم أجمعين عدد خلق ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ، وبعد ،
السلام عليك يا سيدي يا رسول الله ، يا محمد بن عبد الله ، السلام عليك يا إمام المتقين ، السلام عليك يا إمام بيت المقدس وإمام النبيين والمرسلين في المسجد الأقصى المبارك بفلسطين المباركة ليلة الإسراء والمعراج الخالدة ، السلام عليك وعلى من اتبعك بإحسان إلى يوم الدين ، السلام عليك يا قدوتنا ومعلمنا وإمامنا الأعظم ، السلام عليك يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا .

أيها الإخوة والأخوات الكرام أهلا ومرحبا بكم في هذا العدد الممتاز من الموقع الإسلامي الشامل والجامع شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج ) ومدونة ( فلسطين العربية المسلمة ) .
على درب الهدى درب الإسلام العظيم ، نلتقي وإياكم عبر أثير الانترنت ، الجناح الإسلامي الملتزم والراضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ، نتواصل معا في ذكرى المولد النبوي المحمدي الشريف ، سيد الأنبياء والمرسلين وإمام المتقين الأخيار . وتحتفل الأمتين العربية والإسلامية عادة في ذكرى خالدة طيبة وعطرة ألا وهي ذكرى المولد النبوي الشريف الذي يصادف الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام هجري قمري .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك " ، رواه
نعم أيها الإخوة والأخوات الكرام ... لنغتنم فترة الشباب قبل الكبر والهرم والصحة قبل المرض والسقم والغنى قبل الفقر والعدم والفراغ قبل الشغل والانشغال ونستغل الحياة ونستثمرها قبل الموت والعودة إلى القبور ومن ثم البعث يوم البعث والنشور ولنسر على هدى المصطفى النبي محمد صلى الله عليه وسلم في سنته وكافة تعليماته لندخل الجنان دون حساب من الله الحنان المنان بديع السماوات والأرض ، ذو الجلال والإكرام .

والى العدد الممتاز من الإدراجات ،
إلى ملف الذكرى ( ذكرى المولد النبوي المحمدي الشريف )

ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء

في الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام هجري عربي ، يحتفل المسلمون في شتى أرجاء الكرة الأرضية من مشارقها إلى مغاربها ومن شمالها لجنوبها ، بذكرى مجيدة سامية عطرة جليلة ألا وهي ذكرى ميلاد النبي العربي الأمي الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين إلى العالم كافة وأعظم نبي من الأنبياء من أولي العزم ، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنها ميلاد الأمة الإسلامية جمعاء وكانت ولادته وحياته ما بين ( 570 م - 633 م ) بواقع 63 سنة عاشها المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم . يقول الله عز وجل في الذكر الحكيم على لسان اشرف الخلق : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) }( القرآن المجيد ، الأعراف ) . { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) } ( القرآن المجيد ، الأعراف ) .
أيها الإخوة والأخوات ... تشارك الأرض المقدسة ، ارض الإسراء والمعراج ، فلسطين المباركة ، في هذه الأيام المهيبة بتنظيم المهرجانات والندوات في بيوت الله وفي كل مكان لتخليد هذه الذكرى الحية في نفوس وعقول هذا الشعب المرابط والمجاهد في سبيل الله إلى يوم الدين عبر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ودار الفتوى والبحوث الإسلامية والمراكز والمؤسسات والأطر الإسلامية الشعبية والأهلية في الجامعات والمعاهد العليا وخاصة كليات الشريعة والدراسات الإسلامية وأصول الدين والقرآن الكريم التي تنتشر كحبات اللؤلؤ والمرجان على خارطة الوطن الفلسطيني ، وعبر وسائل الإعلام الالكترونية والمطبوعة والمسموعة والمرئية وعبر الانتر نت ، حيث يتضرع الآلاف من أبناء هذا الوطن المرابط في سبيل الله أن يعيد هذه الذكرى المحمدية النبوية العطرة على بلادنا وقد تحققت الأماني بإقامة الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشريف وقد زال الاحتلال عن الأرض والمقدسات الإسلامية .

البشارة بالنبي العربي الأمي

عندما رفع النبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام قواعد البيت العتيق طلبا في دعائهما من الله أن يبعث في تلك الديار رسولا من أنفسهم فاستجاب لهما الخالق سبحانه وتعالى ، فقد جاء في سورة البقرة : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) } ( القرآن المجيد ، البقرة ) .
وعن تبليغ وتنبيه المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام عن قدوم النبي المصطفى محمد ( احمد ) جاء في القرآن المجيد على لسان المسيح عيسى عليه السلام : { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) } ( القرآن المجيد ، الصف ) . وقال الله العزيز الحميد : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) }( القرآن المجيد ، الأعراف ) .
وعن البشرى كما أخبر عنها النبي المصطفى حبيب الله نفسه ، جاء بمسند أحمد - (ج 35 / ص 25) عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ وَسَأُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ دَعْوَةِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَةِ عِيسَى قَوْمَهُ وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ وَكَذَلِكَ تَرَى أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ " .

أيها الإخوة الكرام .. أيتها الأخوات المسلمات الماجدات ، وفيما يلي استعراض عام لمراحل نشأة وحياة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم .

أولا : مرحلة الولادة والطفولة

ولادة النبي العربي ، عن ذلك يقول الشاعر العربي العدل ، الذي مل الإسلام قلبه وروحه وعقله وجسده :
ولد الهدى فاهتزت الدنيا له فرحا وزالت دولة الإجرام
والظلم ولى ما له من عودة والعدل اقبل مفرد الاعلام
والجهل ولى ما له رجعة والعلم جاء يضيء للأنام
ولد النبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ، رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم الاثنين في الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام الفيل ويقال عام 570 م أو 571 م .

حوادث ومعجزات يومي حمله وولادته

قيل إن أم رسول الله السيدة الفاضلة آمنة بنت وهب ، عندما حملت به ، كما حدث الناس ، " أنها أتيت حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، قيل لها : إنك حملت بسيد هذه الأمة ، فإذا وقع إلى الأرض فقولي : " أُعيذه بالواحد من شر كل حاسد " ، ثم سميه محمداً . ورأت حين حملت به انه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام . وقد ولد النبي الكريم ساجدا معتمدا على الأرض بيديه ، وارتجف إيوان كسرى لمولده وسقطت منه 14 شرفه وغارت بحيرة ساوه وولد مختونا . وقال حسان بن ثابت ، والله إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان ، أعقل كل ما سمعت ، إذ سمعت يهوديا يصرخ بأعلى صوته على أطمة( حصن ) بيثرب : يا معشر يهود ‍‍، حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا : ويلك ما لك ؟ قال : طلع الليلة نجم احمد الذي ولد به .
وبعد أن اكتمل نمو الجنين واقتربت ساعة الميلاد العظيم ، وضعته أمه آمنة بنت وهب ، يتيما بعد وفاة والده عبد الله بن عبد المطلب عندما كانت حاملا به مدة شهرين ، وبعثت تطلب جده عبد المطلب ، فأتى ونظر إلى حفيده مسرورا فرحا تملأه الغبطة والسرور بكل جوارحه ، كيف لا وهو ابن ابنه عبد الله ، ابنه الأصغر الحبيب الذي كان افتداه بمائه رأس من الإبل في قصة طريفة تدل على غلبه إرادة الله العزيز الحكيم ، انه الذبيح الثاني الناجي من الذبح ، وكان الذبيح الأول النبي إسماعيل عليه السلام وقصته مع والده النبي إبراهيم عليه السلام وافتدائه بكبش ابيض املح اقرن من الجنة .
وما كان من جده عبد المطلب إلا أن حمله بين يديه ودخل به الكعبة مقبلا على الله بالدعاء والابتهال شاكرا له على هذا الوليد الجديد ، ثم رجع به إلى أمه آمنة بنت وهب واخذ يبحث له عن المراضع ، فكان من نصيب المرضعة حليمة السعدية ابنة أبي ذؤيب . إذ لم يكن في ذلك الأوان حليب مبستر أو جاف جاهر للحل والشرب أبدا . وتروي المرأة الفاضلة حليمة السعدية مرضعة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أنها جاءت إلى مكة مع زوجها وابن صغير لها ترضعه في نسوة من بني سعد في سنة مجدبة تلتمس الرضعاء وتقول : " وما ننام ليلنا اجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع ، ما في ثدييّ ما يغنيه ، وما في شارفنا ما يغذيه ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج .. حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء ، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم وذلك إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول : يتيم ‍ وما عسى أن تصنع أمه وجده ؟ ... فما بقيت امرأة كانت معي إلا أخذت رضيعا غيري ، فلما اجمعنا الانطلاق قلت لزوجي الحارث : والله إني لأكره أن ارجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا ، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه ؟ قال : لا عليك أن تفعلي ، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة " فأخذته حليمة السعدية وما أن وضعته على ثديها الخالي من الحليب فشرب وروي وشرب معه أخوه حتى رويا وناما ، وكما قالت إن ابنها في السابق لم يكن ليشبع من الرضاعة وفي هذه المرة شبع الصبيان الإثنان في الوقت ذاته .. إنها بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت على المرضع حليمة السعدية .. وقام الحارث في نفس الليلة وحلب الغنم فحلب وشرب وشبعت الأسرة كلها فباتت بخير وبركة ، عندئذ قال الحارث لزوجته حليمة " تعلمي والله يا حليمةُ لقد أخذت نسمة مباركة ‍، فقالت : والله لأرجو ذلك . وتتابع حليمة السعدية مرضع الرسول الكريم في صباه قائلة " فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، أي فطمته عن الرضاعة ، وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان .
حديث شق الصدر لرسول الله

عندما انتهى الرضيع المفدى الحبيب من الرضاعة وبلغ ثلاث سنوات ، جرى له شق بطنه . فعن ذلك ، سأل نفر من أصحاب النبي محمد فقالوا : يا رسول الله اخبرنا عن نفسك ، قال : نعم ، أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى أخي عيسى ، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام ، واسترضعت في بني سعد بن بكر . فبينا أنا مع أخ لي ( يقصد من الرضاعة ) خلف بيوتنا نرعى بهما ( أي غنما ) لنا ، إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجاً ثم أخذاني فشقا بطني واستخرجا قلبي فشقاه ، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه ثم قال أحدهما للآخر زنه بعشرة من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، ثم قال : زنه بمائة من أمته فوزنني بهم فوزنتهم . ثم قال : زنه بألف من أمته فوزنني بهم فوزنتهم ، فقال ، دعه لو وزنته بأمته لوزنها . فأنبت الله سبحانه وتعالى النبي محمد نباتا حسنا في بداية حياته الجليلة في كنف أمه آمنة وجده عبد المطلب ، وما أن بلغ من العمر ست سنين حتى توفيت أمه الحنونة ، فكفله جده عبد المطلب وكان يهتم به كثيرا فلما بلغ النبي ثماني سنين توفي جده فكفله عمه أبو طالب . وبذلك فقد عاش نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم يتيم الأبوين : الأب والأم على حد سواء وقد كان طيلة حياته تحت رعاية المولى عز وجل ، قال الله تعالى في سورة الضحى : { وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) } ( القرآن المجيد ، الضحى ) .

أسماء الرسول الكريم

لنبي الله محمد صلى الله عليه وسلم عدة أسماء منها ما ورد في القرآن الكريم مثل : محمد واحمد ، المدثر ، المزمل ، طه ، الأمي ، بشير ، نذير ، هادي . ومنها ما ورد في الأحاديث النبوية الشريفة مثل : حاشر ، ماحي ، صادق ، أمين ، أبو القاسم ، المصطفى . وجاء بصحيح البخاري - (ج 11 / ص 362) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ : أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْعَاقِبُ " . وفي صحيح مسلم - (ج 12 / ص 35) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ لِي أَسْمَاءً أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ رَءُوفًا رَحِيمًا " . وفي مسند أحمد - (ج 34 / ص 90) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ لِي أَسْمَاءً أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يُمْحَى بِيَ الْكُفْرُ وَأَنَا الْعَاقِبُ وَالْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " .
وكما ورد في كتاب السيرة لابن هشام فان للرسول الكريم بعض الأسماء معروفة في الأمم السابقة للدلالة على بعثته صلى الله عليه وسلم ، منها : باللغة السريانية ( المُنحَمَنّا ) ، وبالرومية ( البَرَقِليطسْ ) . وجاء بمسند أحمد - (ج 49 / ص 14) عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا كَنِيسَةَ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ عِيدٍ لَهُمْ فَكَرِهُوا دُخُولَنَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، أَرُونِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا يَشْهَدُونَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يُحْبِطْ اللَّهُ عَنْ كُلِّ يَهُودِيٍّ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ الْغَضَبَ الَّذِي غَضِبَ عَلَيْهِ . قَالَ : فَأَسْكَتُوا مَا أَجَابَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ ! ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ، ثُمَّ ثَلَّثَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ . فَقَالَ : أَبَيْتُمْ ، فَوَاللَّهِ ، إِنِّي لَأَنَا الْحَاشِرُ وَأَنَا الْعَاقِبُ وَأَنَا النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى آمَنْتُمْ أَوْ كَذَّبْتُمْ ثُمَّ انْصَرَفَ وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا كِدْنَا أَنْ نَخْرُجَ ، نَادَى رَجُلٌ مِنْ خَلْفِنَا ، كَمَا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ : فَأَقْبَلَ فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ : أَيَّ رَجُلٍ تَعْلَمُونَ فِيكُمْ ، يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ . قَالُوا : وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ فِينَا رَجُلٌ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْكَ ، وَلَا أَفْقَهُ مِنْكَ ، وَلَا مِنْ أَبِيكَ قَبْلَكَ ، وَلَا مِنْ جَدِّكَ قَبْلَ أَبِيكَ . قَالَ : فَإِنِّي أَشْهَدُ لَهُ بِاللَّهِ أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ الَّذِي تَجِدُونَهُ فِي التَّوْرَاةِ . قَالُوا : كَذَبْتَ ثُمَّ رَدُّوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ . وَقَالُوا فِيهِ شَرًّا . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَذَبْتُمْ لَنْ يُقْبَلَ قَوْلُكُمْ أَمَّا آنِفًا فَتُثْنُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا أَثْنَيْتُمْ وَلَمَّا آمَنَ كَذَّبْتُمُوهُ ، وَقُلْتُمْ فِيهِ مَا قُلْتُمْ !! فَلَنْ يُقْبَلَ قَوْلُكُمْ . قَالَ : فَخَرَجْنَا وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }( القرآن المجيد ، الأحقاف ) .

ثانيا : عمله المهني

عمل الأمين الصادق محمد صلى الله عليه وسلم ، في عدة مهن من أبرزها :
1. رعاية الغنم في صغره : وهي غنم أهله وبعض غنم أهل مكة ، جاء بصحيح البخاري - (ج 8 / ص 21) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ . فَقَالَ أَصْحَابُهُ : وَأَنْتَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ " .
2. العمل في التجارة : حيث عمل لصالح خديجة بنت خويلد ، المرأة الثرية في عصرها ، وقد ربحت تجارتها كثيرا بعد أن تولى الإشراف على تجارتها .

ثالثا : مرحلة الشباب والزواج

عندما بلغ الأمين محمد سن الخامسة والعشرين من عمره تزوج المرأة الفاضلة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، ورزق منها طفلين : القاسم وعبد الله توفيا وهما صغيران ، وأنجب منها أيضا أربع إناث هن : زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة الزهراء . وتزوج بعد ذلك عدة نساء ، أمهات المؤمنين وهن : سودة بنت زمعة ، عائشة بنت أبي بكر الصديق ، حفصة بنت عمر بن الخطاب ، زينب بنت خزيمة ، أم سلمة هند بنت أمية ، زينب بنت جحش ، جويرية بنت الحارث ، صفية بنت حيي ، رملة بنت أبي سفيان ، ميمونة بنت الحارث ، ومن سراري الرسول محمد صلى الله عليه وسلم : مارية بنت شمعون القبطية ، التي أنجيت للرسول ( ص ) ولده إبراهيم الذي توفي فيما بعد وتزوج الرسول أيضا ريحانة بنت زيد .
ويذكر أن جميع الأبناء الذكور للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم توفوا وهم صغار السن ، أما البنات فكبرن وتزوجن في حياته . وقد قال المشركون عن النبي عند موت أبنائه الذكور انه ابتر انقطع ذكره في الحياة الدنيا كما كانوا يتصورون فانزل الله سبحانه وتعالى سورة الكوثر : { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) } ( القرآن المجيد ، الكوثر ) . فبقي ذكره خالدا إلى الأبد ، وأما الذين نعتوه من شانئيه أي أعدائه بالأبتر بترت أي انقطعت ذكراهم وذهبت أدراج الرياح ، فلا ترى لهم باقية أبدا .

رابعا : مرحلة البعثة والدعوة الإسلامية

اعتاد الرجل الأمين أن يتعبد في غار حراء إلى الشمال من مكة المكرمة في شهر رمضان المبارك للتأمل والتفكير في واقع الناس وحياتهم وفي واقع الكون . وكان الناس في ذلك الوقت بعضهم يموج في بعض ، فالظلم منتشر وعبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع هي السائدة . وعندما بلغ الأمين محمد الأربعين من عمره بعثه الله نبيا ورسولا ، بشيرا ونذيرا للعالمين ، فقد جاءه الملك جبريل عليه السلام ذات يوم وهو في غار حراء فقال له اقرأ ، فقال له الأمين ما أنا بقارئ ثم رددها الملك عليه وقال له : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) } ( القرآن المجيد ، العلق 1 ) .
وقد نقشت هذه الآيات الكريمات في قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم وكانت بعثته في سنة 610 ميلادية . فقص ما حدث له لزوجته خديجة رضي الله عنها فقالت له : " ابشر يا ابن العم واثبت فو الذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ووالله لا يخزيك الله أبدا ، وإنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتقري الضيف وتعين على نوائب الدهر " . ورسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم هو بشر كسائر البشر من بني آدم . قال الله تعالى على لسان رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) } ( القرآن المجيد ، الكهف ) .
وقال الشاعر احمد شوقي يصف حالة الناس قبلة البعثة المحمدية :
أتيت والناس فوضى لا تمر بهم إلا على صنم قد هام في صنم
والأرض مملوءة جورا لكل طاغية في الأرض محتكم
مسيطر الفرس يبغي في رعيته وقيصر الروم من كبر أصم عم
يعذبان عبيد الله في شبه ويذبحان كما ضحيت بالغنم
وبعد البعثة اخذ المصطفى يدعو عشيرته و قومه لعبادة الله الواحد الأحد وترك عبادة الأصنام ، فصدع بما أمره الله سبحانه وتعالى وأنذر عشيرته الأقربين فلقي منهم الأذى والملاحقة مما اضطر للهجرة من مكة للمدينة المنورة سنة 622 م بإذن إلهي من الله سبحانه وتعالى ، بعد ثلاث عشرة سنة من الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة سرا وجهرا ، واستمر يدعو إلى الإسلام الحنيف في المدينة المنورة حتى وفاته في السنة العاشرة للهجرة فتوطد أركان الإسلام وانتشر إلى بقاع جديدة انطلاقا من نواة الدولة الإسلامية الأولى من المدينة المنورة ، التي أنارت درب السالكين للإسلام العظيم ، وخلدت الرسالة الإسلامية في الخالدين ، إلى ابد الآبدين ليوم الدين شاء من شاء ولو كره المبطلون .

صفات الرسول الكريم محمد

إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول

للنبي محمد صلى الله عليه وسلم عدة صفات جليلة كريمة اتصف بها قبل بعثه رحمة للناس كافة ، وتعززت هذه المكارم والأخلاق الحميدة ، بعد البعثة ، فقد كان الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه ، خلوقا في بيته كأبن وأب وزوج وجد ، وصديق فكان نعم القدوة للجميع . واهم هذه الصفات ما يلي :
1. الخلق العظيم : عن ذلك قال عنه الله سبحانه وتعالى في القرآن المجيد : { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) } ( القرآن المجيد ، القلم ) . نعم انه كان قرآنا يمشي على الأرض كما وصفته زوجته عائشة رضي الله عنها . جاء بمسند أحمد - (ج 18 / ص 137) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ " .
2. الرحمة واللين والحرص على المؤمنين : قال عز من قائل : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) } ( القرآن المجيد ، التوبة ) . وقال تعالى { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) } ( القرآن المجيد ، آل عمران ) .
3. الصدق والأمانة : فكان يلقب بالصادق والأمين .
4. الكرم والجود : فكان جواد كالريح المرسلة .
5. صلة الأرحام : وكان يصل رحمه ويحث الناس على ذلك .
6. الفصاحة والبلاغة : بالرغم من انه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، فقد كان أفصح الفصحاء وابلغ البلغاء بموهبة من الله عز وجل .
7. العفو عند المقدرة كما حدث عند فتح مكة وقال لأهل مكة الذين عذبوه وآذوه ( اذهبوا فانتم الطلقاء ) .
===
قال الشاعر العربي يصف محمد عليه الصلاة والسلام :
أقبلت يا طه فكنت منارة محيت الظلام وطوحت بغيوم
عم الظلام فلا بصيص هداية في ارض فارس أو بلاد الروم
وكذلك مكة قد غدت في غفلة وعماية وضلالة ووجوم
والبيت ، بيت الله صار مباءة لعبادة الأصنام والتنجيم
أقبلت يا أحمد للبرية هاديا ومنحتها علما لكل عليم
وأتيت بالقرآن نبراس الهدى وسبيلها للخلد والتكريم
حبل الإله به النجاة من الردى وسفينة تسعى إلى النعيم
صلى الله عليك يا علم الهدى ما جاد غيث من كثيف غيوم
أقبلت للدنيا فكنت سراجها ونصير كل معذب مظلوم

تكريم الله عز وجل للرسول الكريم

أولا : التكريم الدنيوي

لقد كرم الله رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا منذ ولادته ، فحصلت الشواهد المادية التي تدل على ولادة إنسان عظيم ، كما اشرنا في البداية ، وتمثلت عملية التكريم المتواصلة والمتلاحقة عبر حالات كثيرة نذكر منها :
1. تكريم مرضعته حليمة السعدية وأسرتها ، وعملية شق بطنه .
2. ومن مظاهر منة الله سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ما جاء في القرآن الكريم في حالة يتمه : { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) } ( القرآن المجيد ، الضحى ) .
3. نزول الوحي عليه لنقل وتبليغ القرآن الكريم باللغة العربية للناس كافة . قال الله سبحانه وتعالى : { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) } ( القرآن المجيد ، النجم ) . وفي المعجم الكبير للطبراني - (ج 9 / ص 387) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ :أُحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلاثٍ : لأَنِّي عَرَبِيٌّ ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ ، وَكَلامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ " .
4. معجزة الإسراء والمعراج الخالدة من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس والصعود إلى السماوات العلى إلى سدرة المنتهى ، برفقة الوحي الأمين جبريل عليه السلام وفرض الصلوات الخمس في اليوم والليلة في تلك الحادثة الجليلة القدر . قال عن ذلك عز من قائل : { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) } ( القرآن المجيد ، النجم ) .
5. حمايته عند الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وكف أذى المشركين عنه ونصره في المعارك التي ترسخ فيها الإسلام وانتشر إلى بقاع عدة ، وتأليف قلوب الناس من حوله كالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار . وكان ربه يخاطبه بالنصر والغلبة على المشركين كما قال الله سبحانه وتعالى لنبي آخر من أنبيائه : { قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى } ( القرآن المجيد ، طه ) . وقال الله تبارك وتعالى : { إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)} ( القرآن المجيد ، النجم ) . وغني عن القول ، إن لأهمية الهجرة النبوية في حياة الإسلام العظيم ، فقد أرخ بها المسلمون للأمة منذ أيام الفاروق عمر بن الخطاب .
6. رفع ذكره في الصلوات والأذان خمس مرات يوميا من على منبر المساجد الإسلامية في كافة بقاع الأرض في كل مكان وزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . إذ تلهج باسم الله ثم باسم محمد رسول الله شفاه الملايين من البشر في كل وقت وحين وهي الشهادتان : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، وهي أولى أركان الإسلام الخمسة قبل الصلاة والصيام والزكاة وحج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلا . قال الله تعالى عن ذلك : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) } ( القرآن المجيد ، الشرح ) .
وفي الشعر العربي قال الشاعر حسان بن ثابت عن رفع ذكر رسول الله في العالمين :
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد

7. تخصيص سورة تحمل اسم محمد في القرآن الكريم : وهي سورة محمد رقم 47 في القرآن ، وعدد آياتها 38 . وقد جاء ذكر النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم عدة مرات بالذكر الحكيم وكما هو معلوم فإن تلاوة القرآن الكريم هي عبادة لأنها ترديد كلام الله المقدس ، وإتباع أوامره واجتناب نواهيه . يقول الله تعالى : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)}( القرآن المجيد ، آل عمران ) . ويقول الله تعالى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40)}( القرآن المجيد ، الأحزاب ) . ويقول عز من قائل : { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2)}( القرآن المجيد ، محمد ) . وجاء بسورة أخرى : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)}( القرآن المجيد ، الفتح ) .
8. أمر الله المؤمنين بالدعاء للنبي والدفاع عنه من الآخرين وعدم إيذائه : قال الله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)} ( القرآن المجيد ، الأحزاب ) .
9. المناداة الإلهية على النبي محمد صلى الله عليه وسلم بصفات عدة ، وعصمته من الناس وذلك على النحو الآتي : يا أيها النبي ب 13 مرة ، نذكر منها : يقول الله جل شأنه : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65)} ( القرآن المجيد ، الأنفال ) . وقال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48) } ( القرآن المجيد ، الأحزاب ) . وجاءت مخاطبة الرب جل جلاله للنبي الكريم بصفة الرسول ، يقول الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) } ( القرآن المجيد ، المائدة ) . ويقول الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)}( القرآن المجيد ، المائدة ) . وقال الله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4) } ( القرآن المجيد ، المزمل ) . وقال تعالى : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) } ( القرآن المجيد ، المدثر ) . وفي القرآن الكريم خاطب الله سبحانه وتعالى الأنبياء الآخرين بقوله العزيز : { وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) }( القرآن المجيد ، البقرة ) . وخاطب الرب عز وجل نوح عليه السلام ، فقال : { يلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) } ( القرآن المجيد ، هود ) . وخاطب الله سبحانه وتعالى النبي إبراهيم باسمه فقال : { وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111)} ( القرآن المجيد ، الصافات ) . وجاءت عملية مخاطبة النبي داود من إله الأولين والآخرين ، فقال الله تعالى : { يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)}( القرآن المجيد ، ص ) . وبشأن موسى عليه السلام ، قال تعالى : { يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) }( القرآن المجيد ، النمل ) . وجاءت مخاطبة زكريا عليه السلام بالآتي : { يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7)} ( القرآن المجيد ، مريم ) . وخوطب يحيى عليه السلام ، فقال الرب جل شأنه : { يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)}( القرآن المجيد ، مريم ) .
وقال تعالى عن المسيح ابن مريم عليه السلام { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)}( القرآن المجيد ، المائدة ) ... وهكذا دواليك .
10. الفتح المبين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وغفران الذنب ما تقدم منه وما تأخر . قال تعالى : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) } ( القرآن المجيد ، الفتح ) .
11. قرن الله محبته و طاعته بمحبة وطاعة الرسول : قال تعالى : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) }0 القرآن المجيد ، آل عمران ) . وقال الله تعالى : { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81)}( القرآن المجيد ، النساء ) . وقال عز من قائل : { مَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) } ( القرآن المجيد ، الحشر ) .
12. شد الرحال للمساجد الثلاثة للمسلمين ، من بينها المسجد النبوي بالمدينة المنورة ، ومضاعفة الصلاة في المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة بألف صلاة عن المساجد الأخرى ما عدا المسجد الحرام والمسجد الأقصى المبارك . وجاء سنن ابن ماجه - (ج 4 / ص 321) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ " . وورد سنن ابن ماجه - (ج 4 / ص 333) أيضا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةٍ ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً ، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ بِخَمْسِ مِائَةِ صَلَاةٍ ، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ " . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد بصحيح البخاري - (ج 6 / ص 411) : " َلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى " .
13. وضوح مكان دفن جثمانه الطاهر للزيارة من قبل المسلمين في مواسم الحج والعمرة والعبادات الأخرى ، حيث دفن بقبر في بيته بالروضة الشريفة وهو داخل المسجد النبوي الشريف الآن بعكس غيره من الأنبياء والرسل الذين يختلف الناس في أماكن دفنهم . فهذا تكريم أيضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا .

ثانيا : التكريم في الدار الآخرة

1. العطاء الرباني الوفير غير المحدود : قال تعالى : { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)} ( القرآن المجيد ، الضحى ) . وقال تعالى : { ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5)}( القرآن المجيد ، القلم ) .
2. الشهيد على الأنبياء والمرسلين الشهداء على أممهم يوم القيامة : قال الله في محكم كتابه العزيز : { وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)}( القرآن المجيد ، النحل ) .
3. الشفاعة ودخول الجنة أولا ، وسيد الأولين والآخرين : جاء بسنن ابن ماجه - (ج 12 / ص 366) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ . وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ وَلِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ " . وفي سنن الترمذي - (ج 12 / ص 62) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَهُ قَالَ فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ عَجَبًا إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَقَالَ آخَرُ مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ كَلَامِ مُوسَى كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا وَقَالَ آخَرُ فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ وَقَالَ آخَرُ آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ . فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ ، وَقَالَ : " قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَهُوَ كَذَلِكَ أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَقَ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَلَا فَخْرَ " . وفي مسند أحمد - (ج 25 / ص 59) عَنْ أَنَسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنِّي لَأَوَّلُ النَّاسِ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَأُعْطَى لِوَاءَ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَإِنِّي آتِي بَابَ الْجَنَّةِ فَآخُذُ بِحَلْقَتِهَا فَيَقُولُونَ مَنْ هَذَا فَيَقُولُ أَنَا مُحَمَّدٌ فَيَفْتَحُونَ لِي فَأَدْخُلُ فَإِذَا الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ مُسْتَقْبِلِي فَأَسْجُدُ لَهُ فَيَقُولُ ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ وَتَكَلَّمْ يُسْمَعْ مِنْكَ وَقُلْ يُقْبَلْ مِنْكَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ أُمَّتِي أُمَّتِي يَا رَبِّ فَيَقُولُ اذْهَبْ إِلَى أُمَّتِكَ فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ شَعِيرٍ مِنْ الْإِيمَانِ فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ فَأُقْبِلُ فَمَنْ وَجَدْتُ فِي قَلْبِهِ ذَلِكَ فَأُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ فَإِذَا الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ مُسْتَقْبِلِي فَأَسْجُدُ لَهُ فَيَقُولُ ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ وَتَكَلَّمْ يُسْمَعْ مِنْكَ وَقُلْ يُقْبَلْ مِنْكَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ أُمَّتِي أُمَّتِي أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ اذْهَبْ إِلَى أُمَّتِكَ فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ نِصْفَ حَبَّةٍ مِنْ شَعِيرٍ مِنْ الْإِيمَانِ فَأَدْخِلْهُمْ الْجَنَّةَ فَأَذْهَبُ فَمَنْ وَجَدْتُ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَلِكَ أُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ فَإِذَا الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ مُسْتَقْبِلِي فَأَسْجُدُ لَهُ فَيَقُولُ ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ وَتَكَلَّمْ يُسْمَعْ مِنْكَ وَقُلْ يُقْبَلْ مِنْكَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ اذْهَبْ إِلَى أُمَّتِكَ فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ الْإِيمَانِ فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ فَأَذْهَبُ فَمَنْ وَجَدْتُ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَلِكَ أَدْخَلْتُهُمْ الْجَنَّةَ وَفَرَغَ اللَّهُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ وَأَدْخَلَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أُمَّتِي النَّارَ مَعَ أَهْلِ النَّارِ فَيَقُولُ أَهْلُ النَّارِ مَا أَغْنَى عَنْكُمْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْبَدُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا تُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا فَيَقُولُ الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ فَبِعِزَّتِي لَأُعْتِقَنَّهُمْ مِنْ النَّارِ فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ فَيَخْرُجُونَ وَقَدْ امْتَحَشُوا فَيَدْخُلُونَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي غُثَاءِ السَّيْلِ وَيُكْتَبُ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُذْهَبُ بِهِمْ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ بَلْ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الْجَبَّارِ عَزَّ وَجَلَّ " .
4. الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم صاحب المقام المحمود الموعود به يوم القيامة . جاء في سنن الترمذي - (ج 10 / ص 422) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ قَالَ فَيَفْزَعُ النَّاسُ ثَلَاثَ فَزَعَاتٍ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ أَبُونَا آدَمُ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا أُهْبِطْتُ مِنْهُ إِلَى الْأَرْضِ وَلَكِنْ ائْتُوا نُوحًا فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ إِنِّي دَعَوْتُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ دَعْوَةً فَأُهْلِكُوا وَلَكِنْ اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ إِنِّي كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْهَا كَذِبَةٌ إِلَّا مَا حَلَّ بِهَا عَنْ دِينِ اللَّهِ وَلَكِنْ ائْتُوا مُوسَى فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ إِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا وَلَكِنْ ائْتُوا عِيسَى فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ إِنِّي عُبِدْتُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ ائْتُوا مُحَمَّدًا قَالَ فَيَأْتُونَنِي فَأَنْطَلِقُ مَعَهُمْ قَالَ ابْنُ جُدْعَانَ قَالَ أَنَسٌ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَآخُذُ بِحَلْقَةِ بَابِ الْجَنَّةِ فَأُقَعْقِعُهَا فَيُقَالُ مَنْ هَذَا فَيُقَالُ مُحَمَّدٌ فَيَفْتَحُونَ لِي وَيُرَحِّبُونَ بِي فَيَقُولُونَ مَرْحَبًا فَأَخِرُّ سَاجِدًا فَيُلْهِمُنِي اللَّهُ مِنْ الثَّنَاءِ وَالْحَمْدِ فَيُقَالُ لِي ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَقُلْ يُسْمَعْ لِقَوْلِكَ وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ { عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } .
5. منحه نهر الكوثر بالجنة : قال الله تعالى : { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) }( القرآن المجيد ، الكوثر ) .

خامسا : الوفاة والانتقال إلى الرفيق الأعلى

خاطب الله جل جلاله ، رسوله الكريم الأمين ومبلغ رسالته للناس أجمعين ، بدنو أجله ، وانه سيموت كبقية البشر ، فقال الله المحيي المميت : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32)}( القرآن المجيد ، الزمر ) . ويقول الله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)}( القرآن المجيد ، الأنبياء ) . وهذا ما كان وسيكون فلا يخلد أحدا في الحياة الدنيا بل الخلود سيكون في الحياة الباقية وهي الحياة الآخرة .
بعد ثلاثة وستين عاما هي سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منها ثلاث وعشرون سنة في الدعوة الإسلامية إلى عبودية الله سبحانه وتعالى ، في مكة المكرمة والمدينة المنورة ، انتهى اجل النبي الكريم ، معلم البشرية ، ففي يوم الاثنين ، الثاني عشر من ربيع الأول للسنة الحادية عشرة للهجرة انتقل الرسول الكريم إلى جوار ربه إلى الرفيق الأعلى بعد أن دعا الله سبحانه وتعالى أن يعينه على المرض والاحتضار للانتقال للرفيق الأعلى : " اللهم أعني على سكرات الموت " . فتوفي صلى الله عليه وسلم ودفن محل وفاته مكان فراشه في بيته يوم الثلاثاء بعد أن ودعه الرجال جماعة بعد جماعة حيث بدأت عملية الوداع بالرجال ثم النساء ثم الصبيان . وعن مكان دفن الأنبياء عنه صلى الله عليه وسلم انه قال : " ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض " .
وقبل الختام لا بد من القول إن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بعث رحمة للعالمين فعمل على إخراج البشرية من الظلام إلى النور ولنا فيه قدوة وأسوة حسنة ، قال الله تعالى :
{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)} ( القرآن المجيد ، الأحزاب ) . وبعد موته صلى الله عليه وسلم لم يصدق ذلك بعض الناس فقام أبو بكر خطيبا فقال : ( أيها الناس ، إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت ، ثم تلا هذه الآية : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) }( القرآن المجيد ، آل عمران ) .
ووصف الله العزيز الحكيم النبي الكريم بأنه رسوله وخاتم النبيين ، قال تعالى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) } ( القرآن المجيد ، الأحزاب ) .
وقد استطاع الرسول العظيم محمد صلى الله عليه وسلم أن يوطد أركان الدعوة الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية بعاصمتها المدينة المنورة من خلال الجهاد في سبيل الله ، فكان مثالا للقائد الفذ العملاق الذي صنع كل شيء من لا شيء ، دينيا ودنيويا على حد سواء ، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا وفق تعاليم الآية القرآنية الكريمة : { وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) }( القرآن المجيد ، القصص ) .
ولسان حال الكافرين والمسيئين للمصطفى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم سيندمون يوم لا ينفع مال ولا بنون ، ولا مكان للتحسر والحسرة على ما فات . يقول الله العلي العليم : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)} ( القرآن المجيد ، فصلت ) .


من جهة أخرى ، جاء بموطأ مالك - (ج 5 / ص 371) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا : كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ " . وكتاب الله وسنه نبيه فضلا عن كونهما تشريعا وعلوما ومقومات حياة وقد اشتملت أيضا على أمر بمعروف ونهي عن منكر كذلك فيهما أخبار الأمم السابقة واللاحقة كما جاء في الكتاب المجيد تمجيدا لذكرى المصطفى صلى الله عليه وسلم الآيات الكثيرة ، ويمكن إذا سألتني عنها يمكن الإيجاز أو أن الحديث يطول في هذا المقام الشريف . وجاء بمسند أحمد - (ج 22 / ص 324) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْآخَرِ : كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، أَلَا إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ " . وبهذا فإنه يجب تجنب الكذب على المصطفى صلى الله عليه وسلم ، جاء بصحيح البخاري - (ج 5 / ص 37) عَنْ الْمُغِيرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ " .
بارك الله فيكم أيها الأخوة والأخوات .. الاحتفال الكبير والاحتفالات العظيمة في فلسطين تتواصل حول المولد النبوي الشريف ، ولو حاولنا استقصاء ما جاء بالقرآن المجيد من آيات حول تمجيد ورفعة ومكانة المصطفى صلى الله عليه وسلم لكنا فعلا عاجزين عن الحصر فمثلا لا على سبيل الحصر ، فالمصطفى صلى الله عليه وسلم نال المرتبة العظيمة والشرف الكبير كما تعلم عند ربه سبحانه وتعالى ، نقول من الأمثلة أو من النماذج التي وردت في شأن المصطفى صلى الله عليه وسلم منها : النموذج التشريعي في شأن الطاعة والامتثال ، أنظروا ماذا يقول الحق سبحانه وتعالى { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) }( القرآن المجيد ، النساء ) . إذن طاعة الله عز وجل مقترنة بطاعة رسوله الكريم ، وقال تعالى أيضا في حق طاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) }( القرآن المجيد ، الأحزاب ) .
ونحن هنا في فلسطين ، في ارض الإسراء والمعراج لنا ذكريات خالدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم حيث أسري به مع الملك جبريل عليه السلام من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس على البراق وإمامته للمتقين للأنبياء ، وإن ن الاحتفال برسالة أو ميلاد الرسول الكريم ، هو فرض كفاية في جانب وفرض عين ، في الجانب الآخر فإطاعة الرسول هي طاعة لله سبحانه وتعالى ثم نحن نحتفل بالمصطفى صلى الله عليه وسلم لا نحتفل به كشخص مارق عادي له في التاريخ اثر أو له كتاب أو له دراسة أو هو كان حاكما أو زعيما وإنما المصطفى صلى الله عليه وسلم أوصى به رب العزة سبحانه وتعالى في أرضه وهو صاحب الحوض المورود والمقام المحمود وبالتالي لا نستطيع أن نحيد كقيد أنملة عن السنة النبوية فلذلك نحن إذا احتفلنا بالمصطفى صلى الله عليه وسلم نحن نكون قد ائتمرنا بمنهج الله سبحانه وتعالى وأقمنا الخلافة { إني جاعل في الأرض خليفة } كيف تكون خليفة وأنت لست بممتثل للحق سبحانه وتعالى . أما إمامته في الأنبياء فهذا يعني أن الرسالات السابقة قد نسخت نسخا تاما فكان المصطفى صلى الله عليه وسلم هو إمام المتقين وهو إمام بيت المقدس وبالتالي سيد الأولين والآخرين ، فمن هنا نحن أصحاب فلسطين أو نحن أهل بيت المقدس نحن ورثة المصطفى صلى الله عليه وسلم بالإمامة ونحن ورثة هذه الأديان بالنسخ السماوي ، فأقل العقاب يوم القيامة لتارك سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم أن تزول لحم وجهه عن وجهه ، فكيف يرى في ذلك الوقت لنفسه شيئا ، فهذا حديث معاتبة من الحبيب صلى الله عليه وسلم عن الوجه ، نسال الله العفو والعافية . فهذا الرسول الكريم الذي عظمه رب العزة سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم ،والذي دعا الناس 23 عاما من عمره الذي عاشه 63 جدير بالإتباع وجدير بالدعوة وظل يكافح ويجاهد حتى نشر دعوة الإسلام فكان خير نموذج وخير مثال يحتذى به ، لقد جاهد بماله وبنفسه وبسيفه ثلاثا وعشرين سنة ليقضي على الوثنية ويخلص الناس من عبادة الأصنام وظلم الأسياد إلى عبادة رب العباد سبحانه وتعالى . وفي هذا الأوان نحن في البيت الفلسطيني في ارض الوطن نحتاج لجمع الكلمة ورص الصفوف والى الوحدة واللحمة الوطنية ، ما أحوجنا إلى جمع الشمل ولف اللفيف بدلا من الفرقة والضياع والاختلافات والنزعات والعداء والتربص والتقسيمات ، نحن مقبلون على الله نقول للذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم نحن مقبلون على الله ولن تنفعكم أموالكم ولا أولادكم أيها العرب وإنما يجب عليكم أن تنفعكم أعمالكم في الآخرة ، فالتشتت والتباين في الفكر وبخاصة نحن معشر الشعب الفلسطيني يجب علينا أن نعمل من أجل الوحدة الوطنية ، أما آن لنا أن نستيقظ وان تخشع قلوبنا لذكر الله ، ففي هذا اليوم العظيم آن لنا أن نرفع مكانة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى حيث كانت والى حيث وضعها الله وفي قلوبنا وفي نفوسنا ، نقول قولنا هذا نستغفر الله لنا ولكم ، وبارك الله فيكم أيها الأخوة الكرام ، والأخوات الماجدات .
أيها الإخوة والأخوات الكرام ... عبر أثير الانترنت العالمي ، نقول من الأرض المقدسة ، ومن محراب المسجد الأقصى المبارك ، كما قال الله عز وجل : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)}( القرآن المجيد ، لقمان ) .
النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم
في بعض المؤلفات الغربية المنصفة

ولا يفوتنا القول في هذا المجال إن الرسول الكريم ضمن التصنيفات الدولية من جميع الاتجاهات والاهتمامات الدينية والدنيوية : السياسية والعسكرية والاقتصادية والعلمية والأدبية والفكرية والفنية وسواها قد تبوأ المنصب الأول في العالم على مدار التاريخ الإنساني البشري منذ العصور الحجرية وحتى أيامنا هذه في القرن الخامس عشر الهجري ونحن في مطالع أبواب القرن الحادي والعشرين الميلادي ، الموافق للقرن الخامس عشر الهجري . ففي كتاب ( المائة الأوائل ) الذي يقع في 572 صفحة من القطع الكبير ، لمؤلفه " د. مايكل هارث " الأمريكي الحائز على عدة شهادات علمية أكاديمية( شهادة في الرياضيات من جامعة كورنيل عام 1952 ، وشهادة في القانون من جامعة نيويورك 1958 ، وشهادة في الفيزياء من جامعة أديلفي 1969 ، ودكتوراه في الفلك من جامعة برنستون عام 1972 ، وعمل في مركز أبحاث الفضاء العسكرية في ميريلاند وفي اكبر مرصد للأفلاك في كاليفورنيا ) ، وبالرغم من تحفظنا على بعض ما جاء في هذا الكتاب ، فان المؤلف قد وضع الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في المرتبة الأولى الذي عاش ما بين ( 570 – 632 م ) وتوفي عن 63 عاما ، فيقول المؤلف عن سبب اختياره للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في الموقع الأول من بين المائة الأوائل في التاريخ العالمي كله في الفصل الأول كما أوردته مجلة العربي الكويتية الصادرة في العدد 241 في محرم 1399 هـ الموافق كانون أول 1978 م ، ص 7 – 8 : " إن اختياري محمدا ، ليكون الأول في قائمة أهم رجال التاريخ قد يدهش القراء ، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين الديني والدنيوي . فهناك رسل وأنبياء وحكماء بدأوا رسالات عظيمة ولكنهم ماتوا دون إتمامها ( كالمسيح في المسيحية ) ... أو شاركهم فيها غيرهم أو سبقهم إليها سواهم (كموسى في اليهودية ) ، ولكن محمدا هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية كاملة وتحددت كل أحكامها وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته . ولأنه أقام إلى جانب الدين دولة جديدة فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضا وحد القبائل في شعب واحد هو الشعب العربي المسلم ، والشعوب في أمة ، ووضع لها كل أسس حياتها ورسم أمور دنياها ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم .. أيضا في حياته .. فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدينية وأتمها . ويتابع الكاتب النصراني ( المسيحي ) الأميركي سبب اختياره للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في المرتبة الأولى بين ( المائة الأوائل ) :
" إن معظم الذين غيروا التاريخ ظهروا في قلب احد المراكز الحضارية في العالم .. في بيئة متقدمة تبرز ظهور العظماء فيها ، ولكن محمدا هو الوحيد الذي نشأ في بقعة من الصحراء الجرداء المجردة تماما من كل مقومات الحضارة والتقدم ، ولكنه جعل من البدو البسطاء المتحاربين قوة معنوية هائلة قهرت بعد ذلك إمبراطوريات فارس وبيزنطة وروما المتقدمة بما لا يقاس ، وفي تاريخ الغزو في كل زمان ومكان يكون الغزو عسكريا . ولكن في حالة الرسالة المحمدية فان معظم البلاد التي فتحها خلفاؤه استعربت تماما وتغيرت لغة ودينا وقومية .. من العراق وسوريا إلى آخر الشاطئ الأفريقي غربا إلى السودان جنوبا وبقيت امة واحدة تتكلم لسانا واحدا إلى الآن . فهناك اليوم وبعد 1400 سنة ، خمسمائة مليون مسلم ولكن هناك بينهم حوالي مائة وخمسين مليون عربي . وهو معيار في قياس أثر الرسالة ، أي استمرارها الزمني وثباتها ، ليس له مثيل في تاريخ الفتح في العالم ... كذلك لا يوجد نص في تاريخ الرسالات نقل عن رجل واحد وبقي بحروفه كاملا دون تحوير كل هذا الزمن سوى القرآن ، الذي نقله محمد ، الأمر الذي لا ينطبق على التوراة مثلا أو الإنجيل ... ومن اجل هذا النفوذ الديني والدنيوي ، فإنني وجدت محمدا هو صاحب الحق الوحيد في أن اعتبره صاحب أعظم تأثير على الإطلاق في التاريخ الإنساني " .
ونقطة تجدر الإشارة لها وهي أن عدد المسلمين في العالم الآن بمختلف قارات الكرة الأرضية المتعددة قد بلغ أكثر من مليار وثلاثمائة مليون نسمة ، وهم في تزايد عاما بعد عام شمسي وقمري .
أيها الناس .. لقد ابلغنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رسالة ربنا جميعا وكان لنا ناصح أمين وأنا على ذلك من الشاهدين ، فلنحب هذا المرسل والناصح الأمين ونتبع هداه ولنمت مسلمين مؤمنين . اللهم أهد الناس أجمعين واغفر برحمتك لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان واجعلنا من الأبرار والمتقين بقوتك وحكمتك يا ارحم الراحمين ، يا من خاطبت رسولك وقلت له { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } وقلت في آية أخرى : { مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}( القرآن المجيد ، الحجر ، 5 - المؤمنون ، آية 43 ) . وصدق العظيم .
والسلام عليك يا نبي الله ورسوله ، يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا ، سلاما محمودا وممدودا مباركا فيه إلى يوم البعث والدين . سلام قولا من رب رحيم .
وبهذا أيها الإخوة والأخوات نكون قد قطفنا قطوفا دانية مباركة من سيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ، لنبقى بحبل من التقى والتقوى ، وتبقى القلوب تتدفق بنور اليقين ما دامت الدماء تمر في الشرايين ، فقد كانت تلك سيرة ندية شذية عطره من حياة إمام المتقين وسيد الأولين والآخرين ، فهذه السيرة هي خير زاد للناس في الحياة الدنيا الفانية للسير على خطاه القويمة والمستقيمة ، فيكن لنا القدوة الحسنة في كل زمان ومكان إن شاء الله .

انتهى .